21 مارس 2012

البيت الأندلسي

13 تعليق


"حافظوا على هذا البيت، فهو من لحمي ودمي. ابقوا فيه ولا تغادروه حتى ولو أصبحتم خدما فيه أو عبيدا..إن البيوت الخالية تموت يتيمة".

كانت هذه وصية سيد أحمد بن خليل (غاليليو الروخو)، أحد المورسكيين ( مسلمي الأندلس) الذي تم تهجيره غصبا من حاضرة غرناطة بعد أن أذاقته محاكم التفتيش المقدس الإسبانية الويلات، رأى في سجونها أصنافا وألوانا من العذاب الذي يفوق احتماله طاقة البشر، لكنه نجى من موت محقق بأعجوبة، حيث وضع الله في طريقه رجلا من رجال الكنيسة ساعده على الرحيل..

مغادرته الأندلس كانت بداية حياة حملت له من الشقاء والفرح والأمل والألم والأسئلة ما لم يجد لها جوابا، ركب سفينة التهجير الضخمة هو والاف غيره مجبرين نحو الجزائر، وترك وراءه بلاده وتفاصيل حياته وحبا يكاد يكون مستحيلا في زمننا الأغبر، ترك وراءه سلطانة بالاثيوس، مارانية ( المارانيون = يهود الأندلس) جمعهما حب عنيف سيحارب حتى النهاية..

بطل الرواية، مراد باسطا، آخر ما تبقى من السلالة المنقرضة، يحاول جاهدا الحفاظ على مخطوطة جده الأول غاليليو، التي دون عليها فضائع ما جاءت به محاكم التفتيش، يساعده في ذلك حفيده سليم وماسيكا، الفتاة الموريسكية التي تعثر بها ذات صدفة، كما يسعى لإثبات حق ملكيته للبيت الأندلسي الذي بناه غاليلو الروخو قطعة قطعة كعربون محبة للالة سلطانة في منفاه في الجزائر، والذي كان متأكدا من أن سفينة القدر سترسو بها عند بابه وإن طال الزمن..

هذا البيت الذي بناه غاليليو في القرن السادس عشر بكل جوارحه وصممه على الطراز الأندلسي المحض بما بقي عالقا في ذهنه من صورة أحد بيوت البيازين بغرناطة، والذي تعاهد أمامه مع لالة سلطانة بأن ينشئا مثله ويورثاه لأبنائهما، نجح في جلب أندلسه إلى منفاه، كل ما فيه يعبق برائحة أرضه الأولى، أشجاره ومسكه ونافورته، حتى الموشحات الأندلسية والفرقة الموسيقية التي كونتها لالة سلطانة ورفيقاتها حين التحقت عبر سفينة تهجير هي الأخرى بغاليليو وعادت لهما بهجة الحياة بعد طول فراق..

لقد برع واسيني الأعرج بدقة متناهية في وصف قرون خمسة مضت، تعاقب فيها الكثيرون على البيت الأندلسي بعد رحيل غاليليو، فعاش فيه كما يصف الكاتب، العشاق والقتلة، النبلاء والسفلة، الملائكة والشياطين، الشهداء والخونة..
سيستولي القراصنة الأتراك على البيت الأندلسي بعد أن يغتصبوا صاحبته، ثم يتحول إلى أول دار للبلدية في الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي، بعدها سيتكالب عليه ورثاء الدم كما سماهم الكاتب، فيتحول إلى كاباريه ثم إلى ماخور فمركز لتهريب المخدرات والأسلحة..
إلى أن وصل إلى عهد ساكن البيت ( مراد باسطا) الذي ظل كمن سبقوه من سلالة العائلة يسكن بيت الخدم المنتمي للبيت الأندلسي، والذي قاوم بكل قواه السلطات التي تريد تهديمه لاستغلال مساحته الأرضية وذلك لبناء برج عظيم، والذي سيحمل اسم برج الأندلس..

حملت هذه الرواية دلالات أعمق من قصة بيت يتم الاقتتال عليه، إنها كما يقول الكاتب " استعارة مُرّة لما يحدث في كل الوطن العربي من معضلات كبرى تتعلق بصعوبة استيعاب الحداثة في ظل أفق مفتوح على المزيد من الخراب والانكسارات".

البيت الأندلسي هو كذلك الوجه الثاني للأندلس، للخيبات والانكسارات، للفرقة والضياع، للتعذيب والتنكيل، هو التناحر باسم الدين، هو ضريبة حضارة القرون الثمانية..
البيت الأندلسي هو الوطن العربي ممثلا في الجزائر، هو جشع الطبقات الصاعدة التي لا تتوانى عن إزهاق الأرواح وتخريب البلد لحساب مصالحها الشخصية، هو البلادة العربية والوطنية الغائبة، هو التجارة باسم الدين وتطبيق الشريعة باسم المصالح..

في هذا الكتاب يبيع الرجال أوطانهم من أجل حفنة مال، ويدفنون التاريخ حين يعارض هواهم، رجال يجهلون ماضيهم ويدوسون حضارة كاملة بأقدامهم..رجال تنخرهم سوسة المال والسلطة وما سواهما خارج عن مِلتهم..

خرجت من هذه الرواية ممتلئة بالماضي، بتاريخ نهشوه وحرفوه وزوروه وشوهوه لحاجة في نفس يعقوب، لكنه أحيا فيّ ذاكرة لم تمت، برغم الحرائق التي بقيت في حلقي وبرغم الشجون..

14 مارس 2012

صراع على هامش الحياة ..

19 تعليق


عقلي يطن بالهواجس، في مساء سواده يشي بقلق فجائي، تنشط خلايا الذاكرة، يبتسم لها القلب بوهن، طمعا في إزاحة ثقل الأيام الجاثمة عليه..

يطبق السكون من حولي، فتبدده ذاكرة المدن، تأتيني رائحتها من بين طيات السحاب، فأرحل بخيالي إلى موضع بعيد جداً، إلى حيث يستبد بي الحنين، ولا زاوية تسعني في ظل الكون الفسيح..

نظرتي تعكس شعورا ما، كامنا في قرارة نفسي، لم أتبينه بعد..
تتقاذفني أسئلة كثيرة، ولاشيء سوى أفكار بالغة الشحوب، وهمهمات يلقي بها داخلي، تطوحني خارج الزمان، محمولة على أجنحة الملائكة أو ربما في موكب تقوده الشياطين..

في لحظة هاربة، أشياء كثيرة تصحو فيَّ فجأة، كصورته التي لم تشخ أبدا، كقصيدة مبعثرة تركتها على حيطان مدينة شمالية، كحرقة وداع أخير في مطار مدينة قائظة..

وأنا أجوب الفراغ، اشتهيت الكثير، أشيائي الخفية، أوراقي، مذكراتي، اشتهيت كل شيء، رائحة الخزامى وعطر الشجر، لون الفراشات وحقول السنابل، الدراجة الهوائية وحتى الموج الهائج في عاصمة صاخبة..

عثرات لا دواء لها، إلا الكتابة..لكن..لماذا تحمل دوما بين طياتها انتكاسات لا وجود لها إلا في العقل الباطن؟ ولماذا يميل القلم إلى الخيبة ويغلق نافذة الحلم مع أن الأفق واسع؟ كيف نفقد شهوة العيش وماذا يعني أن نستحضر عنوة ذاكرة انمحت وخرمتها دودة الأيام..إنها محاولات عابثة، كمن يبحث عن نوتة موسيقية في آلة خربة..

أصداء تمر على حواف أذني، تزيدها ثقلا، يفلت الزمن من يدي، خاطري متقد وساعتي متسارعة الخطى، لا تكف عن الدوران، أودها لو تتثاقل، لا لرغبة في العيش أكثر ولكن لاستبطاء الوقت عند ممر الذاكرة وهي تنسلخ عن الواقع..

نهرب دوما من الحاضر..أصرخ بلا صدى..لماذا نفعل؟..ألأن الماضي كان أقل مرارة، أم لأنه مضى وانتهى واحتويناه من أعلى، استثنينا عنصر المفاجآت فصار مجرد سيناريو تشتعل أحرفه في العمق بشوق لإعادة إحياء التفاصيل؟..

سنوات تمضي، وأخرى تأتي، متشابهة، تحمل  أشواقنا، تبدو غريبة، ثم نتعود عليها، كما نتعود على الأمكنة والريح والأشجار والغياب..
تصنع الصدفة قدرا، وأسئلة لا تنام، فتغيب الخيارات، ونلحق بالركب على سفينة الحيرة، نركب عباب البحر مرغمين، وتسوقنا الريح خارج الوقت..

يسكنني جنون الكتب، مولعة برائحة مكتبتي، وحدها تملأ خوائي، لاشيء في هذا العالم غيرها يمت بصلة لقوم أعرفهم ويجهلونني، أسافر إلى أرضي الأولى، أملأ صدري ونظري بألوانها، بالدفء المشع الذي يصعد منها، بسرها الذي لا أدركه، أُشبع جوعي، أدخلها وأخرج كاملة، معي النسائم المالحة التي يجود بها البحر، والأشعة الصباحية التي تخترق عذرية الستائر، أشجار الزيتون والبرتقال، رائحة المسك، وزهر الياسمين الذي تحمله عربات الليل، حتى الأدوات الصدئة التي كانت تستريح فوق العشب المبلل..كلها معي..

في لحظات الخلوة وساعات الضجر، أبحث عن أي شيء يعطي معنى لمنفاي، لحلمي الهش، يأتيني صوت أرضي متسربا من بين أشجار الصنوبر العاليات، مخترقا الصخور والوديان، وقلقي الذي أتملص منه في لحظات الغفلة، أهرب من أشواقي المنكسرة وهسهسة الماء في عشية ربيعية..

لا..لا..لست نسمة هاربة معلقة بين السماء والأرض، الأمل..هذا الشعور أجمل ما فيَّ، لن يُسرق مني، لن تهزه نداءات الاستغاثة التي تملؤني، هناك خيارات أخرى أقوى من قرار الصمت وحفنة ماء وضعها الله في عمق الحرائق لعباده العابرين..

لم أكن أهذي، لم يكن هناك أصلا داع للهذيان، ربما كانت خطوطا تشابكت في لحظة خاطفة، أو مقطعا من كتاب احتفظت ببعضه ذاكرتي فصغته لاشعوريا بطريقة مبهمة..أراه نشيدا حزينا يئن تحت وطأة النفس القاسية..وربما يكون شيئا آخر..


لست أدري..

08 مارس 2012

ذاكرة أندلسية ( إشبيلية )

17 تعليق


في إشبيلية..
أرى برق القصيدة
يسير في السماء
فوق الحارات القديمة
وفي حصى كْوَدَالْكِيفِيرْ
يزحف الوجع إلى جسدي
على ما تبقى من فتات الرحيل
ينقر العصفور بقايا سنبلة في يدي
ويعيدني إلى ظلي..
خلف سياج الحرير


في إشبيلية.. 
يتحدث العود مع الخيول الأندلسية
وتطير الحمامات فوق الْجِيرَالْدَا
وحول القلاع وبين الغرباء
تضيء أجنحتها جرحي القديم
وتجعل موتي أطول
وأنا أفتش عن تفاحات المنصور الذهبية
فوق المئذنة..
وأصغي لحنين الناي
يعزفه عابر إسباني في قصر لَلْكَازَارْ


في إشبيلية..
تدق نواقيس الجامع الكبير
وتمتد أشجار البرتقال
إلى سوق الخياطين والعطارين والصباغين
وأرى رذاذ الليمون
ينثره بنو مرين في الهواء
أرى سلاطين المغرب ومراكش الحمراء
وعصفورة تنام وحيدة أعلى برج الذهب
ونخلة تسند الزمان على سور الْماكَرِينَا
تقاهر العصور..
لتحمينا من فِرْدِينَانْدْ القادم من لامكان..
 

01 مارس 2012

ليلٌ وماض وبطاقات..

17 تعليق


لم يغمض لي جفن، إلا وسنات خاطفة في ليل  ثقيل السواد، تحركت كوامن الشجن بداخلي، دون داعٍ، طاحونة الأفكار تفتتني، أفتش فيما راعني، وأشقى ببعضه، أنتظر بياض الفجر لأتخلص من ميراثي الثقيل..


ماذا أفعل يا ترى بالكم الفائض من الذكرى،  تلك التي باغتت خاطري على غير موعد؟ وهل كان الأوفق أن أتركها خامدة تتكئ عليها سنواتي الثماني والعشرين ؟..

في ليل بليغ السكون، يمرون بالبال، كحلم باسم في قلب محزون،  فأضطرب  لذكراهم، تغادرني الملائكة الرحيمة، ثم ما تلبث تخايلني فكرة الصراخ بصوت جهير هادر..لكن..أسيسمعون؟..
أنطوي تحت ملاءتي البيضاء، الصراخ لا يعلو، أشغل نفسي بالتقاط الهمهمات، كما أفعل لحظة الانهزامات الكبرى..لا أقل ولا أكثر..

أجلس أرضا، فوق بساط أخضر، كنت قد نسيت هذه الحركة منذ زمن، وجدتني ألعن في داخلي المتكأ الرخو الذي يمنعني من أن أنبطح أرضا..تبا للحداثة التي ما فتأت تقتلعنا من جذورنا، هذا الفعل المبهم، لأمر خفي،  جعلني أنعم بهنيهات سكينة ومتعة غير مألوفة..

على ذات الأرضية الصلبة، افترشت ذاكرتي، واستحضرت ماضيَّ، حزمة بطاقات ومعايدات، رسائل محبة وشوق، رسائل عتاب وفراق، كلمات وداع إلى اليوم تنخر عظمي وأنا أترك عمرا ورائي ووطنا..وأرحل.. وجوه لم تخفى عني وأخرى ما عدت أتذكرها جيدا.. 


سويعات طافحة بالتيه، وعدت إلى واقعي، أتأمل أول بطاقة تلقيتها من أبي، بارك الله في عمره، احتفظت بها ثلاثة عشر عاما، ولازالت معي، كنا ثلاثة بنات وكنت الوسطى، وعلى غير عادته، أهدى لكل واحدة منا بطاقة مع حلول العام الجديد ، كان ذلك سنة ١٩٩٩، الصغرى تضمنت بطاقتها براءة طفلة بشرائطها الحمراء والكبرى يظهر عليها حيوان مفترس قال حينها أنه يماثل طباعها الحادة، وكانت لي الطبيعة، قال هنا مكانك، أنت هادئة كهذه اللوحة..تحنانه الأبوي زادي مذ وعيت، ولازال..


بين حلم النبوغ واحتدام التنافس وصحاري الأرق والليالي البيضاء، كانت هناك ابتسام، وعلى وقع خطى عقلي الرتيبة، في شوارع مكناس، تظهر لي ضفائرها الثلاثين أو تزيد، كانت تسريحتها المفضلة (الراسطا) كما يسمونها، خلوقة طيبة سموحة باسمة، كانت مستودع أسراري كما كنت لها، آخر دمعة طعمها المالح امتزج في مقلتينا لحظة الوداع الأخير، رحلت عنها إلى الرباط، ومن هناك إلى باريس والتقينا في إحدى العطل الصيفية بوجدة، وشاء القدر أن تنقطع الأخبار وقد غابت عني التفاصيل..


من بين كومة البطاقات، تلك التي اندست خفية في حقيبتي المدرسية، لا تحمل تعليقا عدا كلمة ( بدون تعليق)..إلى اليوم أجهل الفارس المستتر، احتفظت بها، ربما هي هدية من السماء :)..

لا شك أن أجمل العمر ذاك الذي مضى، ليته يعود، وهند معه، وامتحانات الباكالوريا واستعداداتنا وخزعبلاتنا وهرطقاتنا، كانت نسخة من ابتسام، ذات الطيبوبة وذات الحنو، ابتسامتها التي ما نسيتها يوما، جمعنا نفس القسم الدراسي، وفرقتنا مادة اللغات، كنت أفتقدها كثيرا حين تتوجه نحو الأدب الإنجليزي وأسير نحو نظيره الإسباني ثم نفرح بلقاء بعد فراق..
كانت صديقتي الوحيدة، بعثرنا السلك الجامعي، حين اتجهت لدراسة الأدب الإنجليزي واخترت الحقوق، وسيفرقنا بعد ذلك القدر، فأغادر إلى باريس وترحل هي إلى إسبانيا..


وفي تلك المدرجات، مع دكاترة القانون وأساتذة العلوم السياسية، كانت مجموعتنا المصغرة، هشام الأول وهشام الثاني وجواد ووحيد وأنا، كنا خمستنا لا نفترق أبدا، ندرس معا ونمزح معا ونراجع معا ونخرج معا..وكان أبي يكن لهم من الحب الكثير، فقد كانوا خير مثال للشباب المغربي الناضج والمثقف، كنت أشعر بحمايتهم وحرصهم ونقائهم..صداقتنا لم تشبها شائبة حتى آخر لحظة ودعتهم فيها والحزن يعتصرني..
الفايسبوك ساهم في عثوري على صاحب الحلم الأمريكي كما كنا نسميه، جواد، وابتسمت حين علمت أنه مستقر بفيلادلفيا وقد يزورني في باريس، أما الثلاثة الآخرون فلا أدري من أمرهم شيئا واأسفي.. 

ضممت إلي الرسائل والبطاقات، سكنت روحي، نامت كطفل رضيع في خدر السنوات الماضية، تلتها زفرات ملتاعة، أخذتني في غمرة من النوم، لأرسم ملامحهم على اللوحات المعلقة على الحيطان..
سكن الصخب بداخلي، لم يعد حولي سوى الفراغ، وذكرى مؤلمة، ليس لأنها قاسية، بل لأنها كانت عكس ذلك ويحزنني فواتها..

غابت الوجوه..وبقيت هانئة، أنام بين البطاقات..

23 فبراير 2012

ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان

13 تعليق


اخترت لكم هذه المرة عملا أدبيا عملاقا، ينقلنا من خلاله جيلبرت سينويه إلى عوالم أكبر علماء المسلمين "أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا"، على لسان تلميذه ومرافقه " أبو عبيد الجوزجاني"، يحكي قصة خمسة وعشرين عاما إلى جانب ابن سينا مذ نجاه صبيا من الموت ..

في هذا الكتاب، تكلست شراييني تارة وانفرجت أساريري أخرى، راودني الشك ووقفت على اليقين، إنه كتاب فريد، مليء بالأضداد والمتناقضات، رحلة في حياة الطبيب العالم حيث العذاب والنعيم والشهوة والفسق والورع والعلم والفقر والغنى، فيه يرحل ابن سينا إلى أقاصي الأرض ومغاورها، بين الشقاء والرخاء، فيه عذاباته وترحاله وصحبه واضطهاده، كتبه ورسائله وأدواته، إقامته في بلاط الملوك وجهلهم، مصيره المتقلب بين نفوذهم ونزواتهم..

كتاب يحمل من عبقرية الرجل ما يصيبك بالدهشة الكبرى، وكيف جمع بين الطب والفكر والفلسفة، كيف كان يستحق لقب الشيخ الرئيس وهو لم يتجاوز الثامنة عشر بعد.

لم يعتمد سينويه على الصفحات العشرين فقط التي دون فيها الجوزجاني رحلته مع معلمه في سرد وقائع حياة ابن سينا، بل تجاوزها ليربط الأحداث بوقائع تاريخية في دقة متناهية لا تشي سوى باطلاع شامل على مختلف جوانب شخصية ابن سينا الأسطورية.

هذا العمل الأدبي الضخم فيه أسلوب سردي مشوق وبديع لم أرى نظيرا له، وكأن الكاتب رافق العالم خطوة خطوة، أحاط بجميع التفاصيل ولم يهمل منها جانبا، أحكم حبكة النص فوُلد عمل باهر بالفعل..

كان هذا الجانب المشرق من الكتاب، أما نقيضه والذي حيرني بشدة، ومؤكد أنه سيفاجئ كل مطلعٍ عليه، يكمن في الجزء الآخر من شخصية ابن سينا، التي لم أعرفها قبل هذا الكتاب، أهي صحيحة أم مغلوطة لست أدري، لكنني أحترس من تصديق كل ما جاء به الكاتب هنا، فكيف لعالم جليل كان نابغة عصره وآمن أكثر من غيره وزهد في الحياة في سبيل أهدافه النبيلة أن يجمع بين الورع والفجور، وكيف يتمرغ في وحل الخطيئة ولذات الجسد وهو الذي لازم بيوت الله..
 ربما هو غرض في نفس الكاتب الفرنسي الذي ترعرع في مصر، جعله ينسب ابن سينا إلى أصول يهودية ويصوره غارقا في الخمر والمجون..

ومع كل هذا الزخم من المعلومات الغامضة، ستستمتع عزيزي القارئ برحلة ابن سينا قبل أن ينطفئ نوره على مشارف همدان ( إيران حاليا ) عن عمر لم يتجاوز السابعة والخمسين عاما، ستعبر الصحاري والوديان والسفوح والجبال، ستستحم بماء السواقي، تستلقي أرضا تفكر معه في سر الكون، تعد النجوم وتمر بالأسواق والحارات، تدخل بلاط الأمراء وتعيش بذخ السلاطين، تطلع على قذارة السياسة والتناحر من أجل السلطة، ثم تهوي مع أول خيوط الفجر حيث الفقر المذقع، تبحث عن قربة ماء وكسرة خبز..

ينتهي الكتاب وتبقى كلمات الجوزجاني عن معلمِه عالقة : " لم يزل اسمه ملفوظا وذكره محفوظا من سمرقند إلى شيراز ومن أبواب المدينة المدورة، بغداد، إلى أبواب الإثنتين والسبعين أمة، ومن فخامة القصور إلى ضواحي طبرستان، ولم يزل الصدى يترسل بأخبار عظمته في أرجاء المعمور " .

13 فبراير 2012

شذرات ( ٢ )

12 تعليق


هذا الغسق الممتد مع الريح
ينحدر من زقاق لا يؤدي إلى  شيء
أعبر الجسر..
أفتش عن خصلة عربية بين الغرباء
أبحث عن خرافتي حيث اختبأَ الدمع
وأضيع في الطريق مرتين
أقول للغتي : كوني هنا
كي تتسع الأرض للصدى
ويسيل ماء الأحلام على صدري
يصعد به *نيرودا* بين دفتيه
ليغسل اسم النزيف
وأمشي..
وأعاتب سواد الشَّعْرِ..
لأنه يسير باتجاه الريح


          **********

النوتات ضبابية
وشُوبَانْ أعار أصابعه للأفق المجاور
وفي دهشة فَالْدِيمُوسَا  
انبثق تْرِيسْتِسْ من بين الغبار
يبحث عن سَانْْدْ في عزف الغياب
عائدا إلى المدينة الواقفة
بين العاصفة وأشجار البرتقال
والنشيد المسافر في مناقير الحمام
يضيء باللحن المهاجر إلى إسبانيا
ضفائر الفتيات
ويزرع وردتين في جسدي
وردةَ نرجسٍ وشاعرًا تَسندهُ القصيدة..
ثم أٌطلِقُ الحمام للشفق الأحمر والأشجار
أرتب تبعثري
ويذوب في حنجرتي
مذاق اللحن..


           **********

يأتي من مكان لا أراه
...
كلما مرت رياح المساء
وجدته بين إغفاءتين ضائعا على ثغري
يحلم بزهر اللوز يحترق في نبيذ الشفتين
وفي نزهة حب قصيرة يستريح فوق أهدابي
يمحو خرائبه القديمة..
يقول لي..وذراعاه ممدودتين:
أيتها المسافرة في السراب وفي فحم الليل
 وبياض الزنابق وحصى الوديان..
اقتربي..
لتنفجر عوسجة في دمي
وأرى وجهكِ وفرحي
مرسوما في صحف السماء
اقتربي أكثر..
لينمو العشب على صدري
وينبت خوخ الأرض في الهواء

01 فبراير 2012

إشبيلية..عاصمة المنصور الموحدي

16 تعليق




أمر السلطان الموحدي المغربي أبو يوسف يعقوب المنصور شيوخ الموحدين بالاجتماع حين شعر بالموت يدنو منه، ثم قال وقد اغرورقت عيناه بالدموع: أيها الناس، أوصيكم بتقوى الله تعالى وبالأيتام و اليتيمة ؟.. قال أبو محمد عبد الواحد، يا سيدنا يا أمير المؤمنين و من الأيتام و اليتيمة ؟..
قال: اليتيمة جزيرة الأندلس والأيتام سكانها المسلمون، و إياكم و الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها و حماية ثغورها و تربية أجنادها و توفير رعيتها . ولتعلموا أعزكم الله أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها، و نحن الان قد استودعنا الله تعالى و حسن نظركم فيها، فانظروا أمن المسلمين و اجروا الشرائع على منهاجها..


مات المنصور الموحدي، وحاصر فرديناند الثالث إشبيلية عاما بأكمله، دخلها غازيا..وقضى على حضارة عظيمة خرجت معها المدينة نهائيا من أيدي المسلمين..
رحل المنصور، وترك الجيرالدا قائمة تروي حكاية خمسمائة وعشرين عام..


لحسن حظي كان يفصل الفندق عن الجيرالدا مائة متر فقط، وشرفته تطل على مئذنة المنصور،  ذلك جل ما أبغيه، لا أغفو قبل أن أمعن النظر فيها، وكأنني أتشبع ببقاياها، أملأ رئتي بالهواء القادم من هناك..


الجيرالدا، رمز إشبيلية الخالد، المئذنة السامقة للمسجد الجامع، بنيت في عام 1184 م بأمر من الخليفة المنصور، بعد عودته منتصرا على جيوش قشتالة في معركة الأرك الشهيرة، وقد قامت على أنقاض مبان رومانية، صومعة شاهقة الارتفاع ، الجزء الإسلامي منها يبلغ ارتفاعه ٦٥،٦٩ متر، أما الان فيبلغ ارتفاعها ٩٧،٥ متر، كان المنصور قد أمر بتكليل مئذنتها بأربع تفاحات ذهبية بهرت الأنظار ببريقها، كما بنيت من دون أدراج ولكن بمنحدرات عددها 35 تمكنك من الصعود أعلى البرج..


كان ضروريا أن أقف على قمتها، فعلت بعدما تجولت في أرجاء الجامع الكبير ( كاتدرائية إشبيلية حاليا) رفقة مرشد عرفني على أرجائها، التي ما عادت تحمل طابعها الإسلامي، استعجلت نفسي وكلي شوق للوقوف أعلى المئذنة، صعدت المنحدرات الخمسة والثلاثين، وصلت لاهثة إليها، تساءلت عن حال المؤذنين وقتها، وكيف كانوا يصعدون كل هذا لرفع الآذان خمس مرات في اليوم، فعلمت أنها بنيت عريضة بشكل كان يستطيع فيه المؤذن الصعود إلى أعلى البرج وهو راكب حصانه للنداء إلى الصلاة.


من هناك تبدو إشبيلية بكل أبعادها، جميلة من كل الجهات، تطل على حدائق واسعة،  نظرة ذهبت بي بعيدا حيث الحلم اللامحدود..
أيقظتني نواقيس الكنيسة، التي حلت محل المئذنة، وضع أعلاها تمثال من البرونز يرمز إلى السيادة المسيحية، صنعه بروتولومي موريل عام ١٥٦٧ م، حيث يدور مع الريح، وسمي خيرالديو، أي دوارة الريح، ومنه جاءت تسمية المئذنة بالخيرالدا..
نزلت ذات المنحدرات، أتحسس الجدران، أتأملها بحواسي كلها، ألامس الحيطان التي رددت صدى اسم الله ذات زمن..



على بعد خطوتين من الجيرالدا، يوجد قصر "ألكازار"، قصر بديع مثلما هي كل القصور الأندلسية، اختلفت الروايات بشأنه، والأرجح أنه بني في موقع قلعة إسلامية أندلسية قديمة، قيل أنها بقايا قصر المعتمد ابن عباد، وأتم إنشاءه الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور..



اقتنيت تذكرتي، دخلت القصر، فوجدته صرحا معماريا أندلسيا عربيا إسلاميا باهرا بضخامته وزخارفه وجماليته..
أتواجد الان في الطابق الأول، معظمه أندلسي رغم التغييرات التي قام بها الملوك الإسبان، فنجد بهو السفراء وفناء العرائس حيث نقشت آية الكرسي، وجناح الملوك الأندلسيين وجناح الملوك الكاثوليك وفناء الصيد وفناء العذارى وبهو كارلوس الخامس وغيرها..


الأعمدة مزخرفة والجدران مكسوة بالقيشاني، عليها زخارف من عبارات وتحيات وأدعية وآيات قرآنية..
أبهاء القصر وأفنيته أبوابها عديدة، كل فناء وكل بهو يفضي بك إلى آخر، أما النقوش الإسلامية الأندلسية ففي كل مكان..


أقتني تذكرة أخرى للصعود إلى الطابق العلوي من القصر، هنا ستتوقف عدستي مرغمة، استغربت من الحراسة الأمنية المشددة على هذا الطابق، لا يسمح بالصعود إليه إلا في أوقات محددة..
جاء دوري، صعدت الدرج، مررت بنقطة التفتيش المتواجدة بذات المكان، احتفظوا بحقيبتي وآلة التصوير وكل أغراضي، ظننت هاتفي الذي كان مخبأ في جيبي سَيَفِي بالغرض، لكن هيهات..فرجل أمن صاحبني طول الوقت، أما الزيارة فليست عشوائية، فأنت تمر بالغرف التي يحددها المرشد، وهناك من منع فيها التجول..
الطابق العلوي إسباني بامتياز، به مصلى الملوك الكاثوليك، وجناح الملك بيدرو، وبهو الملوك، أثاث فخم وثريات عملاقة، أغراض الملكة إيزابيلا، الهدايا الثمينة التي تلقاها الإسبان من ملوك فرنسا وإنجلترا وغيرهما، صور الملوك وأبنائهم التي رسمت ذاك العهد بريشة كبار الفنانين..الجدران مكسوة بالتماثيل والأيقونات الكاثوليكية..
معالم الحضارة الإسلامية في هذا الطابق طمست عن آخرها، ما سلم منها سوى بضع نقوش خجولة وزخارف ظلت تحمل اسم الله، وقاعة وحيدة لازالت كما كانت، على الطراز الإسلامي الأندلسي..أما البقية فمحيت تماماً..


انتهت الزيارة، وبينما أستعيد أغراضي سمعت تكبيرة تنبعث من مكان قريب، جذبني الصوت، إلى حيث مصدره، كانت صالة تعرض فيها جميع أنواع الزخارف والفسيفساء التي استعملت في القصر، وصوت موشح مطلعه "الله أكبر" ينبعث من ميكروفونات المكان في هدوء..


غادرت أبحث عن السكينة في حدائق القصر الغناء، لأبدد بعض الحسرة، أشجار الليمون والبرتقال متناثرة في الأرجاء، النوافير في كل زاوية، الشمس ترسل أشعتها، فيتلألأ الماء وتنعكس الخضرة على ريشة الفنانين الذين انتشروا في الحدائق يرسمون لوحات فاتنة..


أتوقف عند مطعم مقابل للجيرالدا، أتناول وجبتي التي أسرفت فيها مذ وصلت إلى هنا، بارعون هم الإسبان في تحضير وجبة "البايلا" بفواكه البحر، هي مفضلتي، وأكثر حين يقدمها مطعم إسباني تقليدي متخصص في ذلك..


أكمل مسيرتي، نحو برج الذهب "توري ديل أورو" ، برج المراقبة العسكري، الواقع على ضفة نهر الوادي الكبير "كوادلكيفير"، هذا البرج الضخم ذو الإثني عشرة زاوية، يقع جنوب غربي القصر، هو الوحيد الذي بقي من الأبراج التي خلفها الموحدون، حيث كانوا يقيمون أسوارا عالية ذات أبراج منيعة تربطهم بالقصر تحسبا لأي هجوم ودفاعا عنه..
البرج يتكون من ثلاث طوابق، هو اليوم متحف بحري، يضم أدوات قديمة ورسائل ووثائق تاريخية لمدينة إشبيلية..


جلست في مقهى على ضفة الوادي الكبير، أحتسي غبطة وألما، أرقب جريان النهر وظلال النخيل، أعبر بعينيَّ قنطرة الوادي  وألمح انعكاس البنايات على صفحة الماء، وجوه المارة والبازارات الصغيرة، فساتين راقصات الفلامنكو التي تملأ المحلات، أشجار البرتقال على ناصية الشارع الرئيسي، حوانيت  تبيع معالم المدينة للسياح، عازف غجري يلقي لحنه على مسافة مني..أسترجع بصري..أعد الدقائق الأخيرة، في انتظار طائرة ستعيدني إلى باريس..

24 يناير 2012

غرناطة .. ولا غالب إلا الله

30 تعليق



المنبه يرن، والساعة تشير إلى الخامسة صباحا بتوقيت إشبيلية، صحوت نشيطة رغم التعب، ورغم الكيلومترات المئتين وخمسين التي تنتظرني للوصول إلى غرناطة، علينا أن نكون في الحمراء تمام التاسعة صباحا حسب الحجز الذي قمت به، فمواقيت زيارة قصر بني نصر مقننة، لا تلجها إلا في مواعيد محددة..


الظلام دامس والجو لطيف، تأخرت قليلا في الخروج من إشبيلية فكانت النتيجة أن وصلت قصر الحمراء متأخرة نصف ساعة، رفضوا في البداية تغيير حجزي، لكن أمام إصراري الطويل تمكنت من دخول القصر..



قصر الحمراء..أعظم القصور في تاريخ العرب والمسلمين، لوحة فنية مبهرة لا جمال يضاهيها، مساحته المذهلة، الخط الكوفي الذي زين المكان، الجدران المطلية ب "لا غالب إلا الله"، تنظيمات هندسية دقيقة، الفسيفساء، زخارف تشهد فن العمارة الإسلامية المنقطع النظير، الآيات القرآنية، المدائح، الأدعية..



وإلى هنا لغتي عاجزة تخونني لرسم ذاك المشهد العظيم..
أنتقل من غرفة إلى أخرى، ولكل واحدة قصة وحكاية ..


فناء الريحان الكبير، وتتوسطه بركة المياه تحد جانبيها أشجار الريحان، نقشت في زوايا فنائه عبارات وآيات قرآنية..


أمر ببهو السفراء حيث كان يعقد مجلس العرش، غير بعيد عنه فناء السرو، حيث نجد الحمامات الملكية وغرفة الانتظار والاستراحة، أواصل المسير إلى قاعة الأختين، وسميت كذلك لأنها تضم قطعتين متساويتين من الرخام..


مباشرة بعدها وجدت نفسي في بهو الأسود، ذاك اللغز المحير، أشهر أجنحة قصر الحمراء، أنشأه السلطان عبد الغني بالله عام ١٣٩١ م ،  تتوسطه نافورة الأسود، يحمل حوضها المستدير اثنا عشر أسدا من الرخام، كان الماء يخرج  من أفواهها بالترتيب، ففي الساعة الأولى يخرج الماء من فم الأسد الأول والثانية من فم الأسد الثاني وهكذا اثنا عشر ساعة بالنهار واثنا عشر ساعة بالليل، وبهذا يتمكنون من تحديد الزمن بهذه الساعة المائية العجيبة..


أما المؤسف فتعطل مخارج المياه بهذه البركة، حين حاول الإسبان اكتشاف سر انتظام تدفق المياه بالشكل الزمني التي كانت عليه، ولازال هذا اللغز الغامض يحير كبار الباحثين..
عادت الأسود إلى مكانها بعد عملية ترميم دامت لفترة، مع أن الأشغال بالمكان لم تنتهي وتعذر علي الوصول إلى بعضها..


تعددت الأبواب والأبراج والتسميات بالقصر، وحدها الحمراء تحتاج كتابا مفصلا للتعريف بكل ركن من أركانها، أما السحر فواحد، لذلك لا عجب من أن يكون أبرز معالم السياحة في إسبانيا، وهنا أتوقف هنيهة لأحزن قليلا على هذا الموروث العالمي، فطيلة تجولي بالحمراء ما صادفت غير عربيين من دولة خليجية، وباقي الزوار من مختلف أنحاء العالم، يابانيون بالدرجة الأولى وإنجليزيون وفرنسيون وإسبانيون وألمان..أما العرب، فأظنهم يوثرون لندن ونيويورك وباريس ..


أكمل مسيرتي الملتهبة، نحو بساتين جنة العريف، إنها جنة الله في أرضه، الماء والخضرة والنوافير المتقاطعة، ليلة هناك بين أحضانها بألف ليلة وليلة..وياللنعيم الذي عاش فيه الأولون..

أسرار القصر لا تنتهي ولن تنتهي، خرجت منه لأصعد حصن القصبة، القلاع الضخمة والأسوار المحصنة وتاريخ يعيد على مرمى حجر مني عهدا غابرا..


من أعلاه يظهر لي حي البيازين، ببياضه المغري، أشهر حارات الأندلس القديمة، سأغادر الحمراء إلى هناك..أحمل في حقيبتي"ثلاثية غرناطة"، أفضل رواية تحكي  ماضي الأندلس، أعيد قراءتها للمرة الثالثة، كل استراحة أنهل منها صفحات..

الطريق وعرة، والأشغال كثيفة تمنعنا من الوصول إلى حي البيازين..بعد أخد ورد وبحث وتيه، قررنا ترك السيارة في مكان بعيد نسبيا، وسنكمل مشيا على الأقدام..


ها نحن أمام مدخل البيازين، من هنا تبدأ رحلة جديدة، وسط هذا الحي العريق عراقة غرناطة، الحي قائم فوق هضبة مرتفعة، تصعده بشق الأنفس..في المرتفع الأول، تخلى عني زوجي، قلت ممازحة: أثنيت عليك في آخر تدويناتي وها أنت تخذلني أمام أول عقبة من البيازين..ابتسم مجيبا: برغم كل ما بيننا أتركك تصعدين بمفردك، خذي الوقت الذي يلزمك، وأنتظرك في السيارة..


وذلك ما كان فعلا..بدأت جولتي وسط هدوء الحي التام، كلما صعدت كلما ازددت شوقا للوقوف على قمة الهضبة، أعود بمخيلتي إلى عصر قديم، أمشي حيث مشوا، أبحث عن الإشارات التي تؤكد أنهم مروا من هنا..


محلات للحرف التقليدية هنا وهناك، متاجر صغيرة، فنادق زخرفتها إسلامية، مقاه ومطاعم ذات طابع عربي، دار الطالب، مدارس وتلاميذ يجيؤون ويروحون، وأنا أكتشف الدروب المتشعبة، والطرق الضيقة الملتوية..

أثناء تجولي بدت لي فتاة جميلة، عيناها خضراوتان، بيضاء البشرة، تصعد ببطء، هالة نور تحيط وجهها وحجاب يجملها، اقتربت منها، ألقيت عليها التحية..ابتسمت في وجهي وبدأت جولتنا..


حدثتني عن نفسها، علمت منها أنها إسبانية مسلمة من أحفاد الموريسكيين، غادرت مدريد منذ ثلاث سنوات لتعيش في غرناطة واختارت حي البيازين لتتعلم اللغة العربية، لم تتقنها بعد، لكنها تواضب على تعلمها، اغرورقت عيناي بالدموع وهي تعبر بي الأزقة، تعرفني على الدور والأماكن وبقايا المآذن والمساجد والحمامات، استمرينا كذلك طويلا إلى أن وصلنا أعلى قمة في البيازين، قرب ساحة سان نيكولاس، غير بعيد توجد كنيسة سان سلفادور التي قامت محل المسجد الجامع بغرناطة قديما..


ومن هناك، تبدو غرناطة في أبهى حلة لها، يحتويها من كل الجهات جبل الثلج أو جبل شلير ( ما يعرف عند الإسبان بجبال سييرا نيفادا )، نهر شنيل يخترق المدينة،  أما قصور الحمراء  وقلاعها فتبدو  شامخة تقاهر الزمن، تحكي تاريخا كان الأعظم بين العصور، والغريب ذاك المنظر بين حي البيازين وقصر الحمراء، كل منهما يطل على الاخر، يقابل الحاكم المحكوم، والشعب ملوكه، الحمراء مثلت بذخ السلاطين والبيازين الشعب بكل فئاته وكفاحه..


اقترحت رفيقتي أن ندخل المسجد الجامع لغرناطة الحديث العهد، صغير وجميل، تتوسط فناءه نافورتين من الزليج الضارب للزرقة، علمت منهم أنه تم إعداده من طرف فنانين حرفيين مغاربة من مدينة فاس، كما قام ذات الحرفيين  المهرة بالنقش على الخشب وزخرفة الأسقف وتثبيت الفسيفساء، على ذات الشكل الأندلسي القديم الذي حمله الأندلسيون القدامى حين هجرتهم إلى المغرب، أما الخشب الثمين فقد تم استيراده من المغرب أيضا الذي ساهم كذلك في بناء المسجد، إضافة إلى مساهمات من ماليزيا ومن مسلمي إسبانيا ذاتهم، بعد أن تم التبرع بالأرض من طرف الحكومة الليبية، تصميمه على الطريقة الأندلسية الإسلامية المحضة..

دعاني أحد القائمين على المسجد لزيارة  أرجائه، سألته عن المسجد وتاريخه، فأخبرني أنه بعد أخد ورد سمح لمسلمي غرناطة ببنائه، قال أن الحجر الأساس وضع منذ أزيد من عشرين عام، لكن تم الانتهاء من عملية البناء في تموز ٢٠٠٨، و ذلك لقلة الموارد المالية بشكل أساسي وعراقيل أخرى، وهنا أسأل عن دور الدول العربية الغنية التي تتجاهل هذا الموروث الإسلامي الضخم، وتحبذ صرف أموال طائلة على أبراج لا تسمن ولا تغني من جوع، ولما لا تهديها للسيد "بيكام" فَقَدَمُهُ أولى بمال المسلمين..
صار المسجد يضم مسلمي الأندلس من كل صوب وحدب..الداخل إليه والخارج منه يلقي علينا تحية الإسلام .

شعرت في ذاك المكان بفخر عظيم..سألت عن حال العرب ، وقد ظننتهم قلة، فأخبروني أن عددهم هائل وجلهم من المغاربة أيضاً، يسكنون حي البيازين وغيره، ويشكلون نسبة هامة من ساكنة البلد، كما أن نسبة اليهود لا تقل شأنا كذلك، فما أكثر نجماتهم على أبواب البيازين ..


رفيقتي استأذنتني بالمغادرة، لأن موعدها مع طبيبها قد حان، استحييت إخبارها بكوني أجهل طريق العودة، ودخلت مغامرة أخرى أبحث عن طريقي الذي ظللته، مضى وقت طويل، وأنا أسأل المارة، وأستعين بصورة المدخل الرئيسي في كاميرتي، الذي تركت عند بابه السيارة..مشيت ومشيت ، وعثرت على المدخل، بعد أن تورمت قدماي من المشي..

كانت آخر وقفاتي بغرناطة الفاتنة، غادرت وتركت ورائي البيازين وقصر الحمراء وأشجار النخيل وحقول الزيتون التي لا يحدها البصر..
رحلة تتجدر تفاصيلها في مخيلتي، لا أنسى أبدا هذه الأرض الطيبة، و سأعود إليها كلما شاء القدر..

آخر محطاتي إشبيلية، بدأت رحلتي منها وسأختم بها قبل أن أعود إلى الواقع الباريسي البارد ..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More