23 فبراير 2012

ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان

11 تعليق


اخترت لكم هذه المرة عملا أدبيا عملاقا، ينقلنا من خلاله جيلبرت سينويه إلى عوالم أكبر علماء المسلمين "أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا"، على لسان تلميذه ومرافقه " أبو عبيد الجوزجاني"، يحكي قصة خمسة وعشرين عاما إلى جانب ابن سينا مذ نجاه صبيا من الموت ..

في هذا الكتاب، تكلست شراييني تارة وانفرجت أساريري أخرى، راودني الشك ووقفت على اليقين، إنه كتاب فريد، مليء بالأضداد والمتناقضات، رحلة في حياة الطبيب العالم حيث العذاب والنعيم والشهوة والفسق والورع والعلم والفقر والغنى، فيه يرحل ابن سينا إلى أقاصي الأرض ومغاورها، بين الشقاء والرخاء، فيه عذاباته وترحاله وصحبه واضطهاده، كتبه ورسائله وأدواته، إقامته في بلاط الملوك وجهلهم، مصيره المتقلب بين نفوذهم ونزواتهم..

كتاب يحمل من عبقرية الرجل ما يصيبك بالدهشة الكبرى، وكيف جمع بين الطب والفكر والفلسفة، كيف كان يستحق لقب الشيخ الرئيس وهو لم يتجاوز الثامنة عشر بعد.

لم يعتمد سينويه على الصفحات العشرين فقط التي دون فيها الجوزجاني رحلته مع معلمه في سرد وقائع حياة ابن سينا، بل تجاوزها ليربط الأحداث بوقائع تاريخية في دقة متناهية لا تشي سوى باطلاع شامل على مختلف جوانب شخصية ابن سينا الأسطورية.

هذا العمل الأدبي الضخم فيه أسلوب سردي مشوق وبديع لم أرى نظيرا له، وكأن الكاتب رافق العالم خطوة خطوة، أحاط بجميع التفاصيل ولم يهمل منها جانبا، أحكم حبكة النص فوُلد عمل باهر بالفعل..

كان هذا الجانب المشرق من الكتاب، أما نقيضه والذي حيرني بشدة، ومؤكد أنه سيفاجئ كل مطلعٍ عليه، يكمن في الجزء الآخر من شخصية ابن سينا، التي لم أعرفها قبل هذا الكتاب، أهي صحيحة أم مغلوطة لست أدري، لكنني أحترس من تصديق كل ما جاء به الكاتب هنا، فكيف لعالم جليل كان نابغة عصره وآمن أكثر من غيره وزهد في الحياة في سبيل أهدافه النبيلة أن يجمع بين الورع والفجور، وكيف يتمرغ في وحل الخطيئة ولذات الجسد وهو الذي لازم بيوت الله..
 ربما هو غرض في نفس الكاتب الفرنسي الذي ترعرع في مصر، جعله ينسب ابن سينا إلى أصول يهودية ويصوره غارقا في الخمر والمجون..

ومع كل هذا الزخم من المعلومات الغامضة، ستستمتع عزيزي القارئ برحلة ابن سينا قبل أن ينطفئ نوره على مشارف همدان ( إيران حاليا ) عن عمر لم يتجاوز السابعة والخمسين عاما، ستعبر الصحاري والوديان والسفوح والجبال، ستستحم بماء السواقي، تستلقي أرضا تفكر معه في سر الكون، تعد النجوم وتمر بالأسواق والحارات، تدخل بلاط الأمراء وتعيش بذخ السلاطين، تطلع على قذارة السياسة والتناحر من أجل السلطة، ثم تهوي مع أول خيوط الفجر حيث الفقر المذقع، تبحث عن قربة ماء وكسرة خبز..

ينتهي الكتاب وتبقى كلمات الجوزجاني عن معلمِه عالقة : " لم يزل اسمه ملفوظا وذكره محفوظا من سمرقند إلى شيراز ومن أبواب المدينة المدورة، بغداد، إلى أبواب الإثنتين والسبعين أمة، ومن فخامة القصور إلى ضواحي طبرستان، ولم يزل الصدى يترسل بأخبار عظمته في أرجاء المعمور " .

13 فبراير 2012

شذرات ( ٢ )

13 تعليق


هذا الغسق الممتد مع الريح
ينحدر من زقاق لا يؤدي إلى  شيء
أعبر الجسر..
أفتش عن خصلة عربية بين الغرباء
أبحث عن خرافتي حيث اختبأَ الدمع
وأضيع في الطريق مرتين
أقول للغتي : كوني هنا
كي تتسع الأرض للصدى
ويسيل ماء الأحلام على صدري
يصعد به *نيرودا* بين دفتيه
ليغسل اسم النزيف
وأمشي..
وأعاتب سواد الشَّعْرِ..
لأنه يسير باتجاه الريح


          **********

النوتات ضبابية
وشُوبَانْ أعار أصابعه للأفق المجاور
وفي دهشة فَالْدِيمُوسَا  
انبثق تْرِيسْتِسْ من بين الغبار
يبحث عن سَانْْدْ في عزف الغياب
عائدا إلى المدينة الواقفة
بين العاصفة وأشجار البرتقال
والنشيد المسافر في مناقير الحمام
يضيء باللحن المهاجر إلى إسبانيا
ضفائر الفتيات
ويزرع وردتين في جسدي
وردةَ نرجسٍ وشاعرًا تَسندهُ القصيدة..
ثم أٌطلِقُ الحمام للشفق الأحمر والأشجار
أرتب تبعثري
ويذوب في حنجرتي
مذاق اللحن..


           **********

يأتي من مكان لا أراه
...
كلما مرت رياح المساء
وجدته بين إغفاءتين ضائعا على ثغري
يحلم بزهر اللوز يحترق في نبيذ الشفتين
وفي نزهة حب قصيرة يستريح فوق أهدابي
يمحو خرائبه القديمة..
يقول لي..وذراعاه ممدودتين:
أيتها المسافرة في السراب وفي فحم الليل
 وبياض الزنابق وحصى الوديان..
اقتربي..
لتنفجر عوسجة في دمي
وأرى وجهكِ وفرحي
مرسوما في صحف السماء
اقتربي أكثر..
لينمو العشب على صدري
وينبت خوخ الأرض في الهواء

01 فبراير 2012

إشبيلية..عاصمة المنصور الموحدي

11 تعليق




أمر السلطان الموحدي المغربي أبو يوسف يعقوب المنصور شيوخ الموحدين بالاجتماع حين شعر بالموت يدنو منه، ثم قال وقد اغرورقت عيناه بالدموع: أيها الناس، أوصيكم بتقوى الله تعالى وبالأيتام و اليتيمة ؟.. قال أبو محمد عبد الواحد، يا سيدنا يا أمير المؤمنين و من الأيتام و اليتيمة ؟..
قال: اليتيمة جزيرة الأندلس والأيتام سكانها المسلمون، و إياكم و الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها و حماية ثغورها و تربية أجنادها و توفير رعيتها . ولتعلموا أعزكم الله أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها، و نحن الان قد استودعنا الله تعالى و حسن نظركم فيها، فانظروا أمن المسلمين و اجروا الشرائع على منهاجها..


مات المنصور الموحدي، وحاصر فرديناند الثالث إشبيلية عاما بأكمله، دخلها غازيا..وقضى على حضارة عظيمة خرجت معها المدينة نهائيا من أيدي المسلمين..
رحل المنصور، وترك الجيرالدا قائمة تروي حكاية خمسمائة وعشرين عام..


لحسن حظي كان يفصل الفندق عن الجيرالدا مائة متر فقط، وشرفته تطل على مئذنة المنصور،  ذلك جل ما أبغيه، لا أغفو قبل أن أمعن النظر فيها، وكأنني أتشبع ببقاياها، أملأ رئتي بالهواء القادم من هناك..


الجيرالدا، رمز إشبيلية الخالد، المئذنة السامقة للمسجد الجامع، بنيت في عام 1184 م بأمر من الخليفة المنصور، بعد عودته منتصرا على جيوش قشتالة في معركة الأرك الشهيرة، وقد قامت على أنقاض مبان رومانية، صومعة شاهقة الارتفاع ، الجزء الإسلامي منها يبلغ ارتفاعه ٦٥،٦٩ متر، أما الان فيبلغ ارتفاعها ٩٧،٥ متر، كان المنصور قد أمر بتكليل مئذنتها بأربع تفاحات ذهبية بهرت الأنظار ببريقها، كما بنيت من دون أدراج ولكن بمنحدرات عددها 35 تمكنك من الصعود أعلى البرج..


كان ضروريا أن أقف على قمتها، فعلت بعدما تجولت في أرجاء الجامع الكبير ( كاتدرائية إشبيلية حاليا) رفقة مرشد عرفني على أرجائها، التي ما عادت تحمل طابعها الإسلامي، استعجلت نفسي وكلي شوق للوقوف أعلى المئذنة، صعدت المنحدرات الخمسة والثلاثين، وصلت لاهثة إليها، تساءلت عن حال المؤذنين وقتها، وكيف كانوا يصعدون كل هذا لرفع الآذان خمس مرات في اليوم، فعلمت أنها بنيت عريضة بشكل كان يستطيع فيه المؤذن الصعود إلى أعلى البرج وهو راكب حصانه للنداء إلى الصلاة.


من هناك تبدو إشبيلية بكل أبعادها، جميلة من كل الجهات، تطل على حدائق واسعة،  نظرة ذهبت بي بعيدا حيث الحلم اللامحدود..
أيقظتني نواقيس الكنيسة، التي حلت محل المئذنة، وضع أعلاها تمثال من البرونز يرمز إلى السيادة المسيحية، صنعه بروتولومي موريل عام ١٥٦٧ م، حيث يدور مع الريح، وسمي خيرالديو، أي دوارة الريح، ومنه جاءت تسمية المئذنة بالخيرالدا..
نزلت ذات المنحدرات، أتحسس الجدران، أتأملها بحواسي كلها، ألامس الحيطان التي رددت صدى اسم الله ذات زمن..



على بعد خطوتين من الجيرالدا، يوجد قصر "ألكازار"، قصر بديع مثلما هي كل القصور الأندلسية، اختلفت الروايات بشأنه، والأرجح أنه بني في موقع قلعة إسلامية أندلسية قديمة، قيل أنها بقايا قصر المعتمد ابن عباد، وأتم إنشاءه الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور..



اقتنيت تذكرتي، دخلت القصر، فوجدته صرحا معماريا أندلسيا عربيا إسلاميا باهرا بضخامته وزخارفه وجماليته..
أتواجد الان في الطابق الأول، معظمه أندلسي رغم التغييرات التي قام بها الملوك الإسبان، فنجد بهو السفراء وفناء العرائس حيث نقشت آية الكرسي، وجناح الملوك الأندلسيين وجناح الملوك الكاثوليك وفناء الصيد وفناء العذارى وبهو كارلوس الخامس وغيرها..


الأعمدة مزخرفة والجدران مكسوة بالقيشاني، عليها زخارف من عبارات وتحيات وأدعية وآيات قرآنية..
أبهاء القصر وأفنيته أبوابها عديدة، كل فناء وكل بهو يفضي بك إلى آخر، أما النقوش الإسلامية الأندلسية ففي كل مكان..


أقتني تذكرة أخرى للصعود إلى الطابق العلوي من القصر، هنا ستتوقف عدستي مرغمة، استغربت من الحراسة الأمنية المشددة على هذا الطابق، لا يسمح بالصعود إليه إلا في أوقات محددة..
جاء دوري، صعدت الدرج، مررت بنقطة التفتيش المتواجدة بذات المكان، احتفظوا بحقيبتي وآلة التصوير وكل أغراضي، ظننت هاتفي الذي كان مخبأ في جيبي سَيَفِي بالغرض، لكن هيهات..فرجل أمن صاحبني طول الوقت، أما الزيارة فليست عشوائية، فأنت تمر بالغرف التي يحددها المرشد، وهناك من منع فيها التجول..
الطابق العلوي إسباني بامتياز، به مصلى الملوك الكاثوليك، وجناح الملك بيدرو، وبهو الملوك، أثاث فخم وثريات عملاقة، أغراض الملكة إيزابيلا، الهدايا الثمينة التي تلقاها الإسبان من ملوك فرنسا وإنجلترا وغيرهما، صور الملوك وأبنائهم التي رسمت ذاك العهد بريشة كبار الفنانين..الجدران مكسوة بالتماثيل والأيقونات الكاثوليكية..
معالم الحضارة الإسلامية في هذا الطابق طمست عن آخرها، ما سلم منها سوى بضع نقوش خجولة وزخارف ظلت تحمل اسم الله، وقاعة وحيدة لازالت كما كانت، على الطراز الإسلامي الأندلسي..أما البقية فمحيت تماماً..


انتهت الزيارة، وبينما أستعيد أغراضي سمعت تكبيرة تنبعث من مكان قريب، جذبني الصوت، إلى حيث مصدره، كانت صالة تعرض فيها جميع أنواع الزخارف والفسيفساء التي استعملت في القصر، وصوت موشح مطلعه "الله أكبر" ينبعث من ميكروفونات المكان في هدوء..


غادرت أبحث عن السكينة في حدائق القصر الغناء، لأبدد بعض الحسرة، أشجار الليمون والبرتقال متناثرة في الأرجاء، النوافير في كل زاوية، الشمس ترسل أشعتها، فيتلألأ الماء وتنعكس الخضرة على ريشة الفنانين الذين انتشروا في الحدائق يرسمون لوحات فاتنة..


أتوقف عند مطعم مقابل للجيرالدا، أتناول وجبتي التي أسرفت فيها مذ وصلت إلى هنا، بارعون هم الإسبان في تحضير وجبة "البايلا" بفواكه البحر، هي مفضلتي، وأكثر حين يقدمها مطعم إسباني تقليدي متخصص في ذلك..


أكمل مسيرتي، نحو برج الذهب "توري ديل أورو" ، برج المراقبة العسكري، الواقع على ضفة نهر الوادي الكبير "كوادلكيفير"، هذا البرج الضخم ذو الإثني عشرة زاوية، يقع جنوب غربي القصر، هو الوحيد الذي بقي من الأبراج التي خلفها الموحدون، حيث كانوا يقيمون أسوارا عالية ذات أبراج منيعة تربطهم بالقصر تحسبا لأي هجوم ودفاعا عنه..
البرج يتكون من ثلاث طوابق، هو اليوم متحف بحري، يضم أدوات قديمة ورسائل ووثائق تاريخية لمدينة إشبيلية..


جلست في مقهى على ضفة الوادي الكبير، أحتسي غبطة وألما، أرقب جريان النهر وظلال النخيل، أعبر بعينيَّ قنطرة الوادي  وألمح انعكاس البنايات على صفحة الماء، وجوه المارة والبازارات الصغيرة، فساتين راقصات الفلامنكو التي تملأ المحلات، أشجار البرتقال على ناصية الشارع الرئيسي، حوانيت  تبيع معالم المدينة للسياح، عازف غجري يلقي لحنه على مسافة مني..أسترجع بصري..أعد الدقائق الأخيرة، في انتظار طائرة ستعيدني إلى باريس..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More