‏إظهار الرسائل ذات التسميات حول العالم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حول العالم. إظهار كافة الرسائل

04 مايو 2013

إسطنبول.. مدينة التلال السبع وعاصمة الإمبراطوريات الثلاث

18 تعليق


"لو كان العالم كله دولةً واحدة، لكانت إسطنبول عاصمتها".. هكذا قال نابليون بونابرت وهكذا سأقول أنا..

على مضيق البوسفور تنام المدينة بين قارتين، تقف بينهما أعلى الجسر شامخة تروي حكاية الإمبراطوريات الثلاث، يحتضنها القرن الذهبي، تصير لؤلؤة حين تهبط الشمس على الماء فتتشكل هالة من قداسة تلف هذه المدينة الخرافية الحسن..

للمدن ذاكرة لا تنسى، ولنا في العمر لحظات لا نعرف كيف نفسرها ولا كيف نقبض عليها، تسكننا الأماكن وتمتلأ صدورنا بالألوان، تكون قريبة منا كظلنا، كابتسامة هاربة تنزلق بين الشفتين، تتقاسم معنا وحدتنا وتخمد حرائقنا الداخلية فيغدو حس الحياة أقوى وأجمل..

بعيدا عن الحياة الباذخة التعب، أغمضت عيني المثقلتين برائحة الملوحة وبدأت أحصي دقات قلبي وأصغي لصفيق الأمواج دون مكابدة، الشمس رائقة تخفي تكدرها، أقرأ الدهشة في عينيها قبل أن ترميني بعيدا، ألقي بصري إلى عرض البحر، وأتبع المراكب إلى أن تفرغ حمولتها.. وقفت احتراما للمدينة.. لسيدة الجمال والأمكنة..

في غير حالتي الطبيعية وفي لحظات انتشاء، كنت أقيس أعمار الدروب والأزقة الملتوية والشوارع الخلفية، الدكاكين الصغيرة والباعة المتجولون والراجلون يعزفون على إيقاع واحد، زوايا أنيقة يغطيها سجاد وزرابي مفعمة بالألوان غطتها الظلال تربط الماضي بالحاضر..

طقوس هذه المدينة على قدر كبير من الغرابة ألهبت مشاعري، تشرع لك كل الأبواب الموصدة.. القبب والمآذن والمساجد والكنائس والقصور والأسواق والروائح والألوان ، تخفف شطط المنفى، تعيد الماضي ركضا وصلات متتالية، وتجعلك عاجزا عن الكلام، حقول الخزامى على امتداد البصر لا تنتظر طويلا كي تزهر، تبدو وكأنها عرس من ألوان.. 

كانت عيناي مركزتين على مدينة لا تحتاج وثيقة عبور لتحبها، غطست بملء إرادتي في التفاصيل الصغيرة واكتشفت أن قربي منها يزداد كثافة وأنني أتخلص من أثقال الحياة وأسافر في سماوات لا يعنيني بعدها ما يحدث على الأرض.. لكم أغبطني على هذا الصفاء وعلى هذه الفتنة الغير مسبوقة..

في لحظات سلام داخلي كنت أسمع صوت "لامارتين" وهو يردد: "هناك الإله والإنسان، الطبيعة والفن، كلها اجتمعت لتصنع هذه المدينة الرائعة، إنها فعلا تستحق أن تُرى"..

13 نوفمبر 2012

مالقة.. تاريخ ينام فوق التلال

17 تعليق


في ساحل الشمس، وعلى منحدر شديد الميل، تسري رعشة في جسد الليل، يقصر كل شيء وتطول الحكاية، أموت صمتا في لحظة منكسة الرأس، وينفتح جرح آخر، أغمض عيني لكي لا أرى شيئا، وأصدق أنني فاصلة في سطر عابر.. 

أسحب باستماتة رغبتي المحمومة في استحضار التفاصيل التي اقتادتني حتى هنا.. إلى هذا الحلم الذي أحبه.. ويوجعني ..

لست أدري ما الذي سحبني نحو المحيط، حيث الشمس رائقة في عز الخريف، دفنت قرصها في منتصف بحر عاتٍ معاند، والنسمات محملة برياحه الخفيفة، تحاول في طريقها أن تكنس أحزاني الضامرة..
هل ستمسح وجعي وتنقل إلي صوت البحارة وهم يحملون الفخار المالقي المذهب والزجاج الملون إلى أقاصي البلاد؟.. يالهذا البحر، لا تقبل أعاليه بأنصاف الحلول، ولغته  لا يفهمها إلا الحالمون..

