23 ديسمبر 2011

بعيون العدسة

25 تعليق

 قد لا تكون أجمل الصور، لكنها الأقرب إلي، لكل واحدة قصتها ودلالاتها، وبما أن السنة الحالية تهم بالانصراف، أردت تدوينة تجمع أقرب صور عام ٢٠١١ إلى قلبي، والتي التقطتها عدستي في أماكن مختلفة .


أستهل ببلدي المغرب، بمدينتي، أنظر إلى هذه الصورة فتسحرني عراقتها وعزتها وشموخها، هنا تاريخ أجدادي، هنا امتداد أصلي، عائلتي، أحبتي، دنياي، محياي ومماتي..هنا الحب الذي أزرعه في أطفالي، على أسوارها المجد يعلو علما أحمر، أحبها رغم زلاتها وتناقضاتها، أحبها بخيرها وشرها..لأننا حين نحب.. نغفر بسخاء .


أما هنا فموطن ثان، لا أستطيع أن أكون جاحدة في حقه، وإلا سأمارس الخيانة في وجه الحقيقة، منحتني باريس الكثير، وربما أكثر مما كنت أشتهي .. رغم مرارة الشوق ولسعة الغربة أحيانا ..
على ضفاف السين، وعلى جسر ألما بالضبط، أقف لأستريح كلما تبعثرت أفكاري، يمارس في هذا النهر الإغواء بجميع أساليبة، وأستسلم له طوعا كلما تملكني القنوط .


نظارة وكتاب..هذا كل ما يلزمني لأعيش لحظات خارج الزمان والمكان، وكأن الكتاب ثالث أطفالي، أعشقه حد الدهشة، حميمية تربطنا منذ أمد بعيد جدا، منذ أول قصتين  اشتراهما لي أبي.. ( الأميرة سنوهويت )  و ( الفارس الشجاع ).


من صالون التصوير الذي أقيم بباريس هذا العام، محطة مع العدسة، وسيلة تعبير كما الرسم والكتابة، صورة ثابتة صامتة، صمتها يقول الكثير ويختزن من المعاني ما تعجز عن ترجمته الأحرف..عالم الصورة الرقمي يضمن الانبهار على أعلى مستوياته، مهما تطورت التكنولوجيا الحديثة، وأساليب الإبداع، تظل الصورة الثابتة محل إبهار .


أما هنا فدهشة الطفولة وابتسامة الصبا وصفاء السريرة ونقاوة القلب..ما إن أتطلع إلى طفل حتى يهدأ البال لاشعوريا ويعاودني الحنين إلى ضفائري وعرائسي وألواني وأوراقي البيضاء المبعثرة..الأطفال نعمة من الله كبيرة..
الطفلة في الصورة روسية كانت تقضي إجازتها رفقة والديها بغابات كيمبرفينين الهولندية..كنت أصادفها كل يوم بروحها المرحة، استفزتني براءتها فالتقطت لها صورة ..


الخيول ثقافة عربية بامتياز..ما إن ألمحها حتى يتسلل إلى قلبي ذبيب شوق جامح، وحنين إلى العصور الذهبية، إلى عصر الشموخ، وعصر الفتوحات، تمر بخاطري الأندلس، كنسمة ترتعش لها أوصالي..بناياتها، أزقتها، دورها، أسوارها، بقايا المساجد والماذن، كل الأماكن التي مررت بها..
رغم أن الفرس في الصورة من هولندا، إلا أنه حملني ساعة توقفت قبالته في رحلة إلى بلاد العرب..


في الصورة هذه سويسريون يمارسون عادة الغرب التي لا تبلى، ثلاثة لا يعرفون بعضهم، جمعهم نفس المكان، ووحدهم كتاب لم تمنع برودة الطقس ولا تساقط أوراق الشجر لحظات المتعة رفقته..
حز في نفسي هذا المنظر، وقفت عن بعد أمعن النظر، أتفكر في ساعات قراءاتهم الطويلة ودقائق أمتنا الخجولة..


من أمام مقر الأمم المتحدة بجنيف، نصب هذا التمثال، للمهاتما غاندي..الرجل الأسطورة، المحارب السلمي وداعية اللاعنف، أراه فأتذكر كل ما قرأته عنه، حكمته وأقواله وسيرته وحياته ومماته..قليلون هم الذين تتحدث عنهم أفعالهم ..


استوقفني هذا الجسر..جسر ريالطو بفنيسيا..في شباط الماضي، يحمل ذكريات كثيرة، ربما حملته ما لا يطيق، لكنه أصغى إلي..مؤكد أنه يعرف حميميتي مع الجسور..لن أقول عنه أكثر، قد تقولون عني مهلوسة :)..


هنا فقط تحية لمضربي ول( فريديريك ) مدربي، أزداد قناعة يوما عن يوم بتعلقي بهذه الرياضة وحبي لها، شغف يجمعني بها منذ زمن، ويسعدني أكثر أنني مررت هذا الشغف لاشعوريا لصغيرتي، تسير في هذا الدرب بخطى ثابتة..
من يدري، ربما بعد سنوات أجدها ندا لي :)

كانت هذه المجموعة محط اهتمامي لهذا العام، أو بالأحرى أبرز ما استوقفني..هكذا رأتها عيون كاميرتي، باقة أخرى على الفليكر الخاص بي قد تقول ما نسيته...

محبتي لكم

16 ديسمبر 2011

مكتبتي لعام ٢٠١١

37 تعليق


حبذت في هذه التدوينة، كما العام المنصرم، القيام بجردٍ لأبرز الكتب التي قرأت، وتروقني مشاركتكم إياها..
استحسنت جلها تقريبا، عدا كتابا أو كتابين أشعراني ببعض الضجر، يعزى ذلك ربما لتطلبي الشديد واشتراطي عنصر الإبهار عند طي الصفحة الأخيرة..

لن أقف بإسهاب عند جميعها، لئلا أطيل عليكم، لكنني سأتوقف عند أبرزها.


كتابٌ حقق لي عنصر الإبهار، وأسميه كتاب السنة لدي، إنها رواية العملاق الفلسطيني مريد البرغوثي ( رأيت رام الله )، التي حازت على جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي عام ١٩٩٧، وترجمت لأكثر من ثمان لغات لأهمية الكتاب وجماليته، ولأنني أعي جيدا أن ما سأقوله لن يوفيه حقه، سأقترض فقرة لإدوارد سعيد من مقدمة الكتاب قال فيها " هذا النص المحكم، المشحون بغنائية مكثفة، الذي يروي قصة العودة بعد سنوات النفي الطويلة إلى رام الله في الضفة الغربية في سبتمبر ١٩٩٦ هو واحد من أرفع أشكال كتابة التجربة الوجودية للشتات الفلسطيني التي نمتلكها الان". 
ناذرا ما أذرف دمعة عند نهاية كتاب، فعلتها بعد هذه الرواية..


كان لدكتور الفكر والفلسفة المغربي الكبير محمد عابد الجابري حيز مهم من قراءاتي هذا العام، قرأت أجزاءه الأربعة في نقد العقل العربي، بدءا ب ( تكوين العقل العربي ) ثم ( بنية العقل العربي ) الذي شمل دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، وبعده الجزء الثالث ( العقل السياسي العربي )، ويليه الجزء الرابع بعنوان ( العقل الأخلاقي العربي ) الذي شمل دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية...
لا يحتاج هذا المفكر أن أقول أن فقدانه كان خسارة كبيرة للفكر العربي برمته..


قرأت أحلام مستغانمي في نمط آخر من الكتابة، في مجموعة مقالاتها التي جمعتها على مدى عشر سنوات في زاويتها الأسبوعبة من مجلة زهرة الخليج، وصدرت في كتاب بعنوان ( قلوبهم معنا وقنابلهم علينا )، هذا الكتاب الذي تحدث عن حرب العراق وبوش بالأخص ونقد السياسة الأمريكية بسخرية لاذعة تحمل كما من المرارة..شيقة القراءة بين دفتي الكتاب رغم الحقائق المفجعة.


روايتين ومجموعتين قصصيتين، كانتا من نصيب الكاتب المصري بهاء طاهر، حيث قرأت  له ( الحب في المنفى )، هذه الرواية التي قالت عنها اعتدال عثمان: "اتسعت الرؤية في الحب في المنفى لتشمل الذات والوطن والعالم بشماله وجنوبه وبلغت خبرة الكتابة أوج نضجها"..والتي حصلت على جائزة أفضل رواية عام ١٩٩٥، كما قرأت له رواية (خالتي صفية والدير)، ومجموعتيه القصصيتين ( بالأمس حلمت بك ) وكذلك ( أنا الملك جئت )..


كان لي موعد مع أغاتا كريستي في روايتها ( في النهاية يأتي الموت ) والتي دارت أحداثها في مصر قبل أربعة آلاف عام، حيث تتفجر مشاعر أسرةٍ بقدوم زوجة أب جديدة ويبدأ الحقد والقتل..

بعض من الشعر، في كتاب ( أي ذاكرة تكفيك ) لثريا ماجدولين..فعلى حافة الشعر نستكين قبل أن نكمل المشوار..

قرأت كذلك لحنا مينا روايته ( البحر والسفينة وهي )..والتي دارت أحداثها في سفينة انطلقت من لبنان في رحلة طويلة تتضارب مشاعر ركابها وتتسارع الأحداث فيها، بطلها بدر الزرقا، ذلك القبطان السابق، وغيداء، سيدة أحلامه التي ما نسيها يوما إلى أن جمعهما القدر بعد سنوات طويلة..

رواية ( الحي اللاتيني ) لسهيل إدريس، جعلتني أعي مدى الصراع القائم بين الشرق والغرب، والذي اختزلته الرواية في الصراع ما بين بيروت وباريس، انطلاقا من تجربة المرأة، وفي صورة شباب أقاموا بباريس لمتابعة الدراسات العليا، وصولا  إلى مفارقات الدين والأخلاق والتقاليد، بين الشرق وأخلاقه ومدى صموده والغرب ونزعته الاستعمارية وتحرره..


من الكتب الفرنسية لهذا العام، قرأت (dans l'ombre de la reine)، الذي يتحدث فيه لطفي بن شرودة، خادم ليلى الطرابلسي عن حياته في القصر وأسراره، وعن كم العجائب التي كانت تحدث بعيدا عن الأنظار، كانت مخيفة فعلا تلك الاعترافات..

تمثيلية (السيد) لبيير كورناي، أظن معظمكم لديه نظرة عنها، تلك المسرحية الفرنسية التي أجمع النقاد والدارسون على اعتبارها فاتحة العصر الذهبي في تاريخ المسرح الفرنسي، هكذا تقول مقدمة الكتاب، وهكذا سيقول كل من اطلع عليها، قرأت عنها كثيرا، وهذه المرة أسهبت في ذلك بسخاء..


أما لأمين معلوف فقد قرأت : le périple de baldassare , adriana mater, léon l'africain, l'amour de loin



كانت لي قراءات إلكترونية أيضا، رغم أن المكتبة العربية على الآيباد لم ترتقي بعد إلى المستوى المطلوب، فالأخطاء الإملائية كثيرة والنصوص مبثورة، والأفكار مقتضبة.. لكن هذا لا ينفي جودة بعض الإضافات كديوان الأخطل وديوان جميل بثينة وديوان توفيق زياد وكذا كتاب كارل ماركس حول المسألة اليهودية، كما أعدت قراءة (كفاحي) لأدولف هتلر و (حرب العصابات) لأرنستو تشي غيفارا..


تفصلني الان بضع صفحات على إنهاء كتاب l'art français de la guerre، لأليكسي جيني، أستاذ علم الأحياء بليون، الذي حصل كتابه هذا مؤخرا على جائزة الغونكور الأدبية الفرنسية المرموقة  للعام ٢٠١١، والتي  تدور أحداثه بين  الهند الصينية والجزائر وتبحث في الحروب الاستعمارية وتتساءل عن  التراث الحربي الكولونيالي، هذه الرواية ترصد بشاعة الحرب وعبقرية  الفرنسيين وتفننهم في خوض الحروب..

هذا كل ما يحضرني الآن أيها الأحبة، أتمنى أن أكون قد وفقت في تسليط الضوء على بعض الكتب التي آراها غنية فعلا، زاخرة بالإفادة ، ومنهلا خصبا لمحبي المعرفة..

إلى جرد آخر العام المقبل إن بقي في الروح حياة..قراءة ممتعة للجميع  ^__^

12 ديسمبر 2011

شذرات ( ١ )

10 تعليق

أعود من سفرٍ إلى ذاكرة الطفولة
يوم من خريف باريس
ربيع جديد تخلقه سيدة الأساطير
وهي تلملم براعم أشجاري الميتة..
كم أتمنى بقائي على أرضك يا طيبة العينين
فتكوني ظل الأناشيد
وحاجز الخطيئة وزهرة الجسد
في ليل عرس أنت فيه كل نساء القبيلة
أنت فيه حبق حتى الصباح.. 
أحتاجكِ لأعود إلى نفسي..
أحتاجكِ لتعود إلي نفسي..



                 **********


من شتاء فينيسيا
وعاد الشتاء..
والجرار مملوءة بغيم السماء
من حبة المطر يبزغ فجر جديد
يغالبُ النعاس أحلامنا
وأصواتنا نائمة في قطن المساء
نسرو رويدا فوق الهواء
نسمع أصوات اليمام
نهديه حبة قمح..ثم نعود..
لنتواطئ مع كنزة الصوف والدفاتر..
وتعود الفراشات، تحط على أكتافنا..
نتبادل وإياها..أسماءً بللها المطر..



                 **********


من غابات كيمبيرفنين الهولندية
جئت أبحث عن تفاصيل الحلم
العالق في الطريق
ما بين الخريف والشتاء
ضاعت التفاصيل
بين العصافير المهاجرة تحت الثياب
ولفحة البرود..والغبار..ورائحة البخور
على أجساد الأحياء
أستحضر زرقة المكان
رسائلكَ وأجراسي
انهياراتك وخيباتي
وقبلة الجببن على مرأى  النسيان



                   *********



فجر من جزر الباليار الإسبانية
عيناكَ النائمتان
بين خطوط الفجر الأولى
وخطوط اليدين
تضيعان بين راحتيَّ
حين ينتفض ريش البلابل
ويحترق شجر ديسمبر في دمي
وأجلس في العراء
أرسم شكل الفرح المتطاير كالمفاجآت
أرسل أغنية إلى السنابل
تحملها الريح  الشمالية
قبل أن يأتي جنود المساء
وتتكوم الغيمات المغتربة
ويختفي ظلك خلف خطوات الليل 


04 ديسمبر 2011

الفصل الأخير

15 تعليق


خذ ضوء النهار والحبور والزمن الرغيد
وهاتِ الليل والوجع والقصيدة
دعني أرسم تقاسيم وجهي
على تجاعيد النهر الغامض
أُخبره اسم وجعي
 وأسمعه بعض النشيد
فقد اتضح الطريق..نحو السماء
والحمامة هناك، تقيس الأمل المهدور
المنثور فوق ملاءة العشق المبثور
المتكئ على وسادة المساء..
يكفي أن تكون هناك..
لترحل الأشياء بعدك 
ولا تعود.. 
 
أرتب مساء النسيان
في ليل زهيد عن الحب
تلفه الأمنيات الضيقة
على رصيف الانتظار
وأعاصير الليل
تحتضر بين الشراشيف البيضاء
جنب الدقائق الأخيرة
من الهزيع الأخير..

من شرفتي..
التي ترصد غابات الصنوبر..
أرى بياض الصباح
يطلع من بين أصابعك
مسافر مثلكَ
يعبئ وردة في صدره
اقتطفها من غيم السماء
وقبلة ارتشفتَها من آخر فكرة بحلم اللقاء
لم تكن فيها وحدك
كنا معا، نصغي لهمس المدى
وهو يحدث ضجة شهية في الأرجاء
...
أما وقد صار المساء ككل مساء
يحمل كيس الخيبات واحتمالات الوداع
وتأويلات لا تقبل الانتظار
حبلى بكمائن الشوق ولون الحريق
سأكتب الفصل الأخير 
من مسرحية ماتت على أرضها القصيدة
وأساطير الحب
كل ما فيها نابض، إلا الحب

سأنشغل عنك بالرسم والبحر وشمس الصباح
وسأعود من سفري نحو السراب
أحمل حقيبة الفرح المنسي
على حدود القلب وفي نشرة المساء
وسأنشغل عن لونك الأزرق بباقي الألوان
لتعود مهجة الشعر البهيج
تنمو أزهار اللوز
وتنتصر بداخلي الكتابة

26 نوفمبر 2011

سَهَارَى فوق الغيم

21 تعليق

عادت ألاعيب القدر، تحملني إلى ذات الشارع، وذات المقهى، في ليلة من ليالي تشرين الباريسية الباردة، أشارك ظله شاي المساء، وجه النادل الذي يعرف طلبه، وصاحب المكان، المقاعد الحمراء التي اعتادت عليه، وربما أرتشف اللحظة من ذات الفنجان، سحابة الدخان التي تغطي الصالة، النرجيلة التي لا أحبها، الشموع الدائبة في صمت، الأضواء الملونة الخافتة..

كل ما هنا يتراقص فرحا، أحمرٌ، بهيجٌ كليلة احتفال، عصي على النسيان كذاكرة لا تموت، وأنا..كسنونوة غائبة مسافرة خارج الزمان، أتطلع إلى عينيه وحركة يديه وشروده وضحكته وضباب دخانه..أتطلع إلى غيابه..أحدق في اللاشيء، في زمن مضى، وآخر سيمضي، وأصنع من أحلامي الخجولة بدايات لا تنتهي، وشيئا من فرحة معتمة في خدر المساء..

ملامح متناقضة تبدو لي، يعذبني تأويلها، تصيبني بحزن إضافي، أستعرض معها سيناريوهات لقاء لن يتم..يالهول الأحلام، حين تفجعنا بواقع مدمر..أيعقل أن تفعل بنا كل هذا ؟!
أتساءل بتغابٍ، وأندس كضبية مكسورة بين أضلعي، لأبعد عني شبهة الفرح، وشبهة الحزن، أو هما في نفس الوقت، وكأنما أتملص من جرائم لم أرتكبها..

كنت معه في حفل راقص، على أنغام كلماتنا وبوح لم تكتب له النجاة من دُوارٍ عشقي رَأَفَتْ به أرواحنا، وقدحي شاي عربي يغازل ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة، لم يتبقى منها سوى الإسم، وزخرفة تزين جدار الصمت ههنا، أتصفحه على عجل، قبل أن تنتهي الأشياء في الضفة الموالية للسراب، وأعيد أحلامي قسرا خطوتين إلى الوراء..

....

جمعت أشلائي بوجل، خرجت من المكان، مهرولة، مبعثرة، أحمل بيدٍ حفنة ذكرى وبالأخرى خيوطا من دخان..

هنا تنتهي الحكاية، كما قال، بخطوتين متوقعتين إلى الوراء، ودمعتين، وأعلن حداد الحب، ليفقد الحرف معناه، تضل الابتسامة طريقها، وتصغر في عيني قيمة الأشياء، تذبل كل صور الجمال، وتتشابه الساعات والأيام..ما الكلِمُ إن لم يسمعه، وما الكتابة إن لم يتدخل فيها ؟..تصبح كل الألحان حزينة، وكل فرح مغتصبا، يصبح السرير فعل هروب، والقلب صفحة كتابة، ويصبح حاضري خاويا إلا من طعم المرارة ووجع كبير، فراغ يهدمني، وهو معمر بداخلي يكبر ويكبر. 

21 نوفمبر 2011

الغياب ..

12 تعليق


تشرين جنيف  البارد يورطني
فالحب عندي يكبر مع ولادة الشتاء 
وجوه تحمل ملامح الخريف
وأنت تنبت في حنجرتي شجيرات كستناء
ثم تحترق كلهيب صيف لا يقبل الاعتذار
يلفح آخر سنبلات صامدات  
صمت الغرفة الطويل
تقطعه أنفاس الليل
وأنتَ..يا أنت، تقطع أنفاسي
كلما هب ريح المساء

مولاي..
فيك شيء من بريق الشمعة ورائحة العبير
وشيء من حزن الغيمة ونقاوة الماء
فيك سحر الحمائم المهاجرة قسرا
في خدر السماء
وشيء من تريستس وشوبان
كالريح أنت ترفض أنصاف الحلول 
عاتٍ كمطر استوائي مغامر 
وهادئ كليلة حلم أبيض 
وجميل كنيزك اجتمع حوله الأطفال 

حين راقصتني  ذاك المساء
وكل المساءات
أحكمت قفلك على الأرشوفيك في باريس
وكصبية عاشقة كتبت اسمك في فيرونا
تأبطت ذراعيك في أزقة فينيسيا
وكدونكشوتية هاجمت الطواحين الهوائية
شربت نخبك على نهر التايمز
وصنعت لك أجمل شاي في مدينتي المغربية 
والآن على بحيرة ليمان
أسرد أشواقي للنورس الحزين
رفيقتي ساعة وشوكولا سويسرية

لم تعد لي شؤوني الخاصة
ولا عدت أهرب في سفري منك 
وجهك في المطارات يلاحقني
مكبرات الصوت تحملك إلي
فنادق العالم ضاقت بي
ولا بذخها عاد يغريني
وأنت ترن في صبحي وعشيتي
عيونك وربطة العنق وتفاصيل لا يعرفها سوانا
ونجم المساء
كلها تلاحقني، تجهدني، تبعثرني
 
أي مولاي..
أتعلمني لغة على مقاسي
فقد أصابني عمى الحروف
وصار الحب عندي أكبر من لغتي
ومن فصول روايات العشق وأبيات الشعراء 

10 نوفمبر 2011

جنيف..مدينة المنظمات الدولية والأعمال والشوكولاته

18 تعليق

جنيف، المدينة التاريخية السويسرية، تلفها بحيرة جنيف، حيث ينبع نهر الرون، ثاني أكبر مدن سويسرا، وأكبر المدن الناطقة بالفرنسية، مقر العديد من المنظمات الدولية، كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية، منظمة العمل الدولية والصليب الأحمر وكذا منظمة حقوق الإنسان وغيرهم..


