‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر نثرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر نثرية. إظهار كافة الرسائل

09 أكتوبر 2015

ذاكرة تشرين الممتلئة

53 تعليق


حاولت أن أنفض غبار الألم فلم أستطع، كيف اتخذت للوجع فصلا؟ وكيف ارتبطت ذاكرتي بتشرين الحزين؟

ضمائر منتهية الصلاحية، مواقف مهزومة كحصى يشوه صفحة الماء، موت مفاجئ بلا احتضار ولا جنائز، أزقة بلا عناوين وأسماء بلا ألقاب، دم مسفوك وشارة نصر على الحيطان، نعوش فارغة أخطأت موعد أصحابها، خريف يعري خرائبنا ليداري سوءته، رموش أرض ذابلة أعياها مخاض الشجر، وجوه راجفة تتساقط كالورق اليابس، على الأسوار العالية أكاليل شوك تراوغ الأسرى في أواخر الليل، قصائد حب يتيمة هنا وهناك تنازلت عن عرشها للحزن ودمع الأغنيات، مفاتيح المدينة الضائعة والأسواق المغلقة، غبار الأسئلة وليالي الانتظار، رائحة الهال المنسية، قهقهات العذارى في أمس قريب..

بين ركام الوجع هذا أبحث في أنقاضي عن نور يشعل فتيل الحياة.. فلا أجد...

في هذا الخريف الوحشي، أشتهي أن أفرّ من حزني ونغني للفرح ملء الحناجر، أن أعثر على الوطن الضائع في جسدي، أبذر في الأرض شموسا وأخرج مع الراحلين في نزهة قصيرة، أمحو الشريط العاجل المضمخ بالأحمر في نشرة المساء، أوزع ثقوب الضوء في كل الأمكنة، أعيد الأغصان للشجر العاري، أفتح شباكي وأنام على صدر القمر، أكتب قصائد لأطفال وطني وأحميهم من سفاح الطفولة والزمن، أزيح ضباب الغد وأمحو الأزمنة الداكنة، أشتهي أن أنام بين قصيدتين: لبلاد الشمس والحب والحريات، لطير غاب في الزحام وعاد لينبت في دمي يضمد جرح المدينة وينام كغزال على جبهتي حين تلفظني بلاد الغرباء..

سأحلم ليلة إضافية ببرج الحمام والنجوم الضاحكة، بوطن لا يشيخ  وأنخاب جديدة، بالزنابق البيضاء تنمو في فمي، بالأقحوان الممدود على ضفاف السماء، بنخل يرضع غيمة ماطرة، بأرض تسع الحالمين وسماء تتلحفهم..

سأحلم ليلة أخرى بغصن زيتون كقلبي.. لا ينكسر...

27 أبريل 2015

فوضى..

18 تعليق


مساءات بلا إيقاع، حيث أنت والظلام وحيدين،  عطش الجرار للنبع، حلم واسع ونداءات غامضة، أنين ملء السمع، كتب رتيبة لا تفي بالهروب من واقع يحترق، حبر يسيل على الأوراق اليابسة، مفكرة ممتلئة بالمجاز تُصفّف فيها الحروف، تُركّبُ لها أجنحة وتتمنى أن تطير، مناخ ملائم لاستحضار ذاكرة وفية كالسنبلة، خالية من الاستعارة، يقظة لا تنام.. 
ماذا يكون الإنسان دون حزن؟ هل يذوب الظلام في هذا الليل الوحشي؟ هل تغادر الحمى الثقيلة الوطأة؟

وحده كان وردة تنبت في القلب.. ولا تذبل..

ككل هذا وكغيره تكون، حين يضيق بك الطريق وتتكسر عربات الليل، حين يدركك المساء فتخاف النوم، تلتف حول نفسك كي لا تضيع كالدخان في الهواء، تبحث في الظلام عن عيون تحبها وترهقك، تغتالك الأسئلة فتركض كالمغمى عليه خائفا من علامات الاستفهام، كثيرة هي، وعقلك ما عاد فيه متسع للتأويل، تنظر إلى الكون الفسيح، كم ضيقة هي الأماني!..ينطفئ ضوء آخر موعد وتشتعل المسافات، ترتشف القبلة من ماء التوت العالق على الشفتين، تبحث عن مكان ملائم لمخاض داخلي تتحرر فيه من الأغلال المغروسة في جلدك، يتخذ الصمت شكل الوطن، حلم عالق وأشياء كثيرة لا تقال، أعيادك محنطة نسفتها الرتابة وربابة تعزف لحن كناري حزين.. 

يأتي.. فيورق بداخلك الشجر.. 

هل كان فعلا هنا؟

تموت أوراقك على عشب الحديقة المهترئ، فصّدته ليالي كانون الباردة، يلازمك شيء مبهم كهوية حزن صارت لصيقة بسجين انهارت أعمدته، يداه في الأغلال يحلم بوتر يعزف أغانيه البعيدة، يسترجع صدى الغياب، زيتون أرضه وصورة الطفلان العاشقان عند أول الزقاق، لم يلتقي الأمس باليوم، كبر الطفلان ومات الحلم، لم يقل شيئا عن الحب الذي يزداد موتا كل يوم، غرس خيامه في الزمن العنيد، استرجع الأغاني القديمة، واستسلم للمعان السلاسل..

نسوه في الزحام، وحين احترقت الذكرى، خلفوه رمادا وذهبوا للاحتفال..

14 سبتمبر 2014

نشيد الليل الغائم

15 تعليق


يضيق بك سجنك الجميل، تفتح شرفتك على غد تحسبه أفضل، يأخذك إيقاع الصباح فتدور حول نفسك، تفتش عنك في ذرة هواء، في غمامة عابرة، في غصن ممتلئ بالحياة، في أرض رحبة لا تسعك..
تحاول أن تعود طفلا، أن تكبر على مهل، أن يصير عقلك الصغير مرتعا للخيال، تمشي ببطء تتحسس طريقك الوعرة، تخشى السقوط في هوة لا قرار لها، تبحث عن رائحة الورد وبرد كانون..
تتمسك بخيط مشدود إلى هاوية ليأخذك إلى الغد.

تعود القهقرى، تتحايل على رجليك لتحملانك، تشتاق ثرثرة تدحر عزلتك وتطرد الصمت الجاثم عند باب غرفتك، تضغط على زر التلفزيون لتشاهد نشرة الأخبار: ذبح وسلخ، سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة، ثورات وكبوات، معارك الخبز والأمعاء الخاوية، تحصي الضحايا قتلى وجرحى.. تلعن أرضا حبلى بالموت ووطنا بالكاد يتنفس، تنفض غبار الألم من حولك وما تركته الأوطان المتناحرة.. كيف طُردتَ من الباب؟ تبصق على بؤس الحاضر وضمير العالم وأنت تحاول تذكر اسم آخر الأحياء..

يدوي بداخلك عويل مجلجل، تصرخ بلا صوت، يجيبك الصدى: 
أنت الهارب من معركة خاسرة، أنت المسافر في السراب، أنت نحيب الأرامل، أنت تأوهات العذارى، أنت الشاهد على ولائم الذبح، أنت قلق المنفى، أنت حطام الذاكرة، أنت الماضي بلا ذكريات، أنت الشاعر بلا قصيدة، أنت الأشجار العارية، أنت رائحة الحنين المزيف، أنت الحاضر ملء الغياب، أنت الحلم المنسي، أنت أنين النايات، أنت نواح الكمنجات، أنت الوطن المغمى عليه.. أنت العابر في زمن عابر.