في لحظة شرود مسروقة من زمن مضى، كنت  أتنقل بين القيساريات والأسواق والقلاع والقصاب والقناطر، أتوه بين الحارات والساحات العامة، أمر بمسجد العطارين وأبحث عن البلاطات الخمس في مسجد الأمير بن عبد الرحمن، بدت لي حصون القصبة وترهلت أمام ناظري أبراجها، ظل قصر باديس يروي حكاية لم تنتهي، ترمم حزنه أشجار النارنج البديعة والنخيل السامقات ونوافير الماء وبساتين التين.. وظلت بقايا دار الصناعة منذ بني الأحمر تحيي عهدا انقضى وواقعا لم يمت..

وقفت قبالة سور المدينة أعد ما تبقى من أبوابه الخمسة، أقيس بالعين أعمار الدروب ورجالا ونساء توقفوا هنا، أرقب المارة الغادين والرائحين والنوافذ والأبواب والأرصفة، ويحمر وجهي حين يتسرب إلي الحنين ورغبة جارفة 
في توقيف عقارب الزمن، لأرى الصبية يملؤون الحارات ورائحة الشاي تنضح في الأقداح بدل البيرة الرديئة..
أما ما بين "القصبة" و "رملة" فيمتد وجع كبير، ونبع كانت تجود به المرتفعات المجاورة منذ ألف عام.. جف النبع، وبقي الجرح غائرا..

مشيت، لم أكن أعرف أين أتجه، ولا ما ذاك الشيء الملتبس الذي بداخلي، يشبه طعم الحب ولون الرماد، كنت أنصت لنداءاتي الداخلية، لعنف التاريخ وسيول الأسئلة المثقلة بالغبار..

كيف أنسى وكيف أتذكر، توهج الليل وهجرة الألوان وأكذوبة الذكرى والوجوه المحتشدة بالفراغ، دموع الغيم ونبات الأرض، حقول السنابل وجذوع الشجر،  وذاك المساء البعيد، قبل أن يخطفه البرق ويمضي في خطى مغتربة.. أنفض الغبار عن قلبي وأفتحه على الحياة دون أن أبكي، دون أن أنشد أغنية الوداع ..

01 فبراير 2012

إشبيلية..عاصمة المنصور الموحدي

18 تعليق




أمر السلطان الموحدي المغربي أبو يوسف يعقوب المنصور شيوخ الموحدين بالاجتماع حين شعر بالموت يدنو منه، ثم قال وقد اغرورقت عيناه بالدموع: أيها الناس، أوصيكم بتقوى الله تعالى وبالأيتام و اليتيمة ؟.. قال أبو محمد عبد الواحد، يا سيدنا يا أمير المؤمنين و من الأيتام و اليتيمة ؟..
قال: اليتيمة جزيرة الأندلس والأيتام سكانها المسلمون، و إياكم و الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها و حماية ثغورها و تربية أجنادها و توفير رعيتها . ولتعلموا أعزكم الله أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها، و نحن الان قد استودعنا الله تعالى و حسن نظركم فيها، فانظروا أمن المسلمين و اجروا الشرائع على منهاجها..


مات المنصور الموحدي، وحاصر فرديناند الثالث إشبيلية عاما بأكمله، دخلها غازيا..وقضى على حضارة عظيمة خرجت معها المدينة نهائيا من أيدي المسلمين..
رحل المنصور، وترك الجيرالدا قائمة تروي حكاية خمسمائة وعشرين عام..


لحسن حظي كان يفصل الفندق عن الجيرالدا مائة متر فقط، وشرفته تطل على مئذنة المنصور،  ذلك جل ما أبغيه، لا أغفو قبل أن أمعن النظر فيها، وكأنني أتشبع ببقاياها، أملأ رئتي بالهواء القادم من هناك..


الجيرالدا، رمز إشبيلية الخالد، المئذنة السامقة للمسجد الجامع، بنيت في عام 1184 م بأمر من الخليفة المنصور، بعد عودته منتصرا على جيوش قشتالة في معركة الأرك الشهيرة، وقد قامت على أنقاض مبان رومانية، صومعة شاهقة الارتفاع ، الجزء الإسلامي منها يبلغ ارتفاعه ٦٥،٦٩ متر، أما الان فيبلغ ارتفاعها ٩٧،٥ متر، كان المنصور قد أمر بتكليل مئذنتها بأربع تفاحات ذهبية بهرت الأنظار ببريقها، كما بنيت من دون أدراج ولكن بمنحدرات عددها 35 تمكنك من الصعود أعلى البرج..


كان ضروريا أن أقف على قمتها، فعلت بعدما تجولت في أرجاء الجامع الكبير ( كاتدرائية إشبيلية حاليا) رفقة مرشد عرفني على أرجائها، التي ما عادت تحمل طابعها الإسلامي، استعجلت نفسي وكلي شوق للوقوف أعلى المئذنة، صعدت المنحدرات الخمسة والثلاثين، وصلت لاهثة إليها، تساءلت عن حال المؤذنين وقتها، وكيف كانوا يصعدون كل هذا لرفع الآذان خمس مرات في اليوم، فعلمت أنها بنيت عريضة بشكل كان يستطيع فيه المؤذن الصعود إلى أعلى البرج وهو راكب حصانه للنداء إلى الصلاة.


من هناك تبدو إشبيلية بكل أبعادها، جميلة من كل الجهات، تطل على حدائق واسعة،  نظرة ذهبت بي بعيدا حيث الحلم اللامحدود..
أيقظتني نواقيس الكنيسة، التي حلت محل المئذنة، وضع أعلاها تمثال من البرونز يرمز إلى السيادة المسيحية، صنعه بروتولومي موريل عام ١٥٦٧ م، حيث يدور مع الريح، وسمي خيرالديو، أي دوارة الريح، ومنه جاءت تسمية المئذنة بالخيرالدا..
نزلت ذات المنحدرات، أتحسس الجدران، أتأملها بحواسي كلها، ألامس الحيطان التي رددت صدى اسم الله ذات زمن..



على بعد خطوتين من الجيرالدا، يوجد قصر "ألكازار"، قصر بديع مثلما هي كل القصور الأندلسية، اختلفت الروايات بشأنه، والأرجح أنه بني في موقع قلعة إسلامية أندلسية قديمة، قيل أنها بقايا قصر المعتمد ابن عباد، وأتم إنشاءه الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور..



اقتنيت تذكرتي، دخلت القصر، فوجدته صرحا معماريا أندلسيا عربيا إسلاميا باهرا بضخامته وزخارفه وجماليته..
أتواجد الان في الطابق الأول، معظمه أندلسي رغم التغييرات التي قام بها الملوك الإسبان، فنجد بهو السفراء وفناء العرائس حيث نقشت آية الكرسي، وجناح الملوك الأندلسيين وجناح الملوك الكاثوليك وفناء الصيد وفناء العذارى وبهو كارلوس الخامس وغيرها..


الأعمدة مزخرفة والجدران مكسوة بالقيشاني، عليها زخارف من عبارات وتحيات وأدعية وآيات قرآنية..
أبهاء القصر وأفنيته أبوابها عديدة، كل فناء وكل بهو يفضي بك إلى آخر، أما النقوش الإسلامية الأندلسية ففي كل مكان..


أقتني تذكرة أخرى للصعود إلى الطابق العلوي من القصر، هنا ستتوقف عدستي مرغمة، استغربت من الحراسة الأمنية المشددة على هذا الطابق، لا يسمح بالصعود إليه إلا في أوقات محددة..
جاء دوري، صعدت الدرج، مررت بنقطة التفتيش المتواجدة بذات المكان، احتفظوا بحقيبتي وآلة التصوير وكل أغراضي، ظننت هاتفي الذي كان مخبأ في جيبي سَيَفِي بالغرض، لكن هيهات..فرجل أمن صاحبني طول الوقت، أما الزيارة فليست عشوائية، فأنت تمر بالغرف التي يحددها المرشد، وهناك من منع فيها التجول..
الطابق العلوي إسباني بامتياز، به مصلى الملوك الكاثوليك، وجناح الملك بيدرو، وبهو الملوك، أثاث فخم وثريات عملاقة، أغراض الملكة إيزابيلا، الهدايا الثمينة التي تلقاها الإسبان من ملوك فرنسا وإنجلترا وغيرهما، صور الملوك وأبنائهم التي رسمت ذاك العهد بريشة كبار الفنانين..الجدران مكسوة بالتماثيل والأيقونات الكاثوليكية..
معالم الحضارة الإسلامية في هذا الطابق طمست عن آخرها، ما سلم منها سوى بضع نقوش خجولة وزخارف ظلت تحمل اسم الله، وقاعة وحيدة لازالت كما كانت، على الطراز الإسلامي الأندلسي..أما البقية فمحيت تماماً..


انتهت الزيارة، وبينما أستعيد أغراضي سمعت تكبيرة تنبعث من مكان قريب، جذبني الصوت، إلى حيث مصدره، كانت صالة تعرض فيها جميع أنواع الزخارف والفسيفساء التي استعملت في القصر، وصوت موشح مطلعه "الله أكبر" ينبعث من ميكروفونات المكان في هدوء..


غادرت أبحث عن السكينة في حدائق القصر الغناء، لأبدد بعض الحسرة، أشجار الليمون والبرتقال متناثرة في الأرجاء، النوافير في كل زاوية، الشمس ترسل أشعتها، فيتلألأ الماء وتنعكس الخضرة على ريشة الفنانين الذين انتشروا في الحدائق يرسمون لوحات فاتنة..


أتوقف عند مطعم مقابل للجيرالدا، أتناول وجبتي التي أسرفت فيها مذ وصلت إلى هنا، بارعون هم الإسبان في تحضير وجبة "البايلا" بفواكه البحر، هي مفضلتي، وأكثر حين يقدمها مطعم إسباني تقليدي متخصص في ذلك..


أكمل مسيرتي، نحو برج الذهب "توري ديل أورو" ، برج المراقبة العسكري، الواقع على ضفة نهر الوادي الكبير "كوادلكيفير"، هذا البرج الضخم ذو الإثني عشرة زاوية، يقع جنوب غربي القصر، هو الوحيد الذي بقي من الأبراج التي خلفها الموحدون، حيث كانوا يقيمون أسوارا عالية ذات أبراج منيعة تربطهم بالقصر تحسبا لأي هجوم ودفاعا عنه..
البرج يتكون من ثلاث طوابق، هو اليوم متحف بحري، يضم أدوات قديمة ورسائل ووثائق تاريخية لمدينة إشبيلية..


جلست في مقهى على ضفة الوادي الكبير، أحتسي غبطة وألما، أرقب جريان النهر وظلال النخيل، أعبر بعينيَّ قنطرة الوادي  وألمح انعكاس البنايات على صفحة الماء، وجوه المارة والبازارات الصغيرة، فساتين راقصات الفلامنكو التي تملأ المحلات، أشجار البرتقال على ناصية الشارع الرئيسي، حوانيت  تبيع معالم المدينة للسياح، عازف غجري يلقي لحنه على مسافة مني..أسترجع بصري..أعد الدقائق الأخيرة، في انتظار طائرة ستعيدني إلى باريس..

24 يناير 2012

غرناطة .. ولا غالب إلا الله

36 تعليق



المنبه يرن، والساعة تشير إلى الخامسة صباحا بتوقيت إشبيلية، صحوت نشيطة رغم التعب، ورغم الكيلومترات المئتين وخمسين التي تنتظرني للوصول إلى غرناطة، علينا أن نكون في الحمراء تمام التاسعة صباحا حسب الحجز الذي قمت به، فمواقيت زيارة قصر بني نصر مقننة، لا تلجها إلا في مواعيد محددة..


الظلام دامس والجو لطيف، تأخرت قليلا في الخروج من إشبيلية فكانت النتيجة أن وصلت قصر الحمراء متأخرة نصف ساعة، رفضوا في البداية تغيير حجزي، لكن أمام إصراري الطويل تمكنت من دخول القصر..



قصر الحمراء..أعظم القصور في تاريخ العرب والمسلمين، لوحة فنية مبهرة لا جمال يضاهيها، مساحته المذهلة، الخط الكوفي الذي زين المكان، الجدران المطلية ب "لا غالب إلا الله"، تنظيمات هندسية دقيقة، الفسيفساء، زخارف تشهد فن العمارة الإسلامية المنقطع النظير، الآيات القرآنية، المدائح، الأدعية..



وإلى هنا لغتي عاجزة تخونني لرسم ذاك المشهد العظيم..
أنتقل من غرفة إلى أخرى، ولكل واحدة قصة وحكاية ..


فناء الريحان الكبير، وتتوسطه بركة المياه تحد جانبيها أشجار الريحان، نقشت في زوايا فنائه عبارات وآيات قرآنية..


أمر ببهو السفراء حيث كان يعقد مجلس العرش، غير بعيد عنه فناء السرو، حيث نجد الحمامات الملكية وغرفة الانتظار والاستراحة، أواصل المسير إلى قاعة الأختين، وسميت كذلك لأنها تضم قطعتين متساويتين من الرخام..


مباشرة بعدها وجدت نفسي في بهو الأسود، ذاك اللغز المحير، أشهر أجنحة قصر الحمراء، أنشأه السلطان عبد الغني بالله عام ١٣٩١ م ،  تتوسطه نافورة الأسود، يحمل حوضها المستدير اثنا عشر أسدا من الرخام، كان الماء يخرج  من أفواهها بالترتيب، ففي الساعة الأولى يخرج الماء من فم الأسد الأول والثانية من فم الأسد الثاني وهكذا اثنا عشر ساعة بالنهار واثنا عشر ساعة بالليل، وبهذا يتمكنون من تحديد الزمن بهذه الساعة المائية العجيبة..


أما المؤسف فتعطل مخارج المياه بهذه البركة، حين حاول الإسبان اكتشاف سر انتظام تدفق المياه بالشكل الزمني التي كانت عليه، ولازال هذا اللغز الغامض يحير كبار الباحثين..
عادت الأسود إلى مكانها بعد عملية ترميم دامت لفترة، مع أن الأشغال بالمكان لم تنتهي وتعذر علي الوصول إلى بعضها..


تعددت الأبواب والأبراج والتسميات بالقصر، وحدها الحمراء تحتاج كتابا مفصلا للتعريف بكل ركن من أركانها، أما السحر فواحد، لذلك لا عجب من أن يكون أبرز معالم السياحة في إسبانيا، وهنا أتوقف هنيهة لأحزن قليلا على هذا الموروث العالمي، فطيلة تجولي بالحمراء ما صادفت غير عربيين من دولة خليجية، وباقي الزوار من مختلف أنحاء العالم، يابانيون بالدرجة الأولى وإنجليزيون وفرنسيون وإسبانيون وألمان..أما العرب، فأظنهم يوثرون لندن ونيويورك وباريس ..


أكمل مسيرتي الملتهبة، نحو بساتين جنة العريف، إنها جنة الله في أرضه، الماء والخضرة والنوافير المتقاطعة، ليلة هناك بين أحضانها بألف ليلة وليلة..وياللنعيم الذي عاش فيه الأولون..

أسرار القصر لا تنتهي ولن تنتهي، خرجت منه لأصعد حصن القصبة، القلاع الضخمة والأسوار المحصنة وتاريخ يعيد على مرمى حجر مني عهدا غابرا..


من أعلاه يظهر لي حي البيازين، ببياضه المغري، أشهر حارات الأندلس القديمة، سأغادر الحمراء إلى هناك..أحمل في حقيبتي"ثلاثية غرناطة"، أفضل رواية تحكي  ماضي الأندلس، أعيد قراءتها للمرة الثالثة، كل استراحة أنهل منها صفحات..

الطريق وعرة، والأشغال كثيفة تمنعنا من الوصول إلى حي البيازين..بعد أخد ورد وبحث وتيه، قررنا ترك السيارة في مكان بعيد نسبيا، وسنكمل مشيا على الأقدام..


ها نحن أمام مدخل البيازين، من هنا تبدأ رحلة جديدة، وسط هذا الحي العريق عراقة غرناطة، الحي قائم فوق هضبة مرتفعة، تصعده بشق الأنفس..في المرتفع الأول، تخلى عني زوجي، قلت ممازحة: أثنيت عليك في آخر تدويناتي وها أنت تخذلني أمام أول عقبة من البيازين..ابتسم مجيبا: برغم كل ما بيننا أتركك تصعدين بمفردك، خذي الوقت الذي يلزمك، وأنتظرك في السيارة..


وذلك ما كان فعلا..بدأت جولتي وسط هدوء الحي التام، كلما صعدت كلما ازددت شوقا للوقوف على قمة الهضبة، أعود بمخيلتي إلى عصر قديم، أمشي حيث مشوا، أبحث عن الإشارات التي تؤكد أنهم مروا من هنا..


محلات للحرف التقليدية هنا وهناك، متاجر صغيرة، فنادق زخرفتها إسلامية، مقاه ومطاعم ذات طابع عربي، دار الطالب، مدارس وتلاميذ يجيؤون ويروحون، وأنا أكتشف الدروب المتشعبة، والطرق الضيقة الملتوية..

أثناء تجولي بدت لي فتاة جميلة، عيناها خضراوتان، بيضاء البشرة، تصعد ببطء، هالة نور تحيط وجهها وحجاب يجملها، اقتربت منها، ألقيت عليها التحية..ابتسمت في وجهي وبدأت جولتنا..


حدثتني عن نفسها، علمت منها أنها إسبانية مسلمة من أحفاد الموريسكيين، غادرت مدريد منذ ثلاث سنوات لتعيش في غرناطة واختارت حي البيازين لتتعلم اللغة العربية، لم تتقنها بعد، لكنها تواضب على تعلمها، اغرورقت عيناي بالدموع وهي تعبر بي الأزقة، تعرفني على الدور والأماكن وبقايا المآذن والمساجد والحمامات، استمرينا كذلك طويلا إلى أن وصلنا أعلى قمة في البيازين، قرب ساحة سان نيكولاس، غير بعيد توجد كنيسة سان سلفادور التي قامت محل المسجد الجامع بغرناطة قديما..


ومن هناك، تبدو غرناطة في أبهى حلة لها، يحتويها من كل الجهات جبل الثلج أو جبل شلير ( ما يعرف عند الإسبان بجبال سييرا نيفادا )، نهر شنيل يخترق المدينة،  أما قصور الحمراء  وقلاعها فتبدو  شامخة تقاهر الزمن، تحكي تاريخا كان الأعظم بين العصور، والغريب ذاك المنظر بين حي البيازين وقصر الحمراء، كل منهما يطل على الاخر، يقابل الحاكم المحكوم، والشعب ملوكه، الحمراء مثلت بذخ السلاطين والبيازين الشعب بكل فئاته وكفاحه..