دون سابق استعداد، قررت وصديقتي السفر إلى هذه المدينة العريقة لاكتشاف بعض من أسرارها، وكان ذلك بالفعل..
ها نحن نطأ أراضيها، السماء غاضبة قليلا، تدمع أحيانا، الوجوه جادة، والخطوات سريعة، جموع غفيرة من رجال وسيدات الأعمال، هنا وهناك..
الفندق على مستوى عال من التنظيم والتسيير، الخدمات فيه ممتازة، مريح جدا، وكذلك هي ابتسامات العاملين..

جامعة جنيف هي أيضاً جزء من تاريخ المدينة، رمز يفتخر به سكانها، إحدى أفضل الجامعات على مستوى العالم، تخرج منها مشاهير حصل أغلبهم على جوائز نوبل في شتى الميادين، كإيدمون فيشر ( جائزة نوبل للطب)، كوفي أنان ( جائزة نوبل للسلام)، جونار ميردال ( جائزة نوبل للاقتصاد)..وغيرهم آخرون..


من معالم المدينة كذلك، نافورة جنيف، تضخ الماء على ارتفاع يصل إلى 140 متر، هي رمز المدينة الشهير، ومعلم يجذب السياح..





وأنت بجنيف، لا تضيع فرصة المرور بمقر الأمم المتحدة، ستقابل في ساحتها كرسيا ضخما مكسورا كتب في تعريفه الآتي بلغات عديدة : تمثال نحت ونصب في ١٨ آب / أغسطس ١٩٩٧ بطلب من المنظمة الدولية للمعاقين لدعوة الدول كافة إلى توقيع اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، واحترام التزاماتها بمساعدة الضحايا وإزالة الألغام من الحقول الملوثة.
بعد إعادة تهيئة ساحة الأمم، أعيد نصب تمثال الكرسي المكسور في ٢٦ شباط / فبراير ٢٠٠٧ لدعوة الدول إلى المشاركة في عملية حظر الأسلحة العنقودية، التي بدأت بأوسلو في ٢٣ شباط / فبراير ٢٠٠٧



يتوسط مباني منظمة الأمم المتحدة تمثال نصب للمهاتما غاندي، رمز الكفاح السلمي، والتي تخلد المنظمة  ذكرى ميلاده في ٢ من أكتوبر-تشرين الأول، حيث أعلنته يوما عالميا لمناهضة العنف.




واصلنا المسير، ثم توقفنا عند مبنى منظمة الأمم المتحدة، الإجراءات الأمنية مشددة جدا، كما المطارات، خلعنا معاطفنا، مررنا ببوابة الأمن، فتشوا حقائبنا اليدوية، طلبوا بطاقة الهوية، أخذوا لنا صورة فورية وضعوها على شارة تحمل رقم البطاقة والإسم وتوقيت الزيارة، اقتنينا تذكرتين للدخول، اخترنا مرشدا فرنسيا يعرفنا على المكان، ( لك أن تختار مرشدا باللغة التي تريدها) اللغة العربية للأسف لم تكن في قائمتهم، مع أن المكان يعج بزوار عرب وأكثر منهم خليجيين، ثم انطلقنا نجول في المبنى، على جدران أروقته هدايا رمزية قدمتها دول عديدة للمنظمة، لوحات وتماثيل وغيرها زينت المكان .
 قاعات متعددة للاجتماعات، توقفتا عند القاعة الرئيسية، حيث يجتمع زعماء العالم، وتعالج القضايا الكبيرة والأكثر أهمية، عرفنا المرشد على سير العمل وتنظيمه وتقسيمه، مقاعد للرؤساء والوزراء والمندوبين، كل حسب أهميته، تطل عليهم غرف عليا يحجبها عن الحضور زجاج شفاف، خصصت للصحفيين والمترجمين..



بينما نسير في شوارع المدينة، استوقفتنا صورة خلف الزجاج لأطفال فلسطين، هممنا بالتقاط صورة، فخرجت مديرة المكتب، ظنا منها أننا صحفيتين ( ربما حجم الكاميرا أوحى لها بذلك) أجبناها بلا، قلنا ربما هو الحنين لشيء عربي في مدينة أوروبية، رحبت بنا، دخلنا مؤسستها، هي مؤسسة الإغاثة الإنسانية بسويسرا، حدثتنا عن كيفية عمل المؤسسة، عن نشاطاتها وطموحاتها.، أخذنا بعض الكتب من هناك .. غادرنا وانطباع رائع يغمرنا.. 



الجنيفيون يتحدثون لغات عدة، في شوارعم تسمع الفرنسية والألمانية والإنجليزية والإسبانية والعربية، يتعايشون فيما بينهم بلغات مختلفة..



مطاعمهم غنية جدا، تجد فيها المطبخ الإيطالي والفرنسي والتركي والهندي والباكستاني..وكل حسب ذوقه..


أما الأروع فهي محلات الشوكولاته التقليدية بنكهة عصرية، منتشرة في كل مكان، يا إلهي، طعمها لا يغادرك..


هذا وقد اجتمعت غير بعيد عن المدينة القديمة بجنيف، قبالة البحيرة، كبرى المحلات السويسرية الشهيرة، وماركات عالمية تحتل الصدارة على مستوى العالم..


قد أكون نسيت بعض الجزئيات، لكنني سردت هنا أبرز ما مررت به في رحلتي هذه، وكما دوما تجدون مزيدا من الصور على حسابي في الفليكر..في أمان الله ^_^ 

  

01 نوفمبر 2011

هولندا .. وسحر الفلاحين

18 تعليق


ما إن تطأ الأراضي المنخفضة، حتى تستقبلك الأبقار من كلا الجانبين، تلك التي تجود بأزيد من خمسين لتر من الحليب يوميا، تصنع أفضل زبدة وتصدر أجود جبنة، وأنت تحدق لأعلى، يشع في عينيك انعكاس الشمس على خضرة الروابي، تعرف حينها أنك في هولندا، فمرحبا بك في بلاد الجبنة والأبقار، التوليب والدراجات الهوائية.. 


رحلت هذه المرة بعيدا عن ضجة المدن الكبيرة، إلى الطبيعة والحرية والفلاحين، اخترت غابات "كيمبيرفينين" الواقعة قرب مدينة "إيندوفن" الهولندية، للهروب فترة من واقع العصرنة الممل أحيانا، فكانت الوجهة موفقة واستسغت المقام بين أحضان الطبيعة..


في هذا المكان بالذات، على سطح البحيرة بين البجع الأبيض، وأشجار البلوط والصنوبر والبندق تحيط بي من كل جانب، عشت لحظات سلام داخلي استثنائية جدا، أنام على حفيف أوراق الشجر، وأصحو على صوت الإوز صباحا وهو يفرد جناحيه معلنا بداية يوم جميل، يمارس عمليته اليومية في الغدو والرواح، وكأنه يظهر أمامي مهارته في فن السباحة..




لطالما أغرتني حياة المزارعين، ببساطتها وعفويتها وجديتها، إنها مثال للحياة الهانئة البعيدة عن صخب الواقع، أغرمت أكثر خلال هذه الرحلة بإسطبلات الخيول ومراعي الأبقار، بخُمِّ الدجاج وجحور الأرانب..


حلبت البقر وأطعمت البغال، داعبت الماعز وركضت وراء الخرفان الصغيرة، نمت على الأرجوحة المعلقة بين شجرتين..


تسامرت مع ببغاوات تسكن حديقة بمدينة " فيلدوفين" القريبة، أصناف لا تحصى منها كنت أجهلها، أطعمتها أيضا بحبات لا أعرف اسمها تشبه البندق بحجم أصغر، واستغربت أكثر عندما شاهدتها تزيل القشور وتأكل البذرة الداخلية فقط، أشكال وألوان وأنواع من صنع الخالق، فسبحان الله، سبحان الله..



السنجاب هناك خلف الشجرة المقابلة يركض خلف حبة بندق، وقنفد صغير يعبر المكان وسط حشائش الأرض، ببطء، وكأن العالم له لا لسواه، أما السلاحف فاختارت مكانا مغطى تحت قنديل ينيرها، ورفعت رأسها مزهوة، تنتظر عدسات الزوار..


مما شد انتباهي كثيرا في المدن الهولندية، ثقافة التنقل بالدراجات الهوائية، أعداد أكبر من العد والحصر، الشوارع لا تخلو من راكبيها، باحات وقوف الدراجات ممتلئة عن آخرها، الصغير والكبير والشاب والكهل، الكل يركب دراجته ويشق طريقه، وسيلة جيدة للتنقل، تخفض ازدحام السير وتقلل من نسبة التلوث في الهواء، أما المبهر بحق، فهو اعتناء الدولة البالغ بالدراجات الهوائية وراكبيها، حيث خصصت لهم طرقا تصل جميع أطراف المدينة، لهم إشاراتهم الضوئية الخاصة، وممراتهم الخاصة بهم، مثلهم مثل سائقي السيارات، تسهيل لم أشهد مثيله لعملية التنقل، وعلى هذا وضعت نقطة إعجاب كبيرة جدا.


جلت سويعات على مركب صغير يعبر البحيرة، كانت الشمس تسدل خيوطها الذهبية، دافئة على غير عادتها في هذه الفترة من السنة، وسط صمت رهيب يقدس جمالية المنظر، لاشيء سوى بعض العابرين، ولوحة فنية معلقة على جدار الذاكرة، تناسيت كتابي عمدا، لم أحب أن يقطع خلوتي صوت كاتب يهمس بما لا يتماشى وسحر المكان، آثرت الصمت..صمتُّ طويلا..اكتشفت في نهاية صمتي سر "فان غوغ"، ولماذا كان رساما عبقريا..


وليكتمل سحر المكان، لابأس ببعض من الرياضة، بعضها وجدته وعرا، والبعض الآخر تطفلت عليه ونوع آخر أتقنه، فكانت النتيجة أن أضفت لجعبتي الكثير ولجسدي أكثر.




كل رحلة أقوم بها تزيدني نضجا، لا تمر إلا وقد استفدت أشياءً، انتهيت عن أشياءٍ أو داومت على أخرى، وهذه المرة استنتجت أن الحياة مغامَرة، علينا أن نندفع نحوها لنحقق طمأنينة دواخلنا، استنتجت أنها بسيطة، بلا عقد..السعادة توجد في بعض الأشياء الصغيرة، قد نراها ولا نكترث إليها، في الغالب لا نوليها اهتماما، لكن ما إن نلامسها، حتى يزول موضع الألم. 


أترك محبي الطبيعة هنا، مع متنفس تعشقه العين ويطمئن له القلب..الطبيعة من نعم الله علينا، ياليتنا نقدرها كما ينبغي .

29 أكتوبر 2011

ساعة الرحيل ..

12 تعليق


بين ممرات الدهر، تمر مسرعة الخطى، بلباسها الرمادي الأنيق وشعرها المصفف بعناية، تتبعها مرغمة حقيبة السفر السوداء، تجرها كما تجر خيبتها المرسومة على شفتيها، رغم احمرارهما الخفيف .
 
تنتظر القطار القادم، كما القدر الذي سيحملها إلى اللامكان، وهَمٌّ يضطرم في فؤادها، لا تراه إلا سرا مذاعا تفضحه عيناها السوداوتين..
غادرته وجذوة نار تتقد في أوصالها، على برهة من الزمان عاشتها تحت ظل الحب، رحلت وهي تحمل من الموجدة ما يكفي ليبيد خلايا ذاكرتها بالغيظ الأفاك..

عاشت في نفسه أكثر مما عاشت في نفسها، حين كان يستوطن دفاتر قلبها، ويقلب صفحاتها كما يشتهي، كان يجد خلاصه في براءة عينيها المسالمتين، وهالة من نور تحيطهما كانت تنير غده الغامض..

تتهافت الأسئلة الصارخة، تحاول حجبها، دون جدوى، تتذكر أول لقاء لهما في محطة المترو، تبللها قطرة حارة، عندما ترتسم لوحة النهاية بوضوح، تخبرها أنها خسرت كل شيء، لكنها ربما ربحت نفسها..
ذلك الرجل الغريب، رجل العواصف، الرجل الزئبقي التي اهتزت أنوثتها أمام قوته، صار جزءا من خبر كان، ولم يعد، أُضيف إلى سجل الغرباء، تحمله الان لائحة تحوي قائمة الموتى..موتى الشعور..أو هما في نفس الوقت.. 

لم تكن لتقاوم روحها الهائجة، ولا رغبة لها في معاشرة لذة الانتقام..فضلت الرحيل، تلملم عنفوان امرأة..في صمت..
مر القطار بسرعة الضوء، ومرت أسطوانة الذكرى على مسامعها، مشروخة كما لحظة غضب قاتل، راجعت معها فهرس حياتها، رأت سحابة الحزن تحوم فوق سمائها، تسائلت إذا ما كانت ستسعد بقرارها، أم أنها نحتت بكلتا يديها شكل بؤسها...
رحل الليل إلا أقله، ومازالت واقفة في مكانها، تسائل نفسها، ..ترقب حركة القطارات وهي تجيء وتمضي..تنصت في دهشة لما قد يحمله صوت صفارات الإنذار..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More