ترحل في سفر بلا حقائب ولا عنوان، يتبعثر القوم كالريش وتتكسر الجرار العتيقة، يرفع البحارة شارة الهزيمة وتبحر السفن بلا أشرعة، يعلق الغرباء راياتهم في ذيل الغيمة، تشيح بوجهك نحو مجهول جديد وتخطفك رغبة في البكاء لذكرى الغائبين، يرميك قريب بوخز الإبر ويتواطؤ مع القدر لتمليح جرحك الغائر، تتمرن على إخفاء الدموع وينبت فيك وجع معادٍ للبلاغة، تنظر إلى الساعة وتنتظر موعدا لن يأتي.. تتوسد البياض وتنام لتحلم بيوم آخر وبجنة قد تكون وقد لا تكون..

18 مارس 2014

ذاكرة بلا عنوان..

83 تعليق


أحاول أن أمسك تلابيب النهار لتضيء شمس الغد.. لكن هذا الليل ثقيل السواد يا صاحبي..

أجلس القرفصاء في زاوية يقاطعها الضياء، مبهمة الشعور، لا سجينة ولا طليقة، لا سعيدة ولا حزينة، أبحث عن حيز ضيق لممارسة الحياة فأقع في الفراغ، أرش الملح فوق جراحي على قارعة الرحيل، في سفر مرتجل بلا خرائط ولا مقصد ولا عنوان، نحو مجهول جديد أسير شاردة ككلمة ضلت طريقها من عبارة، أدخل في نفسي وأخرج منها مضمخة بغبار الأسئلة وأنين الجواب، صوت لا أفطن إليه يجرني نحو هوة سحيقة تقودني إلى موت مجازي بين دهاليز شحيحة الضوء.. يندحر الصمت ثم يتناهى إليّ أنين أرواح ثكلى تركض نحو غاية لا تعرفها..

 لم يعد الصوت مجهولا.. إنها أوطاني تتوجع..

لا أبواب موصدة، لا ستائر مسدولة، لا أشجار تواري سوءة الليل، لا طنين سوى لأمعاء خاوية تحفظ الجوع عن ظهر قلب، لا مواء في البرية فالقطط يا ويح زمني وليمة المكلومين، فقط الأرض والسماء وحيدان، وكثلة من غيمٍ غطت الصبية النائمين في العراء، يحلمون كباقي الأحياء بعناق وسادة كلما حل المساء وسترة غير منتهية الصلاحية، عويل امرأة عبث بها الجنود الساهرون لإثبات فحولة العجول، مشوبة بالكمد، تحمل قلبا معلقاً بين الموت والحياة، أما الكهل فيصلي آناء الليل وأطراف النهار لتخطئ القذيفة الهدف ولئلا تستعجل الطلقةُ الطائشة القدر..

ولازلت لم أستفق من دوران الأسئلة العابثة برأسي!.. متى يكف الملح الدافق من العينين عن الذوبان؟ متى تنتهي ليالي الحزن الطويلة 
وتعود الضحكة المجلجلة التي اقْتُلِعَتْ لأرض الوطن؟ متى تنام البلاد بسلام وتحط الحمامات آمنة على أكتافنا نرمم وإياها ليل الألم؟.. ما معنى أن يحيا الإنسان بين العاصفة والدخان؟.. أليس هذا طريق الأمنيات المعلقة نراه ملء البصر؟.. لماذا انحرفت القصيدة؟.. 

نصوغ البؤس من كلمات تلتهمها رائحة الدم المتخثر، ننتظر ولوج يوم جديد يرفعنا إلى أعلى مراتب الألم، نحصي الأيام وفق تقويم الرصاص، مربوطون إلى مصائر باذخة التعقيد نفكر في جدوى رحلة الحياة مع الخوف، فلا الحرب تضع أوزارها ولا النهار يحل ضيفا على العالم، ندرب الذاكرة على النسيان المؤقت الذي لا يفضي إلى شيء، نرثي حالنا المغمى عليه، نهيج بحماسة أقلامنا في محاولة لإصلاح الخطأ، نلعب ورقة يانصيب خاسرة لطمأنة ذواتنا بانبلاج جديد..
نصطاد الحلم بدواة حبر، وحين يهن الجسد ويخفت الفرح المفترض، نشطب ما تركنا من بياض على الورق وننام بين سطرين..

17 أكتوبر 2013

غريبة..

31 تعليق


الحنين ضمأ البدايات إلى فرح سابق حوله المنفى لجنة موعودة من مفردات..

يأمرك المنفى فتنصاع، وتتسع الذاكرة لقلب حائر علق بين زمنين في رحلة التيه، بين هواء فاسد ورائحة البخور والحناء.. وبين الشرفات وظل البنايات، تتدرب على إخفاء الحنين، وللحنين رائحة تؤكد التباس الكون، ترصد تقلبات الخريف، خريفك الخاص.. خريفك أنت..

إيقاع غريب يطبع صورة في المخيلة، حين تباغتك رائحة التراب وجذوع الأشجار وأنين الناي، نافورة البيت والصحن الوسطي وطلاء الجدران، رائحة البحر والنباتات البرية والدخان، مذاق السنبلة وحنفية الماء.. وتر العود المتفشي في الدروب الضيقة، حقول البن.. والأحلام الكبرى التي تعثرت في طريق المنفى وأنت تحاول لملمتها وحمايتها من التلف..

تفض الرسائل القادمة من بلادك البعيدة على عجل لتبرهن لنفسك أنك جدير بالحياة، لا تعرف إن كانت رحلتك تبدأ أم تنتهي أو أنك ستستطيع اجتياز الوجع بنجاح، لكنك تروض المسافة بين الغياب والغياب، ينام فيك الصبي وحيدا تحت المطر بلا مظلة، لا أنت سعيد ولا أنت حزين، تبحث عن بعض العاطفة بين الجسور والبنايات العملاقة.. تحن إلى أرضك الأولى.. إلى نداءاتك الداخلية.. وإلى الكتابة..

تشتهي أحلاما من ورقٍ.. كأن تأخذ قيلولتك تحت حاكورة التين، أو تخيط ملابسَ من قش لعرائسَ من خشب، أو تذهب مع أصدقائك إلى الحقول المجاورة، فتمتلأ بالأصفر والأخضر والأحمر والبني وتتشبع بالألوان ملء البصر.. يصيبك وجع الذكرى بعدوى البكاء، فتصحو على صراخك المثخن بالدموع.. وتراها بداخلك تمطر..

تعود القهقرى..إلى واقعك، إلى صورتك المنعكسة في ماء النهر، إلى سطو الغيم والوجوه الواجمة، إلى البنايات الشاهقة والقهوة المعلبة، إلى أنين السماء واشتعال البرق، إلى زحمة السيارات والأشجار التي تخلت عن زينتها.. تحدق في زهرة غريبة نبتت على حافة الجسر.. إنها تشبهك.. وحيدة.. تدير ظهرك لها..تعود إلى نفسك كامل النقصان وقد أفرغت حمولتك الزائدة..

31 أغسطس 2013

أنا والحزن.. وحيدين

49 تعليق


أنا لا أملك غيره، حين يستحيل البقاء على قيد العروبة، حين توجعني رقعة الدم التي تتسابق لاستعراضها شاشات الأخبار، حين يلفظ هذا العالم المضاد للحب أنفاسه الأخيرة.. حين يغوص في صدري ألم لا أقاومه.. حين تصير أوطاني كشارع فرعي تدب فيه الشمس خجلى من كبد السماء..
ليس هنا.. لكن في البيت نسخة إضافية من زجاجة عطره..

في الهزيع الأخير من الليل، تمضي الساعات رتيبة لا تعرف الرحمة، دمعتين منحدرتين مني تنزلان دافقتين، شعور عارم بالخرائب يطيح بي.. تماما كما يفعل غيابه..

الظلمة محتدة وأنا أتحصن بعزلتي، تزحف ذكراه وأحدثها عن حزني، تحتشد بداخلي،  أتحسس في جوف قلبي ما علق منه، أغوص فيه وأنسى ما دونه، وأترقب ما يخبئه لي هذا الليل الأليل من أخطار.. يبعثر توالي أفكاري، ويخرجني من انتظامها إلى تيه ذهني..

أُفرغت السماء من الألوان وامتلأت بالرمادي الحزين تودع قوافل الراحلين، اخترق الخنجر صدر المقاتلين وهم يلوحون بشارات النصر ..
وبقيتُ أحصي المواجع المترسبة من بقايا أصابعهم المبثورة، أختلس النظر إلى نفسي وأقيس المسافة بين عمر اللقاء وعمر الوداع..

أأشفق على أوطاني أم أشفق علي لأني ارتكبت جرم الحلم بعالم أتنفسه بملء رئتي وكامل حواسي، عالم مربكة قضاياه الجميلة لا تسقطنا فيه سوى انتصارات الحب وقبلة عابرة للقارات.. منكسة الرأس، أدخل في نوبات صمتي لئلا أقضي قهرا من عبث الأسئلة والتمني..

بتلويحة يد من حاضري، أعود إلى حيث توقف بي الحبر، إلى هاوية وقعت فيها، أتعلم أن أثق بالقدر، أو ربما أحاول أن أكون الكائن الآخر الكامن فيّ، أكتب لأزيل الثقل عن روحي، وهذا الضيق الجاثم على صدري أبحث له عن هدأة تطول، وعن شرفة تطل على بداية أشهى.. وأكون.. كما لم أُرد أن أكون..

أترك أوجاعي إلى الحنين إلى ما سواها، إليه، إلى ذكراه التي لا تغيب، وعطش الكلمات إلى الحوادث الجميلة التي أحدثها حضوره، إلى زمن لا ألم فيه.. إلى فرح قديم يخرجني من نفسي ويدخلني إليه.. 

19 يونيو 2013

الصمت الشريد ..

14 تعليق


يزعجني ضوء النهار، فأنتظر هدأة المساء في ليل مترامي الحزن، يغالبني الوسن وأقاومه، كما أقاوم شظايا بنادقهم المتفشية في الصدور وفي الطرقات وشاشات الأخبار، تفصّدني رائحة الموت، تجرني إلى تيه ذهني استهلكت فيه احتياطي العقل، تطن أصوات بداخلي لا صدى لها، أتكوم على نفسي ليهجع صراخ الصبي، وحين يرتفع ذويه ويشتد وطأة، ينسال خيطان من الدمع على وجهي.. أنكمش على ذاتي.. وأحتقرهم..

عيوني شاخصة إلى زمان غير الزمان، تغيرت أشجار المكان ونوارس البحر وذكرى الغائبين والعبارات على دفتر الليل، وبقيت مناديل أمي في هذا الخواء تطل على جسدي الخائف وهو يفرغ حمولته الزائدة، ويطرد الكائنات الواقفة على صدري، نصبتُ الخيام على سطح قلبي العالق بين الأنات، حملتُني عبء الحاضر وتركت الغد يحمل في حقائبه خيباتي المكدسة، وتلك الريح، هي الان غير التي صادقتها، تسير في جهة مبهمة.. وأنا غيري..

ثمة شيء يكسر أجنحة الكلام في هذا الليل الداكن كأمسي، الخافت كأضواء معبد، المتناقض قليلا، المتناقض كثيرا، أقايضه بمكرمة وأفاوض آلهة المساء لتأتيني بنهاية لا تشبه البداية وبوجود لا يشبه العدم، لئلا أقع في شرَك الحلم مرتين..
أعيد تكوين المسافات لأبرأ من صهيل الأرض، لأشعر بضجر الأحياء ونشوة الموتى وهديل الحمامات وظلال الأمكنة وبكاء الغيمات وسيوف الغزاة وقهقهة الريح وضحكة الوديان وفاكهة الحياة.. ولا أشعر..

لم يتركوا لي سوى ذاكرة تسافر فيها النوتات الحزينة على عجل وقلب تحجر على الإسفلت، 
وحيد يركب بحر الرماد ويحمل تابوته بيديه مشدود في جرح الليل إلى مراثي الغائبين..
وعلى جبهتي حلم أبيض وغزالات تركض خلف الشفق الأحمر تنام فوق رموش الغيمات، ونظرة متعبة تهز بعنف جرح المدينة.. 

أغطس في زحام الذات، أنفض الدخان عن رئتي، أجتاز سردابا من وساوس، تتعرى أمامي الأغنيات الزائفة، تمتلأ صحرائي بالغمام وتطفو كل الجروح الصغيرة، ندبة ندبة، أدق على باب الفجر لئلا يجهض الورد.. ورغم كل الموت.. أرفض أن أموت..

04 مايو 2013

إسطنبول.. مدينة التلال السبع وعاصمة الإمبراطوريات الثلاث

18 تعليق


"لو كان العالم كله دولةً واحدة، لكانت إسطنبول عاصمتها".. هكذا قال نابليون بونابرت وهكذا سأقول أنا..

على مضيق البوسفور تنام المدينة بين قارتين، تقف بينهما أعلى الجسر شامخة تروي حكاية الإمبراطوريات الثلاث، يحتضنها القرن الذهبي، تصير لؤلؤة حين تهبط الشمس على الماء فتتشكل هالة من قداسة تلف هذه المدينة الخرافية الحسن..

للمدن ذاكرة لا تنسى، ولنا في العمر لحظات لا نعرف كيف نفسرها ولا كيف نقبض عليها، تسكننا الأماكن وتمتلأ صدورنا بالألوان، تكون قريبة منا كظلنا، كابتسامة هاربة تنزلق بين الشفتين، تتقاسم معنا وحدتنا وتخمد حرائقنا الداخلية فيغدو حس الحياة أقوى وأجمل..

بعيدا عن الحياة الباذخة التعب، أغمضت عيني المثقلتين برائحة الملوحة وبدأت أحصي دقات قلبي وأصغي لصفيق الأمواج دون مكابدة، الشمس رائقة تخفي تكدرها، أقرأ الدهشة في عينيها قبل أن ترميني بعيدا، ألقي بصري إلى عرض البحر، وأتبع المراكب إلى أن تفرغ حمولتها.. وقفت احتراما للمدينة.. لسيدة الجمال والأمكنة..

في غير حالتي الطبيعية وفي لحظات انتشاء، كنت أقيس أعمار الدروب والأزقة الملتوية والشوارع الخلفية، الدكاكين الصغيرة والباعة المتجولون والراجلون يعزفون على إيقاع واحد، زوايا أنيقة يغطيها سجاد وزرابي مفعمة بالألوان غطتها الظلال تربط الماضي بالحاضر..

طقوس هذه المدينة على قدر كبير من الغرابة ألهبت مشاعري، تشرع لك كل الأبواب الموصدة.. القبب والمآذن والمساجد والكنائس والقصور والأسواق والروائح والألوان ، تخفف شطط المنفى، تعيد الماضي ركضا وصلات متتالية، وتجعلك عاجزا عن الكلام، حقول الخزامى على امتداد البصر لا تنتظر طويلا كي تزهر، تبدو وكأنها عرس من ألوان.. 

كانت عيناي مركزتين على مدينة لا تحتاج وثيقة عبور لتحبها، غطست بملء إرادتي في التفاصيل الصغيرة واكتشفت أن قربي منها يزداد كثافة وأنني أتخلص من أثقال الحياة وأسافر في سماوات لا يعنيني بعدها ما يحدث على الأرض.. لكم أغبطني على هذا الصفاء وعلى هذه الفتنة الغير مسبوقة..

في لحظات سلام داخلي كنت أسمع صوت "لامارتين" وهو يردد: "هناك الإله والإنسان، الطبيعة والفن، كلها اجتمعت لتصنع هذه المدينة الرائعة، إنها فعلا تستحق أن تُرى"..

20 فبراير 2013

همهمات في جوف الليل

21 تعليق


على وقع خطى الأيام الرتيبة، أخرج عن حظيرة اليقين في جوف الليل، تباغتني زحمة الأفكار ولا أمسي أفكر في شيء، أستفيق من إطراقتي الطويلة لئلا أموت صمتا، أرمي بصري بعيدا وأغرس عيني المسبلتين في الأفق اللامحدود، أسبح في الفضاء كذرة ضائعة.. كما أشتهي أن أفعل حين لا أجد إجابة..

أهوال يأتي بها المساء لا قِبل لي بها، ولا حيلة معها، عاتية كالبحر لا تمنحك مهلة للتفكير،  يتقلب القلب، تختفي الملائكة الرحيمة، يجثم فوق صدري وجع يتدفق إلي في غفلة مني، أُحملني هذا الهواء الثقيل، وأحاول في غفلة من الحياة أن أجتاز منطقة الألم بنجاح..

أقبض على واقعي، أنتشل فكري العالق بين الصحو والحلم، أحاول ترتيبه درجا درجا قبل أن يحول بيني وبينه الموج، وأبتعد عن هزائمي الصغيرة والكبيرة ما استطعت إلى ذلك سبيلا..
أسير غائبة عني، أنفث غبار الأسئلة، يصمت داخلي إلا من بعض الهمهمات، أرشو القدر ليزيح بعض الثقل عن ذاكرتي، ويوقف زحف الزمن.. فأنا لا أريده أن يكبر أكثر وأكثر..

فجائع ذائعة الصيت تحوم حول خاطري، متلهفة إلى موعد مع الحياة، لا يأتي.. خجولا كأشعة شباط حين تفض عذرية الستائر في استحياء.. إنها إحدى صفات الليل، حين يوشح الباطن بالسواد.. قد يحدث ويكون له فعل كالسحر، يجلب الحياة إلى ضفتيه ويدعك تمارس لهفة الحنين في أمسية رائقة، ويحدث أيضاً أن يكون باردا وجافا، يتقمص دور الصعاليك.. يأخذ منك كل شيء، ويترك لك وسنات خاطفة يرش بها أهدابك على وسادة المساء..

لماذا تتركني أيها الليل لعصف الظنون ولا تأخذني غمرة النوم، طويلا كان أم قصيرا.. لماذا هذا الخلاف الثائر بيني وبينك.. لماذا تلهث ورائي منتشيا وكأنك ظفرت بغنيمة.. لماذا لا تغسل بالماء وجعي.. لماذا تجهز علي بميراثي الثقيل من الخيبات؟!..

هلا فككت ضيقي؟.. قل لي: لماذا خطاياك كثيرة ؟

11 فبراير 2013

نشيد يتمدد على جسد الأرض..

8 تعليق


أعرف زائر المساء من خفقان القلب، حين يأتي إلي هادئا، يبعد طنين الانتظار عن شرفة البيت ويحرس غفوتي التي تخطفها في غيابه رغبة البكاء ورعشة الحمى..
يأتيني خفيفا ناعما، يعطيني عمرا لترميم الخرائب التي خلفت ألما يفجع وشعورا خارج منطق الأشياء وكمائن الشوق وبهجة الاحتراق..

تبدأ الحياة بين يديه.. يأخذني إلى نفق في المجهول لا يتسع إليه قلبي الحائر، أمر أمام حلم هارب، أمشي في زمن بلا ذاكرة ولا حزن ولا فرح ولا هواجس، أسير إلى حيث يأخذني ولا أبالي، أحملق في السماء البعيدة والأيام الطويلة التي لا تنتهي..

أتبع ظل العاشقين وأحمله معي، غارقة فيه وخائفة منه في هذا الصمت الزاحف بين زمنين، تسبق خطاه خطاي، أعبئ اسمه في قلب امرأة مسافرة على ريح تخفي عواطفها في حقيبة السفر حين تتملص من المعاني بين الدفاتر، وحين تفر الاعترافات من سرير المساء، وتغلق دائرة الحزن..

أرنو صوب قصائده وأصاب كما اللغة بدوار البحر، أحاول فهم القصيدة، أصدق تاريخ الولادة  وأقبض على الجمل المستعارة وأضع ثقبا يتسلل منه الضوء كلما عسعس الليل، هذا الليل الكثيف البياض.. لا يتركني أحيك قصتي ولا أنا أترك للفراغ مكانا للحلم..

أرحل في خلاياه وأمشي في اتجاه الموج الأزرق، أمتلأ بالهواء الشهي وأنشد أغنيتي الأولى بين الصحراء والبحر، أترك الأرض تكمل بهدوء دورتها وأستحضر ما علق من نوتات وأدع اللحن يتمدد على جسدها..
يسحبني من بقاياي، نطيل المساء على الجسر، يرمي بحبات القمح لتلتقطها في السماء العصافير، يوقف صهيل الكلام، وأوقن أنه يحميني من خيباتي الأخيرة ومن أسئلة الوجود..

إنه نشيد السماء ونشيد البحر والأزرق الذي يمشي بينهما، يخرج من ضلعي ويواصل رقصته على أوتار القلب وظلال المدى، يمزق سرب الكلام عند أعتاب المدينة الواقفة، ويأتيني كالسيف يقطع كل البدايات.. وكل النهايات..

06 يناير 2013

ماذا بعد الحب !

14 تعليق


كل شيء خال من الحياة، الجو بارد، الأوراق المبللة تناثرت على أرصفة الحي اللاتيني، رائحة الشوق تملأ الأمكنة وعرس من الألوان زين سماء المدينة وحواف الجسور، أضواء نهاية السنة تتلألأ غير آبهة بنقرات المطر، نوتات هاربة توقظ حنيني إليك على مرأى من نهر السين، تعطي لحياتي كل المعاني، وفرح مؤجل يوقد في عينيّ كآبات صغيرة..  

بيتنا المسروق من الورق يخبئ وطنا جميلا داخل اللغة وحروفا مرصوصة في عمقها لغم خفي خارج عن كل منطق، كجنون لن يتكرر يوما، كلحظة البدايات المحفوفة بالمخاطر الكبرى وباحتمالات النجاة واحتمالات الموت، كشعور قوي يعاند ليستدرج القدر لإخماد براكين ملتهبة خرائبها تزداد كل يوم اتساعا..

ضائعة وسط هذه المدينة الغريبة الأطوار، سعادة مفجعة تنزلق من بين أصابعي وأنا في أقصى درجات الخوف من قدر مباغت يعبث بي، قدر ناصبني العداء ومنحني حياة واحدة، ولكنها لا تكفي..  

غبش المطر يقرع نافذة الليل، وأنا أبتعد قليلا، أنسحب بهدوء من ذاكرة الأشياء الجميلة وهبل يقودني إلى حيث لا أدري، تنكفئ علي أوهامي المثقلة بعطرك وبملامح تنبض في غيابك وبفرح مستبد طولا وعرضا.. أأرافع طويلا أمام هشاشتي الملتبسة وأكسب القضية بلا خسارة في مادة الحياة ؟..

يلف البياض ذاكرتي وأنا أبحث عنك للكتابة، حالة مؤذية أحاول أن أقبض فيها على حلم هارب يخلف هزائم عميقة قبل الأفول.. توجعني الأشياء الجميلة، فهي تنهينا بسرعة الألغام القاتلة، مخلفة إيانا كومة من رماد ومجرد أمنيات معلقة في الفراغ..

05 أكتوبر 2012

خريف..

19 تعليق


لم يكن حبنا كافيا ليبعد ليل الشتاء الطويل، ولم أكن امرأة ولدت من ضلعك لتلبسها ثوب العروس وتأخذها برفق إلى منتهى الحالمين.. ماذا كنا نصنع بغدنا غير تكسير الوقت قبل أن تفكر النجمات في اغتيالنا..
هل تضيق الأرض ويتسع صدري في هذا الزحام لقيلولة ننام فيها معا بلا ألم وسط خيال أوضح من واقع في بلد الغرباء..؟

هنالك صمت فسيح، وزرقة في الأفق وطقوس حب على بعد فرسخين منا، مساء يصاب بسوء وأعمدة تتكسر على عتبات الجسور، حمائم هنا وهناك لا سعيدة ولا حزينة، وقهوة تصهل عند باب الشفتين، قصاصات مقتبسة من أساطير الهوى يلقي بها غيم بعيد، كانت تسمى حبا فيما مضى، وصرت حين أفتحها أخاف النوم..

انتظرنا، ولم نعرف أننا ذاهبان في فحم الليل إلى مكان يكنى العاطفة، ترشدنا في طريق التيه ثقوب لا تحمل علامة، مبطنة بأريج الورد ورذاذ الليمون واشتقاقات الألوان، تقودنا ولا تكترث، مثلي ومثلك، بترتيب فوضى الحواس السائرة في اتجاهات معاكسة..

خريف باريس ههنا، عائد ليمارس غوايته على أوراق البلاتان الكبيرة، ويعري بسخاء الأشجار التي تنزع لباسها أمام قطرات تهتز لها صلابة الأرض، وما بين هذه الإيقاعات السرية، وزهر اللوز الذي ينبت بين النهدين، كان الضوء يتسلل إلى مدينة الفتنة كرائحة العطور الباريسية الفاضحة في أمسيات الحب، وكنت أنت، تسرع الخطى مخافة أن يصيبك مرض الحنين، تبتعد، أبعد من حلمي، لا تقوى على الرجوع لشيء، ثم تجلس كأمير جميل سيعتلي العرش، ولا يعرف كيف يبدأ ولا إلى أين ينتهي ...

18 سبتمبر 2012

تنهيدات عابرة..

21 تعليق


لا عليكَ.. تنهد قليلا
حين تتقاطع بيننا الابتسامات
تنفس معي شوارع المدينة الجميلة
وفك صمتك الوثيق
دع عنك العالم المليء بالأحزان
سأكون هناك لحظة الكتابة
أصغي لدندنة القصيدة
وأتركك تمضي إلى حيث يشاء انتشاؤك
سأحضر لك القهوة
وأضع قبلة على جبينك
وأتسحب على أطراف أصابعي
أسير إلى حيث يدعوني هواي
وأدعك تعيد الحياة إلى نظامها
نكاية بالشوق..


                                             ****************************


دونما ضجة استلقيت على حافة النهر، 
أشحذ بعض التفاصيل من المارة، أمسك بأصابعي كل الأشياء الجميلة قبل أن تنسحب..لم أتساءل كيف أعالج هذا الخوف ولا كيف أداري هذا الجنون، وكيف لكل هذه الحرائق والعواصف أن تنتشر بهذا الكم من الفداحة..
                                            
أشيح بوجهي صوب الغيمات الهاربة، إلى حيث تشتهي الذاكرة.. كم هي مضنية ابتسامتك البعيدة وأنت تهرب بعينيك نحو البياض، توقظ حواسي النائمة دفعة واحدة وسط حلم من الألوان..
بمقدار الخوف، في لحظة انتصار على الصمت، ومن نفق بعيد في القلب، جاء صوتي هادرا: مخبولة من تظن أنها ستحبك.. وتمضي



                                             *****************************


قبل قليل كان هنا..

تتهدل رموش المساء وأعود إلى شططي، أحتاج كثيرا من صحوي وأنا أبحث عن تفاصيله الغامضة، أتمدد على ضفاف الدنيا الجميلة لأمنح حياة لي وله، ألمس فوضاه بداخلي، أتهيأ لموعد لا أحد يعرف اتجاهه، يسوقني فيه هبلي نحو ضعف كبير يسرق مني كل الليل.. 
أي حلم هذا الذي يزيد مشقتي كلما بحثت عنه، ويخفي شيئا مبطنا يجعلني أرتب حوائجي لأغادر إلى أبعد نقطة ممكنة، ألملم شؤوني الصغيرة بعيدا عن هذه المدينة التي ما عدت أشعر حيالها بالحب.. داكن هذا المساء، كأول ليلة في المنفى..كذلك اللحن الأندلسي الضائع..
تيقنت أن الصدفة لن تأتي، فقط أحاول أن أتذكر ذلك الوجه، أتتبع كلماته المتعاقبة، وألمسه قبل أن ينتفي..

 هل كان حقاً هنا !

                                             *******************************

                 

رحلتَ كما تعودت أن تفعل، وأنا تكومت على نفسي منذ غيابك، حقي أنت من الجنون لا أتنازل عنه رغم الأوهام المعلقة في الفراغ، ترتاد معي المسارح والجسور ودار الأوبرا، اكتشفت أن كل الأشياء التي أتت منك جعلتني أسعد امرأة في الدنيا.. امرأةٌ.. لا تنسى أنها هناك، وراء ظلام الليل، تجهز على نفسها بظلك

24 أغسطس 2012

فضفضة على نهر السين

16 تعليق


جسر ميرابو فجر اليوم على حافة نهر السين

أعمدة النور على جسر ميرابو لم تزدني إلا التصاقا بحافة "السين"..

تستلني ملامحه من بساط النعاس، وعلى غير  هدى تقودني ظلال المساء إلى مقهاي المعتاد في شارع سان سيفران،  أقلب صفحات من كتاب، يتواطؤ هو الآخر مع وجعي، هل كان صاحبه يكتبني دون أن يدري ؟ ( بعيدٌ أنتَ كليل المسرات.. ألستَ معي في هذا؟ ما الذي يبقيني حية في هذا الزمن البارد، لولا انتظاراتي، وشيء آخر أيقظني من سبات الحياة الرتيبة، لطالما شدني إليكْ، ودفع بي نحو هذا المكان، تحدق بي ولا تدري ما هو.. أوتتناسى، أليس كذلك؟..)
لا أسمع سوى خشخشة الأوراق، أحتسي الصمت المتمادي في غيه، أدفع جبروته بسلاح الكتابة قبل أن تنسحب الكلمات.

المدينة نائمة، حبيبات المطر تغسل الطرقات خجلى، أمشي وحيدة حتى ساحة سان ميشال التي هدأت للتو، تقودني قدماي نحو الحي اللاتيني، أكنس ببصري شوارعه الخلفية الضيقة، مطاعمه ومقاهيه التي أوصدت أبوابها في وجه الغرباء، في هذا الحي تجتمع في تناغم كل القارات، تسمع كل اللغات، وترى كل الوجوه والألوان، إنه الآن خال من كل هسيس إلا من غيابه المتعب الذي يصعب ترميمه، أصل جسر ميرابو، الضباب دافئ على غير عادته، طوق ليل باريس بوشاح من البياض، أجج شهوتي للبقاء مسمرة وحدي، كل ما هنا يخبرني أنني عشت اللحظة من قبل، وفي كل مرة أشتهيها وكأنها الأولى، شيئا فشيئا تندفن تفاصيله فيّ كليا، يأتي صوته كهدية مسائية تطرق مسمعي.. كيف عرفت قبله أناسا كثيرين، وكيف لم يهزني بعمق سواه!..

القلب لا يحيا من غير ساكنيه، سكرات الحنين مريعة، وغيابه أكبر حالة قهر أصابتني..
أليس عبثا أن نعاند القدر ونجاري أحلاما لا أمل في تحويلها إلى واقع ؟

أشعر به يتحسس خطوي ويناديني.. بلا صوت، أبحث عني على سطح النهر، لا تزال في صورتي بقايا مسحات من الفرح،  
ربما هي خدعة الحياة، رد فعلها غريب دائما، تداري سوءاتها حين تؤلمنا بسخاء، أخوض حربي المسائية، إلى أن أنتهي إلى المعادلة الناقصة: "إذا لم نلتق ليس مهما، فهناك شيء ما جميل مشترك بيننا يمدنا بالحياة من حيث لا ندري".. 


( المقتطف مابين قوسين للكاتب المميز ناصر الريماوي )

04 أغسطس 2012

مهلا أيها المنفى.. تريث

13 تعليق


هذه البلاد رطبة يا حبيبي.. وأنا تعبت من ترميم الكسور..

طفرت من عيني دمعتان، أرأيتهما؟ أرأيت صمتي الساكن مثل الليل، ووهج النار الذي بداخلي، صوتي خفيض لا يسمعه إلاي، المدينة بلا بوابة، الشمس فوق رأسي بعيدة لا أتبينها، شكل البرج الحديدي لا يعجبني..الناس من حولي كثر، لكنني لا أرى أحدا، إنهم غير موجودين..

وتوقفت.. في منتصف الحب، أمسح بيدي الوجع.. غسلت وجهي، وظل الماء يؤلمني..
كل شيء شحيح، ماذا هنا من دفء الحارات وضجيج  الأسواق و نداء العطارين ونكهة الخبازين وصرخات الباعة ورائحة الجلد في سوق الدباغين، على حواف أذني يستقر صوت الآذان ورنين أجراس الكنائس القديمة وطَرْقات الحدادين وصيد البحارة وسواعد الجدافين..

وصورتنا ومريم أو ماريا ونحن نلتف حول نافورة الحديقة الزرقاء بعد أن رشت ما حولها بعطر مسك الليل، تلقننا أسماء الشتلات الأندلسية دون أن نعير وقتها أدنى انتباه للجمال المحيط بنا.. وتسهب في الشرح بعينين سوداوين واسعتين يغمرهما الحب رغم مسحة الحزن التي لم تفارقهما..

على إيقاعات العود وراء أسوار المدينة القديمة وفي حارات فاس البالي يضبط الميزان، ويتشكل عرس من الألوان نجماته نساء الحارة بملابسهن المزركشة  وأجسادهن المضيئة،  كن على موعد مسائي مع الإيقاع بعد أن يفرد النسيم أجنحته وتتوارى شمس الظهيرة خجلى، تتبارز فيه مارانيات الملاح والعربيات في إنشاد تراتيل الحب وما تيسر من الطرب الأندلسي ورؤوسهن وأكتافهن تتمايل مع هسهسة الماء الذي  تسرب من وراء أشجار البرتقال..

على حافة المنفى تستكين الذاكرة، وتختفي أشعة الشمس وراء غيمة لا تنسحب أبدا، تنزلق الأفكار لتطرد عبثية الأقدار دون أن نقوى على النسيان ولا حتى على الحياة..
ويقوى الشوق لأرض لم تعد موجودة إلا في الحلم، أرض كانت مختصرا لكل الآمال، ينبطح فيها الأقحوان على امتداد البصر ويصمد لخمسمائة عام غصن الزيتون، وتقوم الطيور من غفوتها وتخرج الفراشات من كراسات الصغار وتنمو التفاصيل التي كانت في وقت عادية وتبدو الان غير ذلك..

المنفى دائرة مغلقة سحبنا إليها القدر، لئلا تنام أعيننا من جديد، وعلمنا كيف نخفي الوجع ونهب أجسادنا للنار، ثم انسحب مخلفا إيانا كومة رماد..

شيء ما فيه مذاق الصبا وطعم الغياب وأجيج الرغبة ينظر نحوي بعينين شاردتين وذاكرة متآكلة تسرب منها الألم نحو عالم لاشيء فيه إلا الغياب والأسئلة المعلقة..
أنفصل بوجع عن الحياة، وأنام خلف كل هذه الألوان والطقوس والحكايا، أنصت لأنين داخلي غابت وسائل دحره ويرفض أن يرتاح قبل الرحيل ..

02 أغسطس 2012

كيف أعنون هذا الشتات ؟

19 تعليق


تخذلني الكتابة أحيانا، وشهوة البوح، يبدو كل شيء مغيما في ذهني، يخيفني بياض الورق، تتمكن مني حالة قنوط حادة وتتنكر لي اللغة، لكن حواسي تظل مستيقظة تراقب تفريغ الألوان عند مصب الذاكرة، فأتوقف، لأودع بعض تفاصيل الحياة، وأمضي إلى حيث لا يتبعني هدير الألم..

أنتظره أن يأتي، وأحاول أن أكتب.

على حواف الجسر، أمشي خفيفة أسمع نبض دمي، أوقظه على وجع فائت، أتلفت خلفي..
لاشيء سوى هاجس الخطى، وشرفة موصدة في داخلي، لا أحد يمر بها..أفرغتني المسافات من جسدي، من ضحكاتي الحميمات، وماء أحلامي، هزتني حبال الريح، فصحوت، أبحث عن رائحة العشب بعد المطر..

في ساعة لا نظنها يأتي الحزن، خفيفا كالموت، يوسع من نتوءات الحياة، فيبدو كل شيء ضبابيا في باطن الذهن، وتتكاثر الأسئلة المعلقة.. أفكر بلا هوادة، حتى تستقيم الأفكار عند باب العقل، أستنطق ألواني التي مزجتها، وأرى ملامحا لم تكن أبدا واضحة..

كلما اشتهيت الفرح أعود إلى قسمات الصغيرة،  وفي الحقيقة أعود إلي، أبحث عن منفذ للشتات  فوق غيمات من الوهم، أحن إلى الأجفان الصغيرة وهي تغالب أحلاما بلون الفردوس، أستحضرني وأنا أخلط الألوان لأرسم فراشات وأحلم أن أطير معها، في مدينة كنستها الرياح، لكنها لم تبدو لي أبدا باهتة..

كلما اشتهيت الفرح، أمتلئ عن آخري بتفاصيل الذاكرة لأعطي الحياة لما بقي من الأمنيات الهاربة، وأتملص من قلقي، من فوضى العابرين، وسخرية القدر، ومن كل البياض الذي يأتي دفعة واحدة، أترك النور الذي نما بين أناملي ينزلق من يدي، ويتلاشى الأزرق الناصع، ولا أفكر إلا في شيء واحد: كيف أعيد البسمة للشفاه الغاضبة..

14 مارس 2012

صراع على هامش الحياة ..

20 تعليق


عقلي يطن بالهواجس، في مساء سواده يشي بقلق فجائي، تنشط خلايا الذاكرة، يبتسم لها القلب بوهن، طمعا في إزاحة ثقل الأيام الجاثمة عليه..

يطبق السكون من حولي، فتبدده ذاكرة المدن، تأتيني رائحتها من بين طيات السحاب، فأرحل بخيالي إلى موضع بعيد جداً، إلى حيث يستبد بي الحنين، ولا زاوية تسعني في ظل الكون الفسيح..

نظرتي تعكس شعورا ما، كامنا في قرارة نفسي، لم أتبينه بعد..
تتقاذفني أسئلة كثيرة، ولاشيء سوى أفكار بالغة الشحوب، وهمهمات يلقي بها داخلي، تطوحني خارج الزمان، محمولة على أجنحة الملائكة أو ربما في موكب تقوده الشياطين..

في لحظة هاربة، أشياء كثيرة تصحو فيَّ فجأة، كصورته التي لم تشخ أبدا، كقصيدة مبعثرة تركتها على حيطان مدينة شمالية، كحرقة وداع أخير في مطار مدينة قائظة..

وأنا أجوب الفراغ، اشتهيت الكثير، أشيائي الخفية، أوراقي، مذكراتي، اشتهيت كل شيء، رائحة الخزامى وعطر الشجر، لون الفراشات وحقول السنابل، الدراجة الهوائية وحتى الموج الهائج في عاصمة صاخبة..

عثرات لا دواء لها، إلا الكتابة..لكن..لماذا تحمل دوما بين طياتها انتكاسات لا وجود لها إلا في العقل الباطن؟ ولماذا يميل القلم إلى الخيبة ويغلق نافذة الحلم مع أن الأفق واسع؟ كيف نفقد شهوة العيش وماذا يعني أن نستحضر عنوة ذاكرة انمحت وخرمتها دودة الأيام..إنها محاولات عابثة، كمن يبحث عن نوتة موسيقية في آلة خربة..

أصداء تمر على حواف أذني، تزيدها ثقلا، يفلت الزمن من يدي، خاطري متقد وساعتي متسارعة الخطى، لا تكف عن الدوران، أودها لو تتثاقل، لا لرغبة في العيش أكثر ولكن لاستبطاء الوقت عند ممر الذاكرة وهي تنسلخ عن الواقع..

نهرب دوما من الحاضر..أصرخ بلا صدى..لماذا نفعل؟..ألأن الماضي كان أقل مرارة، أم لأنه مضى وانتهى واحتويناه من أعلى، استثنينا عنصر المفاجآت فصار مجرد سيناريو تشتعل أحرفه في العمق بشوق لإعادة إحياء التفاصيل؟..

سنوات تمضي، وأخرى تأتي، متشابهة، تحمل  أشواقنا، تبدو غريبة، ثم نتعود عليها، كما نتعود على الأمكنة والريح والأشجار والغياب..
تصنع الصدفة قدرا، وأسئلة لا تنام، فتغيب الخيارات، ونلحق بالركب على سفينة الحيرة، نركب عباب البحر مرغمين، وتسوقنا الريح خارج الوقت..

يسكنني جنون الكتب، مولعة برائحة مكتبتي، وحدها تملأ خوائي، لاشيء في هذا العالم غيرها يمت بصلة لقوم أعرفهم ويجهلونني، أسافر إلى أرضي الأولى، أملأ صدري ونظري بألوانها، بالدفء المشع الذي يصعد منها، بسرها الذي لا أدركه، أُشبع جوعي، أدخلها وأخرج كاملة، معي النسائم المالحة التي يجود بها البحر، والأشعة الصباحية التي تخترق عذرية الستائر، أشجار الزيتون والبرتقال، رائحة المسك، وزهر الياسمين الذي تحمله عربات الليل، حتى الأدوات الصدئة التي كانت تستريح فوق العشب المبلل..كلها معي..

في لحظات الخلوة وساعات الضجر، أبحث عن أي شيء يعطي معنى لمنفاي، لحلمي الهش، يأتيني صوت أرضي متسربا من بين أشجار الصنوبر العاليات، مخترقا الصخور والوديان، وقلقي الذي أتملص منه في لحظات الغفلة، أهرب من أشواقي المنكسرة وهسهسة الماء في عشية ربيعية..

لا..لا..لست نسمة هاربة معلقة بين السماء والأرض، الأمل..هذا الشعور أجمل ما فيَّ، لن يُسرق مني، لن تهزه نداءات الاستغاثة التي تملؤني، هناك خيارات أخرى أقوى من قرار الصمت وحفنة ماء وضعها الله في عمق الحرائق لعباده العابرين..

لم أكن أهذي، لم يكن هناك أصلا داع للهذيان، ربما كانت خطوطا تشابكت في لحظة خاطفة، أو مقطعا من كتاب احتفظت ببعضه ذاكرتي فصغته لاشعوريا بطريقة مبهمة..أراه نشيدا حزينا يئن تحت وطأة النفس القاسية..وربما يكون شيئا آخر..


لست أدري..

01 مارس 2012

ليلٌ وماض وبطاقات..

18 تعليق


لم يغمض لي جفن، إلا وسنات خاطفة في ليل  ثقيل السواد، تحركت كوامن الشجن بداخلي، دون داعٍ، طاحونة الأفكار تفتتني، أفتش فيما راعني، وأشقى ببعضه، أنتظر بياض الفجر لأتخلص من ميراثي الثقيل..


ماذا أفعل يا ترى بالكم الفائض من الذكرى،  تلك التي باغتت خاطري على غير موعد؟ وهل كان الأوفق أن أتركها خامدة تتكئ عليها سنواتي الثماني والعشرين ؟..

في ليل بليغ السكون، يمرون بالبال، كحلم باسم في قلب محزون،  فأضطرب  لذكراهم، تغادرني الملائكة الرحيمة، ثم ما تلبث تخايلني فكرة الصراخ بصوت جهير هادر..لكن..أسيسمعون؟..
أنطوي تحت ملاءتي البيضاء، الصراخ لا يعلو، أشغل نفسي بالتقاط الهمهمات، كما أفعل لحظة الانهزامات الكبرى..لا أقل ولا أكثر..

أجلس أرضا، فوق بساط أخضر، كنت قد نسيت هذه الحركة منذ زمن، وجدتني ألعن في داخلي المتكأ الرخو الذي يمنعني من أن أنبطح أرضا..تبا للحداثة التي ما فتأت تقتلعنا من جذورنا، هذا الفعل المبهم، لأمر خفي،  جعلني أنعم بهنيهات سكينة ومتعة غير مألوفة..

على ذات الأرضية الصلبة، افترشت ذاكرتي، واستحضرت ماضيَّ، حزمة بطاقات ومعايدات، رسائل محبة وشوق، رسائل عتاب وفراق، كلمات وداع إلى اليوم تنخر عظمي وأنا أترك عمرا ورائي ووطنا..وأرحل.. وجوه لم تخفى عني وأخرى ما عدت أتذكرها جيدا.. 


سويعات طافحة بالتيه، وعدت إلى واقعي، أتأمل أول بطاقة تلقيتها من أبي، بارك الله في عمره، احتفظت بها ثلاثة عشر عاما، ولازالت معي، كنا ثلاثة بنات وكنت الوسطى، وعلى غير عادته، أهدى لكل واحدة منا بطاقة مع حلول العام الجديد ، كان ذلك سنة ١٩٩٩، الصغرى تضمنت بطاقتها براءة طفلة بشرائطها الحمراء والكبرى يظهر عليها حيوان مفترس قال حينها أنه يماثل طباعها الحادة، وكانت لي الطبيعة، قال هنا مكانك، أنت هادئة كهذه اللوحة..تحنانه الأبوي زادي مذ وعيت، ولازال..


بين حلم النبوغ واحتدام التنافس وصحاري الأرق والليالي البيضاء، كانت هناك ابتسام، وعلى وقع خطى عقلي الرتيبة، في شوارع مكناس، تظهر لي ضفائرها الثلاثين أو تزيد، كانت تسريحتها المفضلة (الراسطا) كما يسمونها، خلوقة طيبة سموحة باسمة، كانت مستودع أسراري كما كنت لها، آخر دمعة طعمها المالح امتزج في مقلتينا لحظة الوداع الأخير، رحلت عنها إلى الرباط، ومن هناك إلى باريس والتقينا في إحدى العطل الصيفية بوجدة، وشاء القدر أن تنقطع الأخبار وقد غابت عني التفاصيل..


من بين كومة البطاقات، تلك التي اندست خفية في حقيبتي المدرسية، لا تحمل تعليقا عدا كلمة ( بدون تعليق)..إلى اليوم أجهل الفارس المستتر، احتفظت بها، ربما هي هدية من السماء :)..

لا شك أن أجمل العمر ذاك الذي مضى، ليته يعود، وهند معه، وامتحانات الباكالوريا واستعداداتنا وخزعبلاتنا وهرطقاتنا، كانت نسخة من ابتسام، ذات الطيبوبة وذات الحنو، ابتسامتها التي ما نسيتها يوما، جمعنا نفس القسم الدراسي، وفرقتنا مادة اللغات، كنت أفتقدها كثيرا حين تتوجه نحو الأدب الإنجليزي وأسير نحو نظيره الإسباني ثم نفرح بلقاء بعد فراق..
كانت صديقتي الوحيدة، بعثرنا السلك الجامعي، حين اتجهت لدراسة الأدب الإنجليزي واخترت الحقوق، وسيفرقنا بعد ذلك القدر، فأغادر إلى باريس وترحل هي إلى إسبانيا..


وفي تلك المدرجات، مع دكاترة القانون وأساتذة العلوم السياسية، كانت مجموعتنا المصغرة، هشام الأول وهشام الثاني وجواد ووحيد وأنا، كنا خمستنا لا نفترق أبدا، ندرس معا ونمزح معا ونراجع معا ونخرج معا..وكان أبي يكن لهم من الحب الكثير، فقد كانوا خير مثال للشباب المغربي الناضج والمثقف، كنت أشعر بحمايتهم وحرصهم ونقائهم..صداقتنا لم تشبها شائبة حتى آخر لحظة ودعتهم فيها والحزن يعتصرني..
الفايسبوك ساهم في عثوري على صاحب الحلم الأمريكي كما كنا نسميه، جواد، وابتسمت حين علمت أنه مستقر بفيلادلفيا وقد يزورني في باريس، أما الثلاثة الآخرون فلا أدري من أمرهم شيئا واأسفي.. 

ضممت إلي الرسائل والبطاقات، سكنت روحي، نامت كطفل رضيع في خدر السنوات الماضية، تلتها زفرات ملتاعة، أخذتني في غمرة من النوم، لأرسم ملامحهم على اللوحات المعلقة على الحيطان..
سكن الصخب بداخلي، لم يعد حولي سوى الفراغ، وذكرى مؤلمة، ليس لأنها قاسية، بل لأنها كانت عكس ذلك ويحزنني فواتها..

غابت الوجوه..وبقيت هانئة، أنام بين البطاقات..

26 نوفمبر 2011

سَهَارَى فوق الغيم

40 تعليق

عادت ألاعيب القدر، تحملني إلى ذات الشارع، وذات المقهى، في ليلة من ليالي تشرين الباريسية الباردة، أشارك ظله شاي المساء، وجه النادل الذي يعرف طلبه، وصاحب المكان، المقاعد الحمراء التي اعتادت عليه، وربما أرتشف اللحظة من ذات الفنجان، سحابة الدخان التي تغطي الصالة، النرجيلة التي لا أحبها، الشموع الدائبة في صمت، الأضواء الملونة الخافتة..

كل ما هنا يتراقص فرحا، أحمرٌ، بهيجٌ كليلة احتفال، عصي على النسيان كذاكرة لا تموت، وأنا..كسنونوة غائبة مسافرة خارج الزمان، أتطلع إلى عينيه وحركة يديه وشروده وضحكته وضباب دخانه..أتطلع إلى غيابه..أحدق في اللاشيء، في زمن مضى، وآخر سيمضي، وأصنع من أحلامي الخجولة بدايات لا تنتهي، وشيئا من فرحة معتمة في خدر المساء..

ملامح متناقضة تبدو لي، يعذبني تأويلها، تصيبني بحزن إضافي، أستعرض معها سيناريوهات لقاء لن يتم..يالهول الأحلام، حين تفجعنا بواقع مدمر..أيعقل أن تفعل بنا كل هذا ؟!
أتساءل بتغابٍ، وأندس كضبية مكسورة بين أضلعي، لأبعد عني شبهة الفرح، وشبهة الحزن، أو هما في نفس الوقت، وكأنما أتملص من جرائم لم أرتكبها..

كنت معه في حفل راقص، على أنغام كلماتنا وبوح لم تكتب له النجاة من دُوارٍ عشقي رَأَفَتْ به أرواحنا، وقدحي شاي عربي يغازل ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة، لم يتبقى منها سوى الإسم، وزخرفة تزين جدار الصمت ههنا، أتصفحه على عجل، قبل أن تنتهي الأشياء في الضفة الموالية للسراب، وأعيد أحلامي قسرا خطوتين إلى الوراء..

....

جمعت أشلائي بوجل، خرجت من المكان، مهرولة، مبعثرة، أحمل بيدٍ حفنة ذكرى وبالأخرى خيوطا من دخان..

هنا تنتهي الحكاية، كما قال، بخطوتين متوقعتين إلى الوراء، ودمعتين، وأعلن حداد الحب، ليفقد الحرف معناه، تضل الابتسامة طريقها، وتصغر في عيني قيمة الأشياء، تذبل كل صور الجمال، وتتشابه الساعات والأيام..ما الكلِمُ إن لم يسمعه، وما الكتابة إن لم يتدخل فيها ؟..تصبح كل الألحان حزينة، وكل فرح مغتصبا، يصبح السرير فعل هروب، والقلب صفحة كتابة، ويصبح حاضري خاويا إلا من طعم المرارة ووجع كبير، فراغ يهدمني، وهو معمر بداخلي يكبر ويكبر. 

05 سبتمبر 2011

ارحل ..

19 تعليق

أيها المسافر سرا بين أبيات القصيدة، ارحل، غادر حزمة الورق وحفنة الأقلام، هاتفي وشاشات بيتي ووسادة الأحلام، اخرج من صفحات الجريدة وغرفة الأخبار..فقد أعياني الأزرق الشاهق البعيد جدا جدا، كما السماء..


أيها المتسرب كرائحة القرنفل من حديقتي، اخرج من دائرة الوقت، من جلدي ومكتبي وصوري ورفوفي والكتبِ الألفين..سئمت حملك معي، دون تصريح شرعي ودون هوية..مزقت فساتيني الزرقاء وحجبت عيني عن السماء لأنها زرقاء، لم أعد أناجي ماء النهر ولا يغازل جسدي ماء البحر لأنهما زرقاوين، ولأن الأزرق مرتبط بك وبلون الحب الذي ارتضيته لك..فيا أيها الجني الأزرق غادر، إلى مغارة من مغارات الزمن، أو اشرد في البرية كنجم مذنّبٍ لا يرصده إنسان.


أَستشعرتْ مستغانمي حالتنا العشقية حينما كتبت ذات عام عن ذلك الزمن الذي لم يخلق للعشق، وعن العشاق الذين لم يخلقوا لهذا الزمن، عن  الحب الذي خلق للبقاء، والحب الذي لا يبقي على شيء..لَكَم كانت صادقة وهي ترصف كلماتها في مكان ما من مدينتي، ولكم تمنيت لو لم أصادف جملتها حينما قالت أن القطيعة لا تقتل بل تحيي، إنها تؤجج الحب وتزوده بالوقود الذي يحتاجه..
كما لن أقرأ لقيس بعد الان، ولن أطلب مطلبه، وهو يصارع الحب حتى قال :
وإني لأهوى النوم في غير حينه * لعل لقاءً في المنام يكون


ما عدت أطلب اللجوء العاطفي إليك، ولا قراني سأعقده على الوصال المتقطع، لعمري لن أفعل بعد الان لفرط الفجيعة العشقية التي آلمت بسخاء، لأستيقظ على آمالٍ تنصهر في محرقة العواطف أو العواصف الليلية، سأستدعي النسيان ساعات الحنين، ساعات الفرح الكبير والحزن الكبير، وعندما يجتمعا معا، عندما تهاجمني الأحلام النسائية في ليلة يقِظةٍ شديدة السواد، كهذه..


ما عدت أطيق طَرْقَ الذاكرة ووجهك عصي على النسيان، ارحل، غادر، هون علي صفعة القدر، فأجراس الانكسار ههنا تبلل المقل، أشبهها بآخر زفرة بني الأحمر وهم يودعون جوهرة المدائن.
فتوقف سيدي، أوقف المجزرة الان، لا العقل يحتمل ولا القلب عاد فيه صبر على سلطة إنسان.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More