اقترحت رفيقتي أن ندخل المسجد الجامع لغرناطة الحديث العهد، صغير وجميل، تتوسط فناءه نافورتين من الزليج الضارب للزرقة، علمت منهم أنه تم إعداده من طرف فنانين حرفيين مغاربة من مدينة فاس، كما قام ذات الحرفيين  المهرة بالنقش على الخشب وزخرفة الأسقف وتثبيت الفسيفساء، على ذات الشكل الأندلسي القديم الذي حمله الأندلسيون القدامى حين هجرتهم إلى المغرب، أما الخشب الثمين فقد تم استيراده من المغرب أيضا الذي ساهم كذلك في بناء المسجد، إضافة إلى مساهمات من ماليزيا ومن مسلمي إسبانيا ذاتهم، بعد أن تم التبرع بالأرض من طرف الحكومة الليبية، تصميمه على الطريقة الأندلسية الإسلامية المحضة..

دعاني أحد القائمين على المسجد لزيارة  أرجائه، سألته عن المسجد وتاريخه، فأخبرني أنه بعد أخد ورد سمح لمسلمي غرناطة ببنائه، قال أن الحجر الأساس وضع منذ أزيد من عشرين عام، لكن تم الانتهاء من عملية البناء في تموز ٢٠٠٨، و ذلك لقلة الموارد المالية بشكل أساسي وعراقيل أخرى، وهنا أسأل عن دور الدول العربية الغنية التي تتجاهل هذا الموروث الإسلامي الضخم، وتحبذ صرف أموال طائلة على أبراج لا تسمن ولا تغني من جوع، ولما لا تهديها للسيد "بيكام" فَقَدَمُهُ أولى بمال المسلمين..
صار المسجد يضم مسلمي الأندلس من كل صوب وحدب..الداخل إليه والخارج منه يلقي علينا تحية الإسلام .

شعرت في ذاك المكان بفخر عظيم..سألت عن حال العرب ، وقد ظننتهم قلة، فأخبروني أن عددهم هائل وجلهم من المغاربة أيضاً، يسكنون حي البيازين وغيره، ويشكلون نسبة هامة من ساكنة البلد، كما أن نسبة اليهود لا تقل شأنا كذلك، فما أكثر نجماتهم على أبواب البيازين ..


رفيقتي استأذنتني بالمغادرة، لأن موعدها مع طبيبها قد حان، استحييت إخبارها بكوني أجهل طريق العودة، ودخلت مغامرة أخرى أبحث عن طريقي الذي ظللته، مضى وقت طويل، وأنا أسأل المارة، وأستعين بصورة المدخل الرئيسي في كاميرتي، الذي تركت عند بابه السيارة..مشيت ومشيت ، وعثرت على المدخل، بعد أن تورمت قدماي من المشي..

كانت آخر وقفاتي بغرناطة الفاتنة، غادرت وتركت ورائي البيازين وقصر الحمراء وأشجار النخيل وحقول الزيتون التي لا يحدها البصر..
رحلة تتجدر تفاصيلها في مخيلتي، لا أنسى أبدا هذه الأرض الطيبة، و سأعود إليها كلما شاء القدر..

آخر محطاتي إشبيلية، بدأت رحلتي منها وسأختم بها قبل أن أعود إلى الواقع الباريسي البارد ..

19 يناير 2012

قرطبة .. وحنين إلى العصر الأموي

24 تعليق



ما يحدث معي كلما عزمت على زيارة الأندلس لا أملك له تفسيرا حتى الان، ما أعرفه أنه ليس بكاء على الأطلال بقدر ما هو حلم أحب أن أعيشه، ويوجعني، وأنا واقفة أمام بقايا حضارة أبهرت العالم منذ قرون ولازالت أسرارها دفينة تعجز الباحثين وراء هذا الفردوس المفقود..
أشارككم رحلتي بالكلمة والصورة، لتقاسموني فرحي وحزني وانبهاري..


بداية الأسبوع، صباح أندلسي، حطت الطائرة بمطار سان بابلو بإشبيلية، السيارة التي حجزت في انتظارنا، كان مقررا أن نقضي اليوم الأول في إشبيلية، لكني وجدت نفسي أقطع الكيلومترات المائة والثلاثين، وقلبي يهفو إلى مسجد قرطبة العظيم..



اقتنينا التذاكر، دخلنا المسجد، ورعشة تسري في جسدي، أتأمل هذا الصرح العظيم، أهم معالم الحضارة الإسلامية، المسجد الجامع، لبنة التنظيم العمراني، فن الزخرفة به تحار له العقول، وتتلذذ بالتمحيص فيه الأعين..

حسب الكتب التاريخية، تم إنشاؤه على مدى قرنين ونصف من البناء، وضع لبنته عبد الرحمن الداخل، يوجد في المسجد 1400 عمود من أقواس الدّائرة، ويتدلّى من السّقف المصنوع من خشب الأرز 4700 مصباح من الفضة، لتضيء تسعة عشر رواقاً طولياً، تتقاطع مع ثلاثة وثلاثين رواقاً عرضياً، أعمده المسجد فارهة الطول وكأنها أشجار نخيل شامخة..


كان المركز الديني الذي تحيطه باقي المراكز العمرانية، ففيه كانت تعقد الاجتماعات وتنشر البنود، إضافة إلى مكانته العلمية، حيث الطلبة يستسقون العلوم الدينية، إنه أعظم مساجد الأندلس، تحفة فريدة وآية من آيات الفن المعماري..لا تملك أمامه سوى الصمت..


الآيات القرآنية المقروءة على جدرانه والأدعية والأقوال لازالت تشهد عصر الإسلام الذهبي، بعدما قرر الإسبان عدم هدم المسجد وتحويله إلى كنيسة لتتداخل نقوشه القرآنية مع تماثيل مسيحية تعود بنا إلى عصر الفتوحات والصراعات وعصر الهزيمة..


خرجت إلى فناء المسجد، حيث أشجار البرتقال المنتشرة تتوسطها نافورة جميلة، تعيدك مرغما إلى زمن الأجداد، استرحت بجانبها قليلا، لا أخفيكم سرا، شعرت بانقباض في قلبي، تملكتني الحسرة..وغادرت..


ألقيت نظرة على قصر الإمارة، القريب من المسجد، كان مغلقا، فهو لا يفتح في وجه الزوار أيام الإثنين..سأعود إليه فيما بعد..



تجولت في الأزقة الضيقة، والدروب التي أعادتني إلى حارات المغرب القديمة، وكأنني أمشي في دروب فاس ومكناس ومراكش وسلا..ذات البناء وذات النقوش وذات الفسيفساء، وكأن شيئا لم يتغير منذ عهد الداخل، عدا الوجوه الشقراء التي تملأ الأمكنة..


الطقس معتدل، والشمس ترسل أشعتها الخجولة..تمشينا فوق قنطرة الوادي الكبير، من آخرها ترمق جامع قرطبة، ألقيت نظرة أخيرة، قبل أن أقف على أنقاض الزهراء..




ثلاثون كيلومتر تقريبا عن قرطبة، توجد مدينة الزهراء أو بالمعنى الدقيق أنقاضها، المدينة الملكية التي بناها عبد الرحمن الناصر لتكون حاضرة لملكه، وتماثل  دمشق في جمالها، ازدهرت على مدى ثمانين عاما، وعرفت بفن معماري منقطع النظير لما استعمل فيها من الذهب والرخام، كانت معلمة من معالم الرقي الحضاري والتفوق المعماري..


أشجار الليمون والنخيل في كل مكان، على الرصيف وجوانب الطرقات وداخل المساجد والبيوت العتيقة، اللون البرتقالي رمز المدينة وحبات البلح تتساقط بين الفينة والأخرى، والفسيفساء الأزرق إشارة لعهد لم ينتهي..ياله من جمال بديع تغادره وأنت تردد في سرك .. متى أعود إلى هناك ..

في التدوينة القادمة سأشد الرحال إلى غرناطة، جوهرة المدائن، وقصة عشق لا تنتهي، وأختم بإشبيلية، ترقبوا البقية..فالقادم أجمل..:)

10 نوفمبر 2011

جنيف..مدينة المنظمات الدولية والأعمال والشوكولاته

38 تعليق

جنيف، المدينة التاريخية السويسرية، تلفها بحيرة جنيف، حيث ينبع نهر الرون، ثاني أكبر مدن سويسرا، وأكبر المدن الناطقة بالفرنسية، مقر العديد من المنظمات الدولية، كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية، منظمة العمل الدولية والصليب الأحمر وكذا منظمة حقوق الإنسان وغيرهم..


دون سابق استعداد، قررت وصديقتي السفر إلى هذه المدينة العريقة لاكتشاف بعض من أسرارها، وكان ذلك بالفعل..
ها نحن نطأ أراضيها، السماء غاضبة قليلا، تدمع أحيانا، الوجوه جادة، والخطوات سريعة، جموع غفيرة من رجال وسيدات الأعمال، هنا وهناك..
الفندق على مستوى عال من التنظيم والتسيير، الخدمات فيه ممتازة، مريح جدا، وكذلك هي ابتسامات العاملين..

جامعة جنيف هي أيضاً جزء من تاريخ المدينة، رمز يفتخر به سكانها، إحدى أفضل الجامعات على مستوى العالم، تخرج منها مشاهير حصل أغلبهم على جوائز نوبل في شتى الميادين، كإيدمون فيشر ( جائزة نوبل للطب)، كوفي أنان ( جائزة نوبل للسلام)، جونار ميردال ( جائزة نوبل للاقتصاد)..وغيرهم آخرون..


من معالم المدينة كذلك، نافورة جنيف، تضخ الماء على ارتفاع يصل إلى 140 متر، هي رمز المدينة الشهير، ومعلم يجذب السياح..





وأنت بجنيف، لا تضيع فرصة المرور بمقر الأمم المتحدة، ستقابل في ساحتها كرسيا ضخما مكسورا كتب في تعريفه الآتي بلغات عديدة : تمثال نحت ونصب في ١٨ آب / أغسطس ١٩٩٧ بطلب من المنظمة الدولية للمعاقين لدعوة الدول كافة إلى توقيع اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، واحترام التزاماتها بمساعدة الضحايا وإزالة الألغام من الحقول الملوثة.
بعد إعادة تهيئة ساحة الأمم، أعيد نصب تمثال الكرسي المكسور في ٢٦ شباط / فبراير ٢٠٠٧ لدعوة الدول إلى المشاركة في عملية حظر الأسلحة العنقودية، التي بدأت بأوسلو في ٢٣ شباط / فبراير ٢٠٠٧



يتوسط مباني منظمة الأمم المتحدة تمثال نصب للمهاتما غاندي، رمز الكفاح السلمي، والتي تخلد المنظمة  ذكرى ميلاده في ٢ من أكتوبر-تشرين الأول، حيث أعلنته يوما عالميا لمناهضة العنف.




واصلنا المسير، ثم توقفنا عند مبنى منظمة الأمم المتحدة، الإجراءات الأمنية مشددة جدا، كما المطارات، خلعنا معاطفنا، مررنا ببوابة الأمن، فتشوا حقائبنا اليدوية، طلبوا بطاقة الهوية، أخذوا لنا صورة فورية وضعوها على شارة تحمل رقم البطاقة والإسم وتوقيت الزيارة، اقتنينا تذكرتين للدخول، اخترنا مرشدا فرنسيا يعرفنا على المكان، ( لك أن تختار مرشدا باللغة التي تريدها) اللغة العربية للأسف لم تكن في قائمتهم، مع أن المكان يعج بزوار عرب وأكثر منهم خليجيين، ثم انطلقنا نجول في المبنى، على جدران أروقته هدايا رمزية قدمتها دول عديدة للمنظمة، لوحات وتماثيل وغيرها زينت المكان .
 قاعات متعددة للاجتماعات، توقفتا عند القاعة الرئيسية، حيث يجتمع زعماء العالم، وتعالج القضايا الكبيرة والأكثر أهمية، عرفنا المرشد على سير العمل وتنظيمه وتقسيمه، مقاعد للرؤساء والوزراء والمندوبين، كل حسب أهميته، تطل عليهم غرف عليا يحجبها عن الحضور زجاج شفاف، خصصت للصحفيين والمترجمين..



بينما نسير في شوارع المدينة، استوقفتنا صورة خلف الزجاج لأطفال فلسطين، هممنا بالتقاط صورة، فخرجت مديرة المكتب، ظنا منها أننا صحفيتين ( ربما حجم الكاميرا أوحى لها بذلك) أجبناها بلا، قلنا ربما هو الحنين لشيء عربي في مدينة أوروبية، رحبت بنا، دخلنا مؤسستها، هي مؤسسة الإغاثة الإنسانية بسويسرا، حدثتنا عن كيفية عمل المؤسسة، عن نشاطاتها وطموحاتها.، أخذنا بعض الكتب من هناك .. غادرنا وانطباع رائع يغمرنا.. 



الجنيفيون يتحدثون لغات عدة، في شوارعم تسمع الفرنسية والألمانية والإنجليزية والإسبانية والعربية، يتعايشون فيما بينهم بلغات مختلفة..



مطاعمهم غنية جدا، تجد فيها المطبخ الإيطالي والفرنسي والتركي والهندي والباكستاني..وكل حسب ذوقه..


أما الأروع فهي محلات الشوكولاته التقليدية بنكهة عصرية، منتشرة في كل مكان، يا إلهي، طعمها لا يغادرك..


هذا وقد اجتمعت غير بعيد عن المدينة القديمة بجنيف، قبالة البحيرة، كبرى المحلات السويسرية الشهيرة، وماركات عالمية تحتل الصدارة على مستوى العالم..


قد أكون نسيت بعض الجزئيات، لكنني سردت هنا أبرز ما مررت به في رحلتي هذه، وكما دوما تجدون مزيدا من الصور على حسابي في الفليكر..في أمان الله ^_^ 

  

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More