25 ديسمبر 2013

مكتبتي لعام ٢٠١٣

26 تعليق


فقيرة كانت قراءاتي لهذا العام مقارنة بالأعوام السابقة، لن أبحث لنفسي عن أعذار ولكن انشغالي بدروس العود وأشياء أخرى جعلت  علاقتي الشهية بالكتب شحيحة، وعدتني أن أتصالح العام المقبل مع عالمي النقي..


"لا يمكن لأحد أن ينتصر إلى الأبد، ولم يحدث أبدا أن ظلت أمة منتصرة إلى الأبد..لكنني اليوم أحس بأن شيئا آخر يمكن أن يقال أيضاً وهو أني لست خائفا من أن ينتصروا مرة وننهزم مرة، أنا أخاف شيئا واحدا وهو أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر إلى الأبد لا يمكن أن ينهض ثانية، قل لهم احرصوا على ألا تهزموا إلى الأبد"
 
تحية تليق بمقام إبراهيم نصر الله صاحب الملحمة الاستثنائية، رواية "زمن الخيول البيضاء" التي شكلت تأريخا دقيقا للنكبة الفلسطينية، إنها رواية مليئة بالمفاجآت توضح أسباب النكبة وملابساتها، هذا العمل الروائي المبدع اختزال للوضع الفلسطيني..


ملحمة أخرى هي رواية "رحمة" توثيق يخرج من رحم العبودية للروائية توني موريسون الحائزة على جائزة نوبل للآداب لتكون بذلك أول امرأة سوداء تنال الجائزة، رواية شجية ومؤثرة، تعيدنا إلى المجتمع الأمريكي في القرن السابع عشر حيث تسود الطبقية والظلم والفقر وتجارة الرقيق والانقسامات الدينية والعنف والصراعات..
ذروة إبداعية هذه الرواية، عنيفة وقاسية، تنبش في تاريخ ما يسمى بأمريكا اليوم.. 


"عالم صوفي"، رواية حول تاريخ الفلسفة للكاتب النرويجي جوستاين غاردر، تعتبر المدخل الأساسي لهذا العلم.. أبطالها "صوفي أمندسن" فتاة الرابعة عشر التي ستصبح طالبة للرجل الغامض الفيلسوف "ألبرتو كنوكس"..الجزء الأكبر من الرواية قائم على الدروس الفلسفية بدءا من الفلسفة اليونانية قبل السقراطية وصولا إلى الفلسفة الوجودية الخاصة بسارتر..
بعيدا عن تعقيدات المواضيع الفلسفية، عالم صوفي رواية تحملك إلى البحث والتنقيب لمعرفة الإجابات عن العالم.. إنها رواية تجعلك تفكر..

هديتين ثمينتين تلقيتهما، رواية "ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود السنعوسي والحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) ٢٠١٣ ورواية "يا مريم" للروائي والشاعر العراقي سنان أنطون والحائزة أيضاً على جائزة البوكر العربية لصنف القائمة القصيرة ٢٠١٣..


أما "ساق البامبو"، الرواية التي طرحت مشكلة الهوية في الخليج العربي ومشكلة العمالة الأجنبية بقوة وعمق وبأسلوب سلس بسيط، تحديدا في الكويت على لسان الراوي عيسى/ خوسيه، الإبن المشتت الانتماء، من أب كويتي وأم فلبينية، جاء على لسانه: "لو كنت مثل شجرة البامبو.. لا انتماء لها.. تقتطع جزءا من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، في أي أرض.. لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد.. في أرض جديدة.. بلا ماض.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت.. أو بامبو في أماكن أخرى"

هذا ما كان يريده بطل الرواية، هوية كساق البامبو، نبات بلا ذاكرة يتأقلم في أي مكان.. 


"يا مريم" ، عراق الحزن والمآسي التي لا تهدأ، معاناة الأقليات، رواية تحمل رؤيتين متناقضتين لشخصين من عائلة عراقية مسيحية، جدال بين ذاكرة الماضي والحاضر تجسدها شخوص الرواية.. يوسف، الذي يعيش فصله الأخير ويرفض الانسلاخ عن ماضيه وترك بيته الذي عاش فيه زمنه الجميل والذي يعتبر الحاضر غمامة ستنجلي وسرعان ما سيعود عراق الأمس بسلمه وأمانه.. ومها، الشابة التي عصفت بها الحروب الطائفية وفقدت جنينها وتشردت عائلتها، تغرق في آلامها وتتيقن أنها في زمن لا يحيا فيه الهلال مع الصليب، فتنتظر الفرصة لتهجر وزوجها العراقَ لبلاد أقل دموية..

