25 مارس 2011

زلة حلم ..

26 تعليق


سافِرَ الوجه كان يركض، لاهثا، يبحث عن مخبأ..جن الليل، ولازال البحث يضنيه، لم يجد سوى كهوف من الحزن تحتضن عمره الفتي الهارب، وبضع سنانير تؤنس ليله المدلهم..

دوامة لا يسبر غورها غير المتمرس، لكنه وقع فريسة لبطش الشارع، ومحدودية التفكير رغم ذكائه المشهود..
أما كان من الأجدر اللحظة أن يكون بين أترابه، يتفرس في أمل قادم، وحياة تنتظره عريضة بحجم السماء؟..

هاهوذا مستلقٍ على بلاط صلب، يقصم ظهره النحيل، خلفه الأبواب موصدة، يتضور جوعا، ورجال البوليس، تعوي كالذئاب، مزمجرة في وجهه، تذيقه وابل اللكمات في الغدو والرواح..

لم يبلغ الحلم بعد، ولا عقله يستوعب ما يحدث له، انساق وراء ثلة من فتيان الشوارع، ليجد نفسه يركل الفضيلة، ويحتضن ما عداها من خبث ورذيلة، حتى سقط في شراك القدر وهو ينصب له كمينا، في محاولة اعتداء، هاهي ذي ترهن مصيره بين يدي زمرة من رجال الأمن..

انهارت عليه جبال من الأسئلة العاقر، يحاول في وحدته إيجاد أجوبة لها، تشفي حنقه، أو بعضا منه، يجرفه سيل من الدموع، تعتصر قلبه، وصورة عائلته ترتسم أمامه..أبواه الطيبان، لم يقصرا أبدا في حقه، منحاه أكثر مما يستحق، ومنحهما ما لا يستحقان..

قرعٌ متتال على الباب، ظلام دامس، لا يبصر من حوله شيئا، أصابه من الهول ما يعمر دهرا..من الطارق يا ترى؟..وفي أي هزيع من الليل نحن؟..
وبينما تهوي عليه الظنون كحد السيف..بدا له وجه أمه، كذبالة الشمعة توقد غرفة الضيوف التي نام بها على غير عادته..
- هيا انهض يا بني، إنه وقت المدرسة..كفاك خمولا، ستتأخر مرة أخرى...

أمضى يومه مهموما عابسا، تكتم على حلمه، دفنه في غيابة نفسه، أذعره الإنذار القادم من علياء السماء..فقرر أن يتدارك ، قبل أن تعلق قدمه في الوحل..فهو لا يريد أن يبصر وجه ذلك الخناس، في صورة رجل البوليس...

19 مارس 2011

أمي.. أنشودة في دمي

57 تعليق


تمهلي، تمهلي أيتها النسمة الدافئة، فخفقات القلب تنخفض وترتفع، تهوي وتعلو، ثم تستقر، حينما الوعثاء تصيبني، وأنا بين ثناياك أبحث عن مكان الطفولة، عن صدر لازلت أتحسس موضعه، رائحتكِ لازالت عالقة تحفظ سرها تلك القطرة الحارة على أرنبة الأنف، كلما داعب صوت الوله حواسي، حين الشوق يعبر المسافات ما بعد الألف، ومن القارة السمراء إلى الشقراء، تختلط العبرات، تنقل معها رائحة ماء الورد، وبشرة ملساء تشتهيها شفتاي، لأطبع عليها قصيدة حب تليق بمقامكِ..

يقفز دون موعد كأس الحليب الصباحي إلى مخيلتي.. اشربيه كله بُنيتي، وطريقك بإذن الله بيضاءٌ بيضاء..ما أروعك يا أمي، وما أروع البياض الذي رسمته دوما أحداقك الباسمة، وأنا بك أنادي ليلَ نهار، وأعتلي في حبك عرش الولاء..كل صباح، وكل مساء..

ويأتي صوتك، كالصدى المتردد، يجد بابي مشرعا، يسري بين مسامي، يتدخل بين الرمش والعين، يستكين فوق الأهداب، ينام كالحلم الجميل على سرير الذكرى، مستلقيا موليا قبلته نحوي، يخاطبني في صمت، فبيني وبينه لا يوجد حجاب، وتسود اللغة المحررة من الكلمات..

لازالت تصلني يا أمي، كل الكلمات، كل العبارات، الأسرار الصغيرة والكبيرة، يحفظها وعاء من وفاء، قفله شوق للزمن الهارب..
ما أحوجني لوصالك، لعناق أحجية جادت بها مفكرتك، ونحن نلتف حولك كما الهرر، نحملق في ذهول.. ونزعة طفولية الان تدغدغ خلايا الذاكرة..

ما أقسى الشوق، حين تحكم المسافات قواميس البشر، ويندس الحنين بين تنهيدة وأخرى، يرتفع صوته حيناً، وينخفض حيناَ، ينتظر لقاء يروي ظمأ الانتظار، ويلبي رغبة قبلة عالقة على شفاه الحاضر..أسمعهم الان ينادونني..الوطن وأمي، وطفولة مفتولة بخيوط من حب..

14 مارس 2011

بين الأمس واليوم

24 تعليق


يبحث في أغراضه، يتخبط كمن أصابه المَسُّ، عن دفاتره، عن كتبه القديمة، عن بقايا صوره التي زينت يوما ما جدار البيت، يبحث بين الدروب عن حارته التي سكنها، عن صبيان الحي..يبحث عن بقايا قطع الحلوى  التي كانت تجود بها أم أيمن ظهيرة كل جمعة..
أينهم يا ترى؟..لماذا لم يعد يسمع صداهم يتردد؟..المكان نفسه، والزمان آخر، غير الذي عايشه وعاش فيه !!..

أي طوفان جرف زمن اللهفة الكبرى!!..

إسوارة الزهر التي كانت تصنعها ابنة الجيران لم تعد تزين معصم صبايا الحي، ولا الصبيان يركضون خلف عمو صالح ينهشون ظروفهم من بين رزمة البريد الكبيرة.. 
 وحتى ضفائر فاطمة لم تعد تسابق الريح..أين هي الان يا ترى؟..أتراها تزوجت؟..ومن ظفر بتينك العينين العسليتين الساحرتين؟..

أعمدة النور العالية لما صارت خافتة هكذا؟..ألم يكن نورها يؤنس وحدة النجوم حتى ولادة خيوط الفجر الأولى؟؟..ورائحة الخبز، غريب لا أثير يحملها، لم تعد تفوح على بعد عشرين قدم من باب الحارة..الفرن..أين الفرن ؟..

تجمع الدمع في عينيه، وزفرة تخترق ذاكرته، تعيده إلى ساعة الغروب، وصدفات البحر، إلى أمواج تشرين الغاضبة، إلى فراشات آذار، وعطر البرتقال، إلى قصص الجدات، والأمثال الشعبية التي تناقلها الرجال..
تظهر في مخيلته فاطمة، والمواعيد المفتعلة الخجولة قبالة مراكب الصيد..ثم يمحو على عجل وجع الماضي بمنديل من ورق..

في لحظات ولد الماضي في عينيه، أغمضهما مسرعا، هرول هاربا من جور الذكرى، يبحث عن شجيرة نسيان، يقطف منها ثمرة..    

10 مارس 2011

عين على التاريخ (غرناطة - Granada)

26 تعليق




خصصت الجزء الأخير من الرباعية الأندلسية لغرناطة، جوهرة المدائن في القرن العاشر الميلادي، كانت في بداية الفتح الإسلامي قرية صغيرة لم يعرها المسلمون اهتماما لوجود مدينة البيرة بالقرب منها، لكنها صارت تنمو وتتوسع بعدما سقطت الخلافة في قرطبة، وأحرق البربر مدينة البيرة واستولوا عليها، مما دفع سكانها للانتقال إلى غرناطة، وصار اسمها يسيطر تدريجيا إلى أن حل محل البيرة..



كانت غرناطة تقع على الضفة اليمنى لنهر شنيل، وتخترق نهر حدرة، ويطل عليها من الشرق والغرب جبل شلير، أو ما عرف بجبل الثلج، الذي لم تكن تفارقه الثلوج صيفا وشتاء، كان لكل هذه العوامل الطبيعية أثر في ازدهار المدينة وإحاطتها بالحدائق والبساتين..
اتخد زاوي بن زيري عام 1013م غرناطة عاصمة له، ومدَّنها حبوس الصنهاجي، وحصن قلاعها وأسوارها وبنى قصبتها العظيمة، ثم خلفه ابنه باديس الذي ازدهرت في عهده المدينة وعمرت، هذا قبل أن تسقط مرة أخرى من أيدي بربر صنهاجة ويستحوذ عليها المرابطون عام 1089م..



توالت الأحداث وتقلد محمد بن يوسف بن نصر الحكم، وضم غرناطة ليجعلها مملكة له، بيد أن الأندلس الإسلامية أنذاك بدأت تتهاوى وتتساقط مدينة تلو الأخرى تحت سيطرة الزحف القشتالي، الشيء الذي جعل آمال الأندلسيين تعقد عليها، فصارت أنذاك معقل المسلمين الذين نزحوا من المدن المجاورة، فضمت بذلك مجموعة هائلة من العلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء، في علم الجراحة والحساب والهندسة والفلسفة وغيرها..
وقد بلغت غرناطة عصرها الذهبي في عهد أبي الحجاج يوسف الأول، فأقيمت أول نواة لقصر الحمراء، وشيدت الأبراج ونهض فن الزخرفة..




ظلت مملكة غرناطة صامدة تحارب  في عهد ملوك بني الأحمر، وتدرء الهجومات مدة قرنين، خلفت فيهما آثارا ضخمة منها قصر الحمراء، معقل غرناطة الهام، الذي يعتبر بمثابة متحف الحضارة الإسلامية الأندلسية التي لخصت فنا معماريا منقطع النظير، وقصر جنة العريف ومئذنة جامع التوابين، ومسجد البيازين وغيرهم..


هذا إلى أن سقطت آخر معاقل بني الأحمر في أيدي الإسبان عام 1492م، وخرج آخر ملوكهم أبو عبد الله منها، وتم إجلاؤهم عن الأندلس جميعها حيث نزح أغلبهم في اتجاه المغرب العربي..



ليبقى المكان الذي ألقى منه أبو عبد الله نظرته الأخيرة على غرناطة معروفا باسم ( زفرة العربي الأخيرة-El último suspiro del moro)..حيث تأمل غرناطة صامتا، ثم بكى ونظرت إليه أمه عائشة الحرة، والتي حفظ لها إلى الان الإسبان باحترام وتقدير كبيرين وألفوا حولها القصص والأساطير لما لعبته من دور لإنقاذ عرش غرناطة في مناسبات عدة بحكمتها، كما أنهم احتفظوا بمنزلها بحي البيازين الشهير، والمعروف اليوم بدار الحرة..
نظرت إلى ابنها عبد الله وقالت له..ابك كالنساء ملكا ضائعا لم تحافظ عليه مثل الرجال..

06 مارس 2011

رسالة حب قصيرة إلى أبي ..

55 تعليق


ما أكتبه لك هذا المساء ليس عرفانا، ولا هي رغبة في الكتابة لأجل الكتابة، إنه شعور خفي يدفعني لأدون لحظة صدق، وقطرات تتلألأ أجهل مصدرها، تدفعني لأقول لك كم أحبك يا أبي..

لم أجد ما يناسبك من كلمات، سأحاول أن أتحدث، لكن عن ماذا ؟ ..أعن مثلي الأعلى، وقدوتي في الحياة؟..عن الرجل الصلب صاحب القلب الشجاع؟..عن رجل خبر من الحياة الكثير، وحاول إيصال خبرته لأبنائه..؟؟..
أنت إنسان عظيم يا أبي، لا لأنني ابنتك أقول هذا، بل لأني أقف كل يوم على صدق ما علمتني إياه، كلماتك، آراؤك الوجيهة، خطاك السديدة، حكمتك وتبصرك..

هي فقط رسالة حب صغيرة، وحنين باغتني، ولدت دون تفكير، هكذا، أردت أن أوصلها إليك، محررة من تنميق الأسلوب وبلاغة اللغة، بسيطة عميقة، كما داخلي الذي يكن لك كل ما هو جميل..رسالة قد تقرؤها وأنت مار من هنا..أرسل لك معها أسمى التقدير، وكل ما يمكن لابنة أن تقدمه لأبيها... 

05 مارس 2011

عين على التاريخ..(طليطلة - Toledo )

18 تعليق


لنكمل سرد الرواية الجميلة، والحزينة...إنه عام 712م، والمكان قرب نهر وادي لكة، الذي تدور حوله المعركة التي سميت فيما بعد باسم النهر، وجيوش طارق بن زياد وهو قائدا تحقق انتصارا ساحقا على القوط (قبائل جرمانية شرقية حكموا الأندلس ثلاثة قرون حتى أوائل القرن السادس ميلادي)..


وهاهوذا شأن طليطلة يعلو في العهد الإسلامي، وتفوقها السياسي يبسط نفوده على كافة بلاد الأندلس، كما ساهم موقعها الاستراتيجي على نهر تاجة في أهميتها.
كانت قنطرة المدينة أبرز معالم الحضارة أنذاك، قبل أن يهدمها الأمير محمد عبد الرحمن حين ثار السكان عليه، ويعاد تجديدها في عهد العامريين..



عرفت المدينة ثورات عدة، لرغبة السكان في الانفصال عن سلطان قرطبة، ثم هدأت الأوضاع بقدوم عبد الرحمن الناصر، حيث ازدهرت العمارة والمنشآت، ومن أهمها المسجد المعروف بباب المردوم والذي تحول الان إلى كنيسة تسمى نور المسيح.



استقلت أسرة بنو ذي النون في طليطلة، وهم من البربر الذين كانوا في خدمة المنصور بن أبي عامر، وقد وضعوا عبد الرحمن بن ذي النون وليا عليها بعد خلع عبد الملك بن متيوه .

تعاقبت فترات الحكم وتولى أحد أحفاد عبد الملك وهو القادر بالله يحيى الحكم، الذي ثار عليه أهل طليطلة لقتله أبي بكر الحديدي شيخ المدينة وأحد أعيانها، وبعد أن تم طرده استعان بألفونسو السادس ملك قشتالة لاسترجاع ملكه، قبل أن يحكم عليه الأخير القبضة ويفرض الحصار على طليطلة لتسقط في عام 1084م، وتصير عاصمة مملكة قشتالة المسيحية.

أما عن أبرز ما عرف به عهد بني ذي النون، فهو نبوغ علماء الفلك والرياضيات وصناعة الأسلحة والأصطرلابات، وعن المدينة، فقد كان يتوسطها الجامع الكبير، على مقربة منه يقع سوق الدواب، وتكونت المدينة من حومات ودروب توسطتها حارة الصباغين، وحارة البئرالمرّ، الذي وجد بداخلها حمام عرف باسم حمام يعيش، فضلا عن أسواق أخرى كثيرة ومساجد أقيمت في فترات متفرقة..


 النبذة المقبلة ستكون عن غرناطة، أو الأندلس الصغرى كما كانت تسمى، مدينة تخطف مني تنهيدة كلما وقفت على أطلالها..

01 مارس 2011

وصية

32 تعليق


لا تبتعدوا عن القضية
وتنشغلوا.. 
فالجند الإسرائيلي يرصد الفجوة..
كما الغانية..
يطأ فيها رحم العرب
وينهش لحم القضية..
إن ابتعدتم..
ستلوث المياه النقية
سيذبح اليهود القدس
كما ذبح فرديناند الثالث إشبيلية

ستبكي السنابل
وتعقر الأرض العشبية
سيضاجع الغزاة النوارس
ويسرقوا آلات زرياب الموسيقية
ويحرموه  لحنه
وتغريدته البنفسجية

لا تسألوني كيف..فلست أدري!!
فقط، لا تذبحوا القضية..
اسقوها أمطارا عاجلة
لا أريد رثاء أندلس ثانية..
أريد أن أنام في خدر أمي
كما الأطفال..
حينما تأتي العشية

أصادق الشمس
ألهو بين ظلال النخلات
آكل من العناقيد الخضراء
وأقطف حبة من الشجرة البرتقالية..
أرفع رأسي بين النجمات
وأكتب فوق جبيني
قصيدة شعر جنونية
أحررها من عقد اللغة
وأرسم بكلتا يدي وجه الوطن..
على سور مدينتي 
بصباغة زرقاء زيتية

لا تغتالوا القضية
لا أريدها لوحة تزين متحف اللوفر
ولا جدران الإرميتاج الروسية
فلا قوارير العطر الفرنسية تضاهي رائحة الزعتر
ولا تفوقها جمالا حقول النرجس المخملية

لأجل الحمائم لا تغتالوا القضية
هي تشتهي أن تقرفص على الشباك
حينما الأين يوجعها 
كما باقي الأطيار في عرصاتها
تؤلف عند حدود الظلام أنشودة ليلية
يترنم فيها الصغار على إيقاعها
وترفرف في سماء الحرية..
وجوه بيضاء ملائكية 

لا تغتالوا القضية
لا تغتالوا القضية
هذه مني لكم يا عُرْبُ وصية..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More