‏إظهار الرسائل ذات التسميات من الأندلس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من الأندلس. إظهار كافة الرسائل

02 يونيو 2013

بلنسية وأحزاني..

21 تعليق


يا أندلس جئتك وما في قلبي طرب
افتحي ذراعيك فقد هدني التعبُ
لا الزغاريد ولا الحناء..
ولا ارتكاب الشِّعر..
ولا دق الدفوف..
ولا بطاقات السياحة تجذبُ..
لا أزرق السماء والبحر..
ولا غواية السُّمر..
ولا بساتين النارنج أشتهي ولا عنبُ..

أيا أندلس عذرا جئتك باكيةً
وأنت مذبوحةٌ..
لا جيادٌ ولا سيوفٌ ولا وترُ..
وجعك عند أسوار المدينة يجره وجع
يفيض معينك ولا في العلياء مطر ولا سحبُ

اغتسلي بدمعي حين ينشق في الصدر قمر
وارسمي على جبيني أحلاما ملونة
ليهدأ على حافة الروح الصخبُ
يا أندلس أشكوك السواد الذي يمشي ملكاً..
وعينان في حجريهما لؤلؤ يلمع..
يا بلنسية دعي أبواب خاناتك مشرعةً
ووسعي ضفاف المتوسطِ..
على أرض شاطبة..
لينطفأ في صدري اللهبُ
 

13 نوفمبر 2012

مالقة.. تاريخ ينام فوق التلال

17 تعليق


في ساحل الشمس، وعلى منحدر شديد الميل، تسري رعشة في جسد الليل، يقصر كل شيء وتطول الحكاية، أموت صمتا في لحظة منكسة الرأس، وينفتح جرح آخر، أغمض عيني لكي لا أرى شيئا، وأصدق أنني فاصلة في سطر عابر.. 

أسحب باستماتة رغبتي المحمومة في استحضار التفاصيل التي اقتادتني حتى هنا.. إلى هذا الحلم الذي أحبه.. ويوجعني ..

لست أدري ما الذي سحبني نحو المحيط، حيث الشمس رائقة في عز الخريف، دفنت قرصها في منتصف بحر عاتٍ معاند، والنسمات محملة برياحه الخفيفة، تحاول في طريقها أن تكنس أحزاني الضامرة..
هل ستمسح وجعي وتنقل إلي صوت البحارة وهم يحملون الفخار المالقي المذهب والزجاج الملون إلى أقاصي البلاد؟.. يالهذا البحر، لا تقبل أعاليه بأنصاف الحلول، ولغته  لا يفهمها إلا الحالمون..

في لحظة شرود مسروقة من زمن مضى، كنت  أتنقل بين القيساريات والأسواق والقلاع والقصاب والقناطر، أتوه بين الحارات والساحات العامة، أمر بمسجد العطارين وأبحث عن البلاطات الخمس في مسجد الأمير بن عبد الرحمن، بدت لي حصون القصبة وترهلت أمام ناظري أبراجها، ظل قصر باديس يروي حكاية لم تنتهي، ترمم حزنه أشجار النارنج البديعة والنخيل السامقات ونوافير الماء وبساتين التين.. وظلت بقايا دار الصناعة منذ بني الأحمر تحيي عهدا انقضى وواقعا لم يمت..

وقفت قبالة سور المدينة أعد ما تبقى من أبوابه الخمسة، أقيس بالعين أعمار الدروب ورجالا ونساء توقفوا هنا، أرقب المارة الغادين والرائحين والنوافذ والأبواب والأرصفة، ويحمر وجهي حين يتسرب إلي الحنين ورغبة جارفة 
في توقيف عقارب الزمن، لأرى الصبية يملؤون الحارات ورائحة الشاي تنضح في الأقداح بدل البيرة الرديئة..
أما ما بين "القصبة" و "رملة" فيمتد وجع كبير، ونبع كانت تجود به المرتفعات المجاورة منذ ألف عام.. جف النبع، وبقي الجرح غائرا..

مشيت، لم أكن أعرف أين أتجه، ولا ما ذاك الشيء الملتبس الذي بداخلي، يشبه طعم الحب ولون الرماد، كنت أنصت لنداءاتي الداخلية، لعنف التاريخ وسيول الأسئلة المثقلة بالغبار..

كيف أنسى وكيف أتذكر، توهج الليل وهجرة الألوان وأكذوبة الذكرى والوجوه المحتشدة بالفراغ، دموع الغيم ونبات الأرض، حقول السنابل وجذوع الشجر،  وذاك المساء البعيد، قبل أن يخطفه البرق ويمضي في خطى مغتربة.. أنفض الغبار عن قلبي وأفتحه على الحياة دون أن أبكي، دون أن أنشد أغنية الوداع ..

24 مايو 2012

ذاكرة أندلسية ( قرطبة )

21 تعليق


الأزقة ضيقة والدروب خاوية، لا لون للسماء، الغيمات مجعدة، الشرفات مغلقة والستائر مسدولة، أرنو إلى البيت الذي خلا من سكانه، أزهار صفراء يابسة تنظر إلي، أتفاداها، الصحن الوسطي جف منه النبع، والغرف التي تلتف حوله جفت منها الحياة..لا أسمع صوتا، لا أسمع صوتي، أتساءل عما يدور ببال الصمت..
يجيبني الصدى: إنه جيش مهزوم عائد من معركة خاسرة، يجمع أشلاء الخيبات في سكون الظهيرة على أنقاض مدينة الزهراء..أنتِ تبعدين بثلاثين كيلومترِ خيبةٍ عن قرطبة..

أمشي، الساحة خالية والمشهد ذاته، سكون رهيب، وأنا أكره الهزيمة، سأبحث عن شيء في اللاشيء..
مهلا أيها الانتظار، أَرْهِفِ السمع، شيء ما يأتي من عتبة دار المدنيات، إنه لحن زرياب يخرج من أسوار المدينة الخالدة..
تنفجر الموسيقى من بين أصابعه وموشحات لا عهد لي بها، رذاذ حنون يسقط فوق جبيني، أرتشفه، تسوقني الريح ويذوب اللحن الأندلسي في دمي..

أعبر قنطرة الوادي الكبير إلى ضفة جامع قرطبة، تحملني النسمات إلى الداخل على غير هدىً، يبتعد نظري إلى حيث أجدادي الموتى، أسير بين الأروقة، أنظر إلى قباب المسجد وأقواس الآجر الأحمر وقطع الحجارة الصفراء والفسيفساء والسقف والأعمدة والجدران المنقوشة باسم الله،  تلك اللحظات عصية على الإدراك، تنتهي بغلبة الشوق على القلب..
أضع وشاحي على رأسي وأصلي، تفاجئني عواطفي..شرسة، قلقة، غامضة، قنوعة، خائفة، راضية..
أتأبط ذاكرتي كيلا تقع، أبحث لنفسي عن مكان في فناء المسجد المغروس بالأشجار، تطير حولي الحمامات، أرقبها وهي تبحث عن شربة ماء من سقايات الجامع ونوافيره، أوجه بصري نحو المئذنة، أعود إلى عصر الخلفاء الأمويين، أستحضر أولئك الذين تركوا بعضا منهم.. ورحلوا.. 

أغادر وتبقى دمعتي عالقة هناك..

صفير الريح الهادئ يكنس الغبار عن وجه العابرين، وجوه شقراء باردة، لا تشبهني، متسارعة الخطى، تنظر إلى هذه الغريبة.. أي ريح حملتها إلى مكان لم يبقى من وجودها فيه سوى الأثر؟ ..
جرح ضخم ومفتوح كان ينزف وقتئد، وأنا أبدو ككائنة غريبة حكم عليها بالطرد قبل خمسمائة وعشرين عام، تمتمت بشبه كلام لم أفهمه، عيوني زائغة وحماسي غائب، لبستني حيرة لم أعتدها، وكأنني أركب سفينة المنافي مكلومة منكسرة، أستعد للموت البطيء داخل سفن الترحيل .. 

مر الزمن بطيئا، وأنا أبحث عن قصر الإمارة، وعن أحواض الرخام وصهاريج المياه العذبة التي جادت بها جبال قرطبة، عن أشجار الصنوبر الحلبي  ونوار الشمس وشجيرات الشام وحدائق قصر الرصافة، عن مسك الليل وأشجار الزيتون والكروم، عن الأسواق والحوانيت والحمامات.. وعن بقايا الأمير عبد الرحمن..
انهالت علي الأمطار، تضرب وجهي، تحجب عني الرؤيا، حبيبات الثلج الصغيرة تتساقط فوق جبيني، ولا أشعر وأنا مندسة تحت شجرة البرتقال الكبيرة، إلا بوخز في قلبي..

مرت علي لحظة غريبة، لم أعرف كيف أفسرها، كانت قرطبة الكون، وكنت لاشيء، وكل شيء.. عمت مسحة من الأسى ملامحي، نفضتها.. ومضيت..

08 مارس 2012

ذاكرة أندلسية ( إشبيلية )

18 تعليق


في إشبيلية..
أرى برق القصيدة
يسير في السماء
فوق الحارات القديمة
وفي حصى كْوَدَالْكِيفِيرْ
يزحف الوجع إلى جسدي
على ما تبقى من فتات الرحيل
ينقر العصفور بقايا سنبلة في يدي
ويعيدني إلى ظلي..
خلف سياج الحرير


في إشبيلية.. 
يتحدث العود مع الخيول الأندلسية
وتطير الحمامات فوق الْجِيرَالْدَا
وحول القلاع وبين الغرباء
تضيء أجنحتها جرحي القديم
وتجعل موتي أطول
وأنا أفتش عن تفاحات المنصور الذهبية
فوق المئذنة..
وأصغي لحنين الناي
يعزفه عابر إسباني في قصر لَلْكَازَارْ


في إشبيلية..
تدق نواقيس الجامع الكبير
وتمتد أشجار البرتقال
إلى سوق الخياطين والعطارين والصباغين
وأرى رذاذ الليمون
ينثره بنو مرين في الهواء
أرى سلاطين المغرب ومراكش الحمراء
وعصفورة تنام وحيدة أعلى برج الذهب
ونخلة تسند الزمان على سور الْماكَرِينَا
تقاهر العصور..
لتحمينا من فِرْدِينَانْدْ القادم من لامكان..
 

10 مارس 2011

عين على التاريخ (غرناطة - Granada)

31 تعليق




خصصت الجزء الأخير من الرباعية الأندلسية لغرناطة، جوهرة المدائن في القرن العاشر الميلادي، كانت في بداية الفتح الإسلامي قرية صغيرة لم يعرها المسلمون اهتماما لوجود مدينة البيرة بالقرب منها، لكنها صارت تنمو وتتوسع بعدما سقطت الخلافة في قرطبة، وأحرق البربر مدينة البيرة واستولوا عليها، مما دفع سكانها للانتقال إلى غرناطة، وصار اسمها يسيطر تدريجيا إلى أن حل محل البيرة..



كانت غرناطة تقع على الضفة اليمنى لنهر شنيل، وتخترق نهر حدرة، ويطل عليها من الشرق والغرب جبل شلير، أو ما عرف بجبل الثلج، الذي لم تكن تفارقه الثلوج صيفا وشتاء، كان لكل هذه العوامل الطبيعية أثر في ازدهار المدينة وإحاطتها بالحدائق والبساتين..
اتخد زاوي بن زيري عام 1013م غرناطة عاصمة له، ومدَّنها حبوس الصنهاجي، وحصن قلاعها وأسوارها وبنى قصبتها العظيمة، ثم خلفه ابنه باديس الذي ازدهرت في عهده المدينة وعمرت، هذا قبل أن تسقط مرة أخرى من أيدي بربر صنهاجة ويستحوذ عليها المرابطون عام 1089م..



توالت الأحداث وتقلد محمد بن يوسف بن نصر الحكم، وضم غرناطة ليجعلها مملكة له، بيد أن الأندلس الإسلامية أنذاك بدأت تتهاوى وتتساقط مدينة تلو الأخرى تحت سيطرة الزحف القشتالي، الشيء الذي جعل آمال الأندلسيين تعقد عليها، فصارت أنذاك معقل المسلمين الذين نزحوا من المدن المجاورة، فضمت بذلك مجموعة هائلة من العلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء، في علم الجراحة والحساب والهندسة والفلسفة وغيرها..
وقد بلغت غرناطة عصرها الذهبي في عهد أبي الحجاج يوسف الأول، فأقيمت أول نواة لقصر الحمراء، وشيدت الأبراج ونهض فن الزخرفة..




ظلت مملكة غرناطة صامدة تحارب  في عهد ملوك بني الأحمر، وتدرء الهجومات مدة قرنين، خلفت فيهما آثارا ضخمة منها قصر الحمراء، معقل غرناطة الهام، الذي يعتبر بمثابة متحف الحضارة الإسلامية الأندلسية التي لخصت فنا معماريا منقطع النظير، وقصر جنة العريف ومئذنة جامع التوابين، ومسجد البيازين وغيرهم..


هذا إلى أن سقطت آخر معاقل بني الأحمر في أيدي الإسبان عام 1492م، وخرج آخر ملوكهم أبو عبد الله منها، وتم إجلاؤهم عن الأندلس جميعها حيث نزح أغلبهم في اتجاه المغرب العربي..



ليبقى المكان الذي ألقى منه أبو عبد الله نظرته الأخيرة على غرناطة معروفا باسم ( زفرة العربي الأخيرة-El último suspiro del moro)..حيث تأمل غرناطة صامتا، ثم بكى ونظرت إليه أمه عائشة الحرة، والتي حفظ لها إلى الان الإسبان باحترام وتقدير كبيرين وألفوا حولها القصص والأساطير لما لعبته من دور لإنقاذ عرش غرناطة في مناسبات عدة بحكمتها، كما أنهم احتفظوا بمنزلها بحي البيازين الشهير، والمعروف اليوم بدار الحرة..
نظرت إلى ابنها عبد الله وقالت له..ابك كالنساء ملكا ضائعا لم تحافظ عليه مثل الرجال..

05 مارس 2011

عين على التاريخ..(طليطلة - Toledo )

34 تعليق


لنكمل سرد الرواية الجميلة، والحزينة...إنه عام 712م، والمكان قرب نهر وادي لكة، الذي تدور حوله المعركة التي سميت فيما بعد باسم النهر، وجيوش طارق بن زياد وهو قائدا تحقق انتصارا ساحقا على القوط (قبائل جرمانية شرقية حكموا الأندلس ثلاثة قرون حتى أوائل القرن السادس ميلادي)..


وهاهوذا شأن طليطلة يعلو في العهد الإسلامي، وتفوقها السياسي يبسط نفوده على كافة بلاد الأندلس، كما ساهم موقعها الاستراتيجي على نهر تاجة في أهميتها.
كانت قنطرة المدينة أبرز معالم الحضارة أنذاك، قبل أن يهدمها الأمير محمد عبد الرحمن حين ثار السكان عليه، ويعاد تجديدها في عهد العامريين..



عرفت المدينة ثورات عدة، لرغبة السكان في الانفصال عن سلطان قرطبة، ثم هدأت الأوضاع بقدوم عبد الرحمن الناصر، حيث ازدهرت العمارة والمنشآت، ومن أهمها المسجد المعروف بباب المردوم والذي تحول الان إلى كنيسة تسمى نور المسيح.



استقلت أسرة بنو ذي النون في طليطلة، وهم من البربر الذين كانوا في خدمة المنصور بن أبي عامر، وقد وضعوا عبد الرحمن بن ذي النون وليا عليها بعد خلع عبد الملك بن متيوه .

تعاقبت فترات الحكم وتولى أحد أحفاد عبد الملك وهو القادر بالله يحيى الحكم، الذي ثار عليه أهل طليطلة لقتله أبي بكر الحديدي شيخ المدينة وأحد أعيانها، وبعد أن تم طرده استعان بألفونسو السادس ملك قشتالة لاسترجاع ملكه، قبل أن يحكم عليه الأخير القبضة ويفرض الحصار على طليطلة لتسقط في عام 1084م، وتصير عاصمة مملكة قشتالة المسيحية.

أما عن أبرز ما عرف به عهد بني ذي النون، فهو نبوغ علماء الفلك والرياضيات وصناعة الأسلحة والأصطرلابات، وعن المدينة، فقد كان يتوسطها الجامع الكبير، على مقربة منه يقع سوق الدواب، وتكونت المدينة من حومات ودروب توسطتها حارة الصباغين، وحارة البئرالمرّ، الذي وجد بداخلها حمام عرف باسم حمام يعيش، فضلا عن أسواق أخرى كثيرة ومساجد أقيمت في فترات متفرقة..


 النبذة المقبلة ستكون عن غرناطة، أو الأندلس الصغرى كما كانت تسمى، مدينة تخطف مني تنهيدة كلما وقفت على أطلالها..

13 فبراير 2011

عين على التاريخ..(إشبيلية - Sevilla )

15 تعليق


كما اتُّفق، الجزء الثاني من هذا القسم سأخصصه لإشبيلية، أو سيفييا بالإسبانية، المدينة التي استوطنها العرب بعدما حاصروها شهورا عديدة لحصانة أسوارها، قبل أن يختارها موسى بن نصير حاضرة للأندلس، لموقعها الاستراتيجي وسهولة اتصالها بالمغرب، قاعدة الجيوش الإسلامية.




لم تضم إشبيلية الكثير من العرب، جراء نزوح أغلبهم إلى قرطبة العاصمة، وبقيت كما كانت عليه زمن القوطيين، إلى أن استقر فيها جند حمص عام 742م، فازداد بذلك توافد القبائل العربية عليها..واختلط خلالها المسلمون بالنصارى ليعيشوا في تسامح وإخاء مستمرين، كما اعتنق العديد من النصارى الإسلام، وسُمح لغير المسلمين بممارسة كافة شعائرهم الدينية بكل حرية، وسكنها قسم من اليهود الذين كانوا يعملون بالتجارة وقتها..



احتلت إشبيلية مركزا هاما بين المدن الأندلسية، وعلا شأنها في عهد بني أمية، حيث بنيت المنشآت العظيمة، ولعل أبرزها المسجد الجامع الذي أقامه عبد الرحمن الأوسط سنة 849م، وبنى سورا حولها وأقام دارا لصناعة السفن الحربية وذلك لدرء الغارات عن مدن وقرى الأندلس.


أعلنت إشبيلية استقلالها في عهد الأمير عبد الله بن محمد، واستبد بحكمها إبراهيم بن الحجاج، وقد اشتهر بقوته وزعامته، وبقيت خاضعة له ولبقية عائلته إلى أن جاء عبد الرحمن بن محمد أمير قرطبة وضمها إلى إمارته..


كما استفرد بها المعتمد بن عباد عام 1042م،  في عهد ملوك الطوائف، وجعلها عاصمة لبني عباد، وقد ازدهرت حينها ازدهارا كبيرا وتصدرت زعامة البلاد بعدما ضعفت قرطبة، وقد كان للمعتمد بن عباد دور رائد في الرقي الأدبي والحضاري للبلاد، حيث تفنن المهندسون في عهده بالعمارة وأقاموا المنشآت والقصور الفاتنة، قبل أن تسقط في يد المرابطين الذين قضوا على الممالك ومدن الطوائف وضموا أغلب المدن الأندلسية لحكمهم واستولوا على إشبيلية عام 1091م.



ضعف المرابطون وجاء الموحدون، الذين اختاروا إشبيلية عاصمة لهم، بعدما بايعهم أهلها، والتي بلغت ذروتها وأوج ازدهارها في عهد أبو يوسف يعقوب المنصور، الذي شيد القصور والمساجد وعمر الأسواق والمتاجر وأقام مئذنة للمسجد الجامع المعروفة اليوم بالجيرالدا، وهوالبرج الذي أمر ببناءه على أنقاض مبان رومانية قديمة، وصنع أربع تفاحات مذهبة لتكلل المئذنة بعد عودته من معركة الأرك الشهيرة عام 1195م، منتصرا على جيوش قشتالة.



كما اشتهرت المدينة بمركزها التجاري الهام نظرا لموقعها الجغرافي على مصب نهر الوادي الكبير، مما جعلها منطقة غنية بمنتوجاتها الزراعية، فضلا عن الأسواق العديدة التي كانت تحيط بالمسجد الجامع، منها سوق الخياطين والعطارين والصباغين والنجارين وغيرهم كثر..

وظلت إشبيلية تعيش عصرا ذهبيا إلى حين وفاة يعقوب المنصور، حيث حاصر بعدها الملك فرديناند الثالث المدينة، ودخلها بعد حصار دام أزيد من سنة..
ورغم محاولات سلاطين الأسرة المرينية بمراكش استرجاع إشبيلية من المسيحيين، إلا أنها لم تفلح أبدا، وبذلك انتهت حضارة عظيمة خرجت فيها المدينة نهائيا من أيدي المسلمين.


سنقف في التدوينة القادمة على أطلال طليطلة، نقرأ في صفحاتها بعضا مما تركه التاريخ لنا..فكونوا في الموعد^_^.

10 فبراير 2011

عين على التاريخ..(قرطبة - Córdoba)

26 تعليق



الأندلس..الكل يعي مدى تأثير هذه الكلمة ووقعها في نفس كل عربي مسلم، لهذا دفعني عشقي اللامحدود لها للبحث في كتب التاريخ ودراسات العلماء والمؤرخين عن نشأة هذه البلاد ومراحل تطورها وصولا إلى أفول تلك الحضارة العظيمة التي عمرت ثمانية قرون، وظلت آثارها شاهدة على عظمتها حتى الآن، والتي تأبى إلا أن تذرف دمعة وأنت واقف على أطلالها، دمعة فخر وأسى، على ماض لا يقيم..

حاولت التركيز في بحثي عن مدن أربعة كانت فاعلة بشكل أساسي ولعبت دور المحور في تراكم حضارة لم تعرفها مدن عالمية كثيرة، سأقتصر في تدوينتي الأولى على مدينة قرطبة..

قرطبة، والتي يقصد بها العدو الشديد في اللغة العربية، أما أصل الكلمة فهو إيبيري قديم مأخوذ من كلمة كوردوبا، وهو ما يشير إلى مدينة قديمة جدا.




سأتحدث عن قرطبة الإسلامية، بدأ تاريخها منذ عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام 710م، بعد أن عبر بقواته إيبيريا (الأندلس)  وقتل ملكها لذريق، وقد كانت تابعة لولاية المغرب، إلى حين أن جعلها عمر بن عبد العزيز تتبع للعاصمة الأموية بدمشق، ثم جاء السمح بن مالك الخولاني، الذي ولي الأندلس عام 719م، وأبرز الأحداث في عهده إعادة بناء السور الروماني القديم الذي هدمت جوانبه، وصارت بذلك المدينة عرضة للداخلين والخارجين، الشيء الذي دفع بابن مالك لبناءه من جديد وكذلك إعادة بناء قنطرة قرطبة بأمر من الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، والتي تعد من أهم الآثار فيها، وقد ساعد إصلاحها على توسيع المدينة، وبلغت ذروة الرخاء وأوج الثراء في عهد الخليفة عبد الرحمان الناصر وابنه الحكم المستنصر.


من أهم معالم الحضارة أنذاك، المسجد الجامع في قرطبة، لبنة التنظيم العمراني والمركز الديني الذي تحيطه باقي المراكز العمرانية، ففيه كانت تعقد الاجتماعات وتنشر البنود، إضافة إلى مكانته العلمية، حيث الطلبة يستسقون العلوم الدينية، كما كان يقع على مقربة من قصر الإمارة الذي يصله بها جسر يمر تحته الناس..
كما قام عبد الرحمان الناصر ببناء مدينة الزهراء،  الواقعة على بعد 30 كم من قرطبة، هذه المدينة الأندلسية الملكية المشهورة بعمارتها وما استخدم فيها من الذهب والرخام، والتي ازدهرت طيلة 80 عاما.



برزت في تلك الحقبة أيضاً دور قرطبة، التي كان مظهرها الخارجي يوحي بالبساطة، بينما الداخل يعج بالزخارف الفاتنة، يتوسطه فراغ مركزي يعرف بالصحن، وتتوزع حوله الغرف..هذا إضافة إلى قصور قرطبة التي كانت تنشأ خارج المدينة، ما عدا قصر الإمارة، ومن أبرزها قصر الرصافة، ويعد من أوائل القصور التي بناها الخلفاء، وقد بناه الأمير عبد الرحمان الداخل، الذي تميز بحدائقه الكثيرة ومزروعاته وأشجاره المجلوبة من الشام..



مما عُرف أيضاً عن الأندلسيين أنذاك بناء الحمامات، فقد بلغ عددها في قرطبة وحدها تسعمائة حمام، كما اشتهرت ببناء المساجد التي فاقت 1600 مسجد، والتي لم يتبقى منها اليوم سوى ثلاث مآذن هي الان أبراج كنائس..

هذا وقد كانت تعد منارة العلم والمعرفة والثقافة، وأهم الدول الأوروبية في القرن العاشر، وعاصمة الأدب، وقد ولدت هذه المدينة عظماء في شتى الميادين، منهم الشاعر ابن زيدون، والشاعرة ولادة بنت المستكفي، والعالم عباس بن فرناس، والفقيه ابن حزم، والفيلسوف العالم ابن رشد، كما انتقل إليها الموسيقي زرياب ليؤسس معهد الموسيقى في قرطبة والأول في الأندلس، والذي يطلق عليه دار المدنيات..




ظلت قرطبة تتمتع بتفوق على باقي مدن إسبانيا حقبة من الزمن، إلى حين سقوط الخلافة الأموية وفتح البربر لها عام 1010م، فهدموا الآثار وخربوا البلاد ونهبوا الخيرات، الشيء الذي جعل نجم إشبيلية يلمع عاليا، قبل أن تتخلى قرطبة عن مكانتها نهائيا بعد سقوطها بيد فرناندو عام 1436م، الذي استبدل سكانها المسلمين بآخرين من قشتالة وليون وغيرهما من مناطق إسبانيا النصرانية، كما حول المسجد الكبير إلى كنيسة كبرى لاتزال إلى الان صرحا تاريخيا يشهد عظمة حضارة أفلت..



هنا بإيجاز أبرز ما مرت به قرطبة الأندلسية العريقة، بيد أن تاريخها مكتظ بالأحداث والوقائع التي تستحق سبر أغوارها والاستمتاع بعظمة حضارتها..
إلى نبذة قادمة عن إشبيلية..دمتم في أمان الله ^_^ .

21 نوفمبر 2010

لحظة الذكرى

35 تعليق

تذكرت، وأنا واقفة في هذا المكان، عمر تلك الحضارة التي لا تقيم، تلك القرون الثمانية التي حمل فيها عرب الأندلس شعلة التقدم الفكري والعمراني والثقافي والعلمي.
نظرة  عميقة، لم أسترجعها إلا مبللة بدمعة حارة، ترثي مجدكم الغابر يا عرب الأندلس، ذلك المجد الذي دنس أنفه بالرغام، بعد سقوط اخر معاقل بني الأحمر غرناطة وإجلائهم عنها جميعا بعد ذلك..

وقفت صامتة، أمام بقايا تلك المعالم التاريخية، قصر الحمراء بغرناطة الفاتنة، أعظم قصور العالم، وأكبر الاثار الشاهدة على الحضارة الإسلامية الأندلسية.

وهاأنذا، أستحضر ما قرأته في كتب التاريخ، عن هذه البلاد العجيبة، منذ دخلها طارق بن زياد فاتحا أول مرة، مبحرا من ميناء طنجة، في الخامس من رجب سنة ٩٢ هجرية، وحتى اخر يوم خرج فيه أبو عبد الله، اخر ملوك بني الأحمر مسلما مفاتيح المدينة لفرناندو الرابع الكاثوليكي، ومحو ثمانمائة سنة من الحكم العربي في الأندلس .

ولازلت أبحث هنا، عن بستان غرناطة العظيم جنة العريف بقصوره ومنازهه الكثيرة، وعن نهر شنيل، وجبل عين الدمع، وجبل الثلج الذي لم يكن يفارقه الثلج صيفا وشتاء، وعن مسجد البيازين، وجامع التوابين... ما الذي تبقى من كل هذا، غير تنهيدة تعتصر حسرة وألما..

جففت الدمعة، ونبذت الشعور بالمرارة، فيكفينا فخرا، أن العرب الفاتحين، سابقوا الزمن في صنع حضارة عظيمة، وقدموا للبشرية أجمع علومهم وفكرهم وترجماتهم، ولازالت إلى الان اثار صنعهم بادية للعيان في جل مدن إسبانيا الحالية..فهلا استفاد عرب اليوم، بعد مضي مئات السنين على سقوط الأندلس، واعتبروا من ذلك، وسعوا إلى النهوض بحضارتهم من جديد، بدل التخلف المذقع، وهم يلوكون الماضي، ويتشبتون بذيل الغرب وهو يقفز بحضارته أميالا كل يوم .



11 أكتوبر 2010

العهد الثائر

8 تعليق

 وسط  أفكاري المزدحمة، تراني أعبر الأزمنة، وكأني أخلد ذكرى يومية لعهد كان فيه الحب زاهرا.. وأسو د الحمى على أبواب القلاع تزأر.. أسود بشرية، أتلذذ بنحتها على حائط مخيلتي، فيكون لوقعها التأثير الأكبر على قلب ضاق بعيشة الحاضر.. 


كيف أستغني عن هذا الحلم، وهو مراودي منذ الأزل، لا يكاد يفارقني هنيهة، ينقلني على بساط حريري إلى زمن كان فيه الإحساس جميلا، والشعر جميلا، حتى الموت جميلا.. 
أعانق ما حفظته جعبتي، تتجدر فيّ الرغبة من جديد، ليستمر الحلم، تحركه طاقة خفية، تقودني بخطى ثابتة، لتستسلم له هواجسي.. 
تقصر المسافة، وأنا في طريقي لعصر النبلاء... هنا الخيل الأصيلة، السيوف اللامعة، هنا البيداء، هنا الفتوحات والانتصارات، هنا تصنع الحضارة، تحمل شعلة العقيدة، هنا الحياة للدين، للعلم، للعقل، للأدب، للغة، للفن، والموشحات..

هنا نبغ أبو القاسم الزهراوي في علم الجراحة، وأتقن ابن السمح الغرناطي الحساب والهندسة، وبرع ابن باجة في صناعة الطب وعلم الهيئة، هنا ولد ابن رشد، ابن قرطبة الجميلة، آخر فلاسفة العالم الإسلامي وأكبر فلاسفة العالم، على هذه الأرض الطيبة، ترعرع الحكيم العالم الأجلُّ، ابن البيطار المالقي، عالم النبات، الطبيب والصيدلي والعشاب البارع...ولازال حلمي تغذيه أسماء العباقرة ممن اكتسحوا ساحة المجد.. 


جادك الغيث إذا الغيث هما ** يا زمان الوصل في الأندلـــــــــس
لم يكف وصلك إلا حلمــــــا  **  في الكرى أو خلسة المختلس


ما أعظمك يا لسان الدين ابن الخطيب، وأمثالك من ابن زيدون، و ابن زهر، و المعتمد بن عباد..أنتم أكثر من العد والحصر، ظلت أشعاركم وموشحاتكم تسكن الفؤاد جهرا إلى الآن.. 
قوم تأصلت فيهم صفات الرجولة، تركوا ورائهم مجدا وبطولة، ماتوا زمن كان الموت شجاعة وفحولة.. 



لقد ولى..فلم أعد أجد منبتا للقلوب المشرقة، للفحات الحب المحرقة، لنيران الثورة المتأججة، للانتصارات الخارقة.. تكبر في الرغبة..ولا وسيلة لإشباعها، غير الوقوف على أطلالهم، مرتين كل عام، صور، وقلم أناجيه، أتركه بين ممرات التاريخ، تائها، يعاتب الحلم..لما لم تتحقق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More