عراق كان وعراق لم يعد.. وما بينهما تثار كل أحرف التساؤل..


رغم عدائه السافر للنساء وفلسفته المؤذية لهن وتحذيره من اتخاذ المرأة صديقا لأنها لا تصلح سوى للحب، وأنها مجرد لعبة للرجل ولا هدف منها ولا مهمة لها سوى الولادة،  وأن هدف الزواج ينحصر في إنتاج الإنسان المتفوق..
إلا أنني قررت نبش مضامين الرواية الفلسفية "هكذا تكلم زرادشت" لفريديريك نيتشه التي قيل عنه في هذه الرواية أنه كان شاعرا أكثر منه فيلسوفا..أربعة أجزاء تسلط الضوء على تأملات زرادشت، الشخصية المستوحاة من مؤسس الديانة الزرادشتية..

يظهر جليا تأثر نيتشة بنظرية الإنسان المتفوق التي بنى عليها نظرياته الأخلاقية، ففلسفته في مجال الأخلاق هي السائدة في الكتاب حيث يعتبر أن الإرادة هي من تحدد اتجاهاتنا واتجاه الحياة نفسها وأنه ينبغي أن نفعل الفضيلة لأجل الفضيلة ولا ننتظر ثوابا عليها كما يعتبر الجسد هو العقل الأكبر ويجسد الواقع بنزعة عدمية تشي بأن العالم كله بما في ذلك وجود الإنسان عديم القيمة وخال من أي مضمون ومعنى حقيقي، فالعدم عنده هو الوجه الآخر للوجود ولا مخرج سوى "تحرر الأنا والدخول في نيرفانا الفناء"..
{النيرفانا في البوذية هي حالة الخلو من المعاناة}


"حكام مكة" للكاتب جيرالد دي غوري، فصول ستة عشر، تخرج منها بكثير من الأضداد والحقائق والالتباسات والغرابة.. بدءا بنشأة مكة وحكامها الأوائل مرورا بالحرب ضد الوهابية في وسط الجزيرة العربية من (١٨١٣-١٨٤٠) وحتى عهد "الرفيق عون"، بعدها يضع الكاتب بين يديك الحقبة الزمنية كاملة من (١٨٨٢ - ١٩٢٥) .. 
التبس علي الأمر ولم أستطع إبداء رأي في هذا الكتاب، ربما توجبت علي قراءات أخرى..


صاحب الهدايا الثمينة أكرمني بكتاب ثالث.. "يوم الدين" للروائية اللبنانية رشا الأمير التي اتخذت بطلا لروايتها إمام مسجد وحبيبته المرأة الحرة المثقفة.. لم أفرغ من قراءته بعد.. لكن التساؤلات التي يثيرها حول المرأة ومسألة الخطيئة ومعناها والرؤية الجريئة التي مزجت فيها الكاتبة الدين بالسياسة والعشق والجنس واللغة تنبه حواسك لتكملة هذه الرواية التي أثارت جدلا كبيرا عند صدورها..

هذا كل ما ترسب في جعبتي هذا العام، وعدتني أن أضاعفه العام القادم.. حتى ذلك الحين، قراءة ممتعة لمن استهوته بعض الالتقاطات..

17 أكتوبر 2013

غريبة..

21 تعليق


الحنين ضمأ البدايات إلى فرح سابق حوله المنفى لجنة موعودة من مفردات..

يأمرك المنفى فتنصاع، وتتسع الذاكرة لقلب حائر علق بين زمنين في رحلة التيه، بين هواء فاسد ورائحة البخور والحناء.. وبين الشرفات وظل البنايات، تتدرب على إخفاء الحنين، وللحنين رائحة تؤكد التباس الكون، ترصد تقلبات الخريف، خريفك الخاص.. خريفك أنت..

إيقاع غريب يطبع صورة في المخيلة، حين تباغتك رائحة التراب وجذوع الأشجار وأنين الناي، نافورة البيت والصحن الوسطي وطلاء الجدران، رائحة البحر والنباتات البرية والدخان، مذاق السنبلة وحنفية الماء.. وتر العود المتفشي في الدروب الضيقة، حقول البن.. والأحلام الكبرى التي تعثرت في طريق المنفى وأنت تحاول لملمتها وحمايتها من التلف..

تفض الرسائل القادمة من بلادك البعيدة على عجل لتبرهن لنفسك أنك جدير بالحياة، لا تعرف إن كانت رحلتك تبدأ أم تنتهي أو أنك ستستطيع اجتياز الوجع بنجاح، لكنك تروض المسافة بين الغياب والغياب، ينام فيك الصبي وحيدا تحت المطر بلا مظلة، لا أنت سعيد ولا أنت حزين، تبحث عن بعض العاطفة بين الجسور والبنايات العملاقة.. تحن إلى أرضك الأولى.. إلى نداءاتك الداخلية.. وإلى الكتابة..

تشتهي أحلاما من ورقٍ.. كأن تأخذ قيلولتك تحت حاكورة التين، أو تخيط ملابسَ من قش لعرائسَ من خشب، أو تذهب مع أصدقائك إلى الحقول المجاورة، فتمتلأ بالأصفر والأخضر والأحمر والبني وتتشبع بالألوان ملء البصر.. يصيبك وجع الذكرى بعدوى البكاء، فتصحو على صراخك المثخن بالدموع.. وتراها بداخلك تمطر..

تعود القهقرى..إلى واقعك، إلى صورتك المنعكسة في ماء النهر، إلى سطو الغيم والوجوه الواجمة، إلى البنايات الشاهقة والقهوة المعلبة، إلى أنين السماء واشتعال البرق، إلى زحمة السيارات والأشجار التي تخلت عن زينتها.. تحدق في زهرة غريبة نبتت على حافة الجسر.. إنها تشبهك.. وحيدة.. تدير ظهرك لها..تعود إلى نفسك كامل النقصان وقد أفرغت حمولتك الزائدة..

31 أغسطس 2013

أنا والحزن.. وحيدين

20 تعليق


أنا لا أملك غيره، حين يستحيل البقاء على قيد العروبة، حين توجعني رقعة الدم التي تتسابق لاستعراضها شاشات الأخبار، حين يلفظ هذا العالم المضاد للحب أنفاسه الأخيرة.. حين يغوص في صدري ألم لا أقاومه.. حين تصير أوطاني كشارع فرعي تدب فيه الشمس خجلى من كبد السماء..
ليس هنا.. لكن في البيت نسخة إضافية من زجاجة عطره..

في الهزيع الأخير من الليل، تمضي الساعات رتيبة لا تعرف الرحمة، دمعتين منحدرتين مني تنزلان دافقتين، شعور عارم بالخرائب يطيح بي.. تماما كما يفعل غيابه..

الظلمة محتدة وأنا أتحصن بعزلتي، تزحف ذكراه وأحدثها عن حزني، تحتشد بداخلي،  أتحسس في جوف قلبي ما علق منه، أغوص فيه وأنسى ما دونه، وأترقب ما يخبئه لي هذا الليل الأليل من أخطار.. يبعثر توالي أفكاري، ويخرجني من انتظامها إلى تيه ذهني..

أُفرغت السماء من الألوان وامتلأت بالرمادي الحزين تودع قوافل الراحلين، اخترق الخنجر صدر المقاتلين وهم يلوحون بشارات النصر ..
وبقيتُ أحصي المواجع المترسبة من بقايا أصابعهم المبثورة، أختلس النظر إلى نفسي وأقيس المسافة بين عمر اللقاء وعمر الوداع..

أأشفق على أوطاني أم أشفق علي لأني ارتكبت جرم الحلم بعالم أتنفسه بملء رئتي وكامل حواسي، عالم مربكة قضاياه الجميلة لا تسقطنا فيه سوى انتصارات الحب وقبلة عابرة للقارات.. منكسة الرأس، أدخل في نوبات صمتي لئلا أقضي قهرا من عبث الأسئلة والتمني..

بتلويحة يد من حاضري، أعود إلى حيث توقف بي الحبر، إلى هاوية وقعت فيها، أتعلم أن أثق بالقدر، أو ربما أحاول أن أكون الكائن الآخر الكامن فيّ، أكتب لأزيل الثقل عن روحي، وهذا الضيق الجاثم على صدري أبحث له عن هدأة تطول، وعن شرفة تطل على بداية أشهى.. وأكون.. كما لم أُرد أن أكون..

أترك أوجاعي إلى الحنين إلى ما سواها، إليه، إلى ذكراه التي لا تغيب، وعطش الكلمات إلى الحوادث الجميلة التي أحدثها حضوره، إلى زمن لا ألم فيه.. إلى فرح قديم يخرجني من نفسي ويدخلني إليه.. 

19 يونيو 2013

الصمت الشريد ..

8 تعليق


يزعجني ضوء النهار، فأنتظر هدأة المساء في ليل مترامي الحزن، يغالبني الوسن وأقاومه، كما أقاوم شظايا بنادقهم المتفشية في الصدور وفي الطرقات وشاشات الأخبار، تفصّدني رائحة الموت، تجرني إلى تيه ذهني استهلكت فيه احتياطي العقل، تطن أصوات بداخلي لا صدى لها، أتكوم على نفسي ليهجع صراخ الصبي، وحين يرتفع ذويه ويشتد وطأة، ينسال خيطان من الدمع على وجهي.. أنكمش على ذاتي.. وأحتقرهم..

عيوني شاخصة إلى زمان غير الزمان، تغيرت أشجار المكان ونوارس البحر وذكرى الغائبين والعبارات على دفتر الليل، وبقيت مناديل أمي في هذا الخواء تطل على جسدي الخائف وهو يفرغ حمولته الزائدة، ويطرد الكائنات الواقفة على صدري، نصبتُ الخيام على سطح قلبي العالق بين الأنات، حملتُني عبء الحاضر وتركت الغد يحمل في حقائبه خيباتي المكدسة، وتلك الريح، هي الان غير التي صادقتها، تسير في جهة مبهمة.. وأنا غيري..

ثمة شيء يكسر أجنحة الكلام في هذا الليل الداكن كأمسي، الخافت كأضواء معبد، المتناقض قليلا، المتناقض كثيرا، أقايضه بمكرمة وأفاوض آلهة المساء لتأتيني بنهاية لا تشبه البداية وبوجود لا يشبه العدم، لئلا أقع في شرَك الحلم مرتين..
أعيد تكوين المسافات لأبرأ من صهيل الأرض، لأشعر بضجر الأحياء ونشوة الموتى وهديل الحمامات وظلال الأمكنة وبكاء الغيمات وسيوف الغزاة وقهقهة الريح وضحكة الوديان وفاكهة الحياة.. ولا أشعر..

لم يتركوا لي سوى ذاكرة تسافر فيها النوتات الحزينة على عجل وقلب تحجر على الإسفلت، 
وحيد يركب بحر الرماد ويحمل تابوته بيديه مشدود في جرح الليل إلى مراثي الغائبين..
وعلى جبهتي حلم أبيض وغزالات تركض خلف الشفق الأحمر تنام فوق رموش الغيمات، ونظرة متعبة تهز بعنف جرح المدينة.. 

أغطس في زحام الذات، أنفض الدخان عن رئتي، أجتاز سردابا من وساوس، تتعرى أمامي الأغنيات الزائفة، تمتلأ صحرائي بالغمام وتطفو كل الجروح الصغيرة، ندبة ندبة، أدق على باب الفجر لئلا يجهض الورد.. ورغم كل الموت.. أرفض أن أموت..

02 يونيو 2013

بلنسية وأحزاني..

9 تعليق


يا أندلس جئتك وما في قلبي طرب
افتحي ذراعيك فقد هدني التعبُ
لا الزغاريد ولا الحناء..
ولا ارتكاب الشِّعر..
ولا دق الدفوف..
ولا بطاقات السياحة تجذبُ..
لا أزرق السماء والبحر..
ولا غواية السُّمر..
ولا بساتين النارنج أشتهي ولا عنبُ..

أيا أندلس عذرا جئتك باكيةً
وأنت مذبوحةٌ..
لا جيادٌ ولا سيوفٌ ولا وترُ..
وجعك عند أسوار المدينة يجره وجع
يفيض معينك ولا في العلياء مطر ولا سحبُ

اغتسلي بدمعي حين ينشق في الصدر قمر
وارسمي على جبيني أحلاما ملونة
ليهدأ على حافة الروح الصخبُ
يا أندلس أشكوك السواد الذي يمشي ملكاً..
وعينان في حجريهما لؤلؤ يلمع..
يا بلنسية دعي أبواب خاناتك مشرعةً
ووسعي ضفاف المتوسطِ..
على أرض شاطبة..
لينطفأ في صدري اللهبُ
 

04 مايو 2013

إسطنبول.. مدينة التلال السبع وعاصمة الإمبراطوريات الثلاث

29 تعليق


"لو كان العالم كله دولةً واحدة، لكانت إسطنبول عاصمتها".. هكذا قال نابليون بونابرت وهكذا سأقول أنا..

على مضيق البوسفور تنام المدينة بين قارتين، تقف بينهما أعلى الجسر شامخة تروي حكاية الإمبراطوريات الثلاث، يحتضنها القرن الذهبي، تصير لؤلؤة حين تهبط الشمس على الماء فتتشكل هالة من قداسة تلف هذه المدينة الخرافية الحسن..

للمدن ذاكرة لا تنسى، ولنا في العمر لