01 مارس 2012

ليلٌ وماض وبطاقات..

13 تعليق


لم يغمض لي جفن، إلا وسنات خاطفة في ليل  ثقيل السواد، تحركت كوامن الشجن بداخلي، دون داعٍ، طاحونة الأفكار تفتتني، أفتش فيما راعني، وأشقى ببعضه، أنتظر بياض الفجر لأتخلص من ميراثي الثقيل..


ماذا أفعل يا ترى بالكم الفائض من الذكرى،  تلك التي باغتت خاطري على غير موعد؟ وهل كان الأوفق أن أتركها خامدة تتكئ عليها سنواتي الثماني والعشرين ؟..

في ليل بليغ السكون، يمرون بالبال، كحلم باسم في قلب محزون،  فأضطرب  لذكراهم، تغادرني الملائكة الرحيمة، ثم ما تلبث تخايلني فكرة الصراخ بصوت جهير هادر..لكن..أسيسمعون؟..
أنطوي تحت ملاءتي البيضاء، الصراخ لا يعلو، أشغل نفسي بالتقاط الهمهمات، كما أفعل لحظة الانهزامات الكبرى..لا أقل ولا أكثر..

أجلس أرضا، فوق بساط أخضر، كنت قد نسيت هذه الحركة منذ زمن، وجدتني ألعن في داخلي المتكأ الرخو الذي يمنعني من أن أنبطح أرضا..تبا للحداثة التي ما فتأت تقتلعنا من جذورنا، هذا الفعل المبهم، لأمر خفي،  جعلني أنعم بهنيهات سكينة ومتعة غير مألوفة..

على ذات الأرضية الصلبة، افترشت ذاكرتي، واستحضرت ماضيَّ، حزمة بطاقات ومعايدات، رسائل محبة وشوق، رسائل عتاب وفراق، كلمات وداع إلى اليوم تنخر عظمي وأنا أترك عمرا ورائي ووطنا..وأرحل.. وجوه لم تخفى عني وأخرى ما عدت أتذكرها جيدا.. 


سويعات طافحة بالتيه، وعدت إلى واقعي، أتأمل أول بطاقة تلقيتها من أبي، بارك الله في عمره، احتفظت بها ثلاثة عشر عاما، ولازالت معي، كنا ثلاثة بنات وكنت الوسطى، وعلى غير عادته، أهدى لكل واحدة منا بطاقة مع حلول العام الجديد ، كان ذلك سنة ١٩٩٩، الصغرى تضمنت بطاقتها براءة طفلة بشرائطها الحمراء والكبرى يظهر عليها حيوان مفترس قال حينها أنه يماثل طباعها الحادة، وكانت لي الطبيعة، قال هنا مكانك، أنت هادئة كهذه اللوحة..تحنانه الأبوي زادي مذ وعيت، ولازال..


بين حلم النبوغ واحتدام التنافس وصحاري الأرق والليالي البيضاء، كانت هناك ابتسام، وعلى وقع خطى عقلي الرتيبة، في شوارع مكناس، تظهر لي ضفائرها الثلاثين أو تزيد، كانت تسريحتها المفضلة (الراسطا) كما يسمونها، خلوقة طيبة سموحة باسمة، كانت مستودع أسراري كما كنت لها، آخر دمعة طعمها المالح امتزج في مقلتينا لحظة الوداع الأخير، رحلت عنها إلى الرباط، ومن هناك إلى باريس والتقينا في إحدى العطل الصيفية بوجدة، وشاء القدر أن تنقطع الأخبار وقد غابت عني التفاصيل..


من بين كومة البطاقات، تلك التي اندست خفية في حقيبتي المدرسية، لا تحمل تعليقا عدا كلمة ( بدون تعليق)..إلى اليوم أجهل الفارس المستتر، احتفظت بها، ربما هي هدية من السماء :)..

لا شك أن أجمل العمر ذاك الذي مضى، ليته يعود، وهند معه، وامتحانات الباكالوريا واستعداداتنا وخزعبلاتنا وهرطقاتنا، كانت نسخة من ابتسام، ذات الطيبوبة وذات الحنو، ابتسامتها التي ما نسيتها يوما، جمعنا نفس القسم الدراسي، وفرقتنا مادة اللغات، كنت أفتقدها كثيرا حين تتوجه نحو الأدب الإنجليزي وأسير نحو نظيره الإسباني ثم نفرح بلقاء بعد فراق..
كانت صديقتي الوحيدة، بعثرنا السلك الجامعي، حين اتجهت لدراسة الأدب الإنجليزي واخترت الحقوق، وسيفرقنا بعد ذلك القدر، فأغادر إلى باريس وترحل هي إلى إسبانيا..


وفي تلك المدرجات، مع دكاترة القانون وأساتذة العلوم السياسية، كانت مجموعتنا المصغرة، هشام الأول وهشام الثاني وجواد ووحيد وأنا، كنا خمستنا لا نفترق أبدا، ندرس معا ونمزح معا ونراجع معا ونخرج معا..وكان أبي يكن لهم من الحب الكثير، فقد كانوا خير مثال للشباب المغربي الناضج والمثقف، كنت أشعر بحمايتهم وحرصهم ونقائهم..صداقتنا لم تشبها شائبة حتى آخر لحظة ودعتهم فيها والحزن يعتصرني..
الفايسبوك ساهم في عثوري على صاحب الحلم الأمريكي كما كنا نسميه، جواد، وابتسمت حين علمت أنه مستقر بفيلادلفيا وقد يزورني في باريس، أما الثلاثة الآخرون فلا أدري من أمرهم شيئا واأسفي.. 

ضممت إلي الرسائل والبطاقات، سكنت روحي، نامت كطفل رضيع في خدر السنوات الماضية، تلتها زفرات ملتاعة، أخذتني في غمرة من النوم، لأرسم ملامحهم على اللوحات المعلقة على الحيطان..
سكن الصخب بداخلي، لم يعد حولي سوى الفراغ، وذكرى مؤلمة، ليس لأنها قاسية، بل لأنها كانت عكس ذلك ويحزنني فواتها..

غابت الوجوه..وبقيت هانئة، أنام بين البطاقات..

13 تعليق

ريـــمـــاس يقول...

صباح الغاردينيا آمال
بين البطاقات والصور كنتِ أنتِ وذكرياتك وحنين يعتصر الروح كنتِ هناك تفترشين السطور وتسافرين عبر الصور وتبحثين عن ضحكة ابتسام وصوت جواذ وذكرى وحيد ..
بدأتِ الرحلة ببطاقات والدكِ تذكرتي أخواتك وأحتجتي دفئ والدك جميله بطاقته التي عبرت عن هدوئك وجمال الطبيعة في مشاعرك وكيف لاتكونين وأنتِ عبقه بـ عطر المرجريت الجميلة ..
آمال الرائعة ..
أعشق جداً قرائتك لكِ أسلوب سرد رائع يمتع القارئ حد الدهشة
كنتِ رائعة حتى وأنتِ تنزفين الحنين "
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

قوس قزح يقول...

أهلاً أمال ..
أنا مثلك أو أنت مثلى فأنا لا أرمى حتى القصاصات ومازلت أحتفظ بالصور و الرسائل القديمه جداً .. واحياناً أرى إنها عبئ على و لكننى أجد نفسي أعتبرها شيء مهم جداً هههه ..
أكيد والدك محق إنه أختار لك الطبيعه ..فهو صادق فى إحساسه لأننى رأيت من مقالاتك إنك مهتمه بالسفر و تدوين مشاهدتك بالصورة و الكتابه وهذا أيضاً من هوياتى و لو إننى توقفت عن حمل الكاميرا اعتمادا على الموبايل ..
شكراً لك امال فقد جعلتينى أتذكر ذكرياتى أيضاً

ود و تحيات لك

نور يقول...

قد تغيب الوجوه لكن لا شك يبقى يعمرنا الحنين

عشت بين كلماتك وذكرياتك بدفء

صباحات خيّرة أتمناها لكِ
محبتي

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

السلام عليكم غاليتى

كتبت تعليق طويل ولا ادرى سيصل ام لا لحدوث خلل بالنت فجأة
لكن اعود واكتب ثانية فاستميحك عذرا للعودة المزعجة :)


اتمنى لك مستقبل باسم ومشرق يحمل لك كل خير و هدوء حال وبال

استمتعت بحرفك الرقيق وسردك الراقى ووفاء قلبك ومشاعرك الانسانية النادرة بهذا الزمان

لك ارق تحية وتقدير
مودتى الدائمة لك غاليتى

مغربية يقول...

اه من الذكريات حينما تعود لمخيلتنا
بحلاوتها حينها وشقاوتها أحيانا
لحظات الصبا لا تنسى أبدا

محمد يقول...

نحن للماضي لأنه رحل ولو رجع لكرهناه .. وهذا أصعب شيء

أمال يقول...

ذكرتني ببطاقاتي يا أمال :)
رائعة هي الذكريات حين تعيدنا لأيام لا تنسى من عمرنا
الماضي لا يرحل، هو يعيش معنا ونستنجد به في لحظات خلوتنا

أعدتني لأيام من دهب، شكرا لك

ابتسام يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بعد أن عجزت عن التعبير لم تخرج من تحت يداي إلا هذه الكلمات البسيطة

سعدالقلب وسرت العين .. حين خط قلمك اسمي
مشاعري اعتذر عن نطقها لساني .. وعجزت عن ترجمتها أفكاري
فاتخذت من منتداك حظناً لما أحمله من أحاسيس مكبوتة
وعبارات تائهة ضائعة في بحرٍ من الأحلام والذكريات
صديقتي فأنتِ بصراحة طيبة خلوقة تستحقين أن أزرع لك في قلبي ورود ا لمحبة
جذورها الوفاء والإخلاص. عرفتك وعرفت فيك الصديقة الوفية صديقتك التي لم تنساك ولن تنساك ابتسام ibtissam_jaddi@hotmail.com

أمال الصالحي يقول...

لا أكاد أصدق أن هذه التدوينة جعلتني أعثر على صديقة العمر، جئتِ يا ابتسام ومعك الدهشة والماضي والزمن الجميل، جئتِ لتعود أعوام خلت بنور البهجة وضياء المحبة، لكم افتقدتك خلال هذه السنوات ، وتمنيت عودتك لنحيي زمنا مضى، لك المحبة بكل معانيها يا غالية..

شكرًا لكم جميعا أيها الأحبة، شكرًا لتفاعلكم ووفائكم ومتابعتكم، بكم أرتقي وبآرائكم تزدان صفحتي، فشكرا كبيرة لكل مار من هنا، لكل من يجد نفسه في حرفي وكل من يلامسني حرفه..محبتي أيها الكرام .

عبد الحفيظ يقول...

جميلة هي الذكريات و اجمل منها ان تجعل هذه التدوينة الذكريات تعود للحياة فعلا ، فهاهي ثمرة مقالتك تزهر بالعثور على صديقة عمرك يا اخت امال ، هنيئا لك

وظائف 2012 يقول...

شكرا لك ومدونة رائعةوجميلة بارك الله فيك …

وظائف خالية يقول...

دائما متميز في الانتقاء
سلمت على روعه طرحك
نترقب المزيد من جديدك الرائع
دمت ودام لنا روعه مواضيعك

لك خالص احترامي

غير معرف يقول...

نتمى ك مستفبل زاهي بالاألوان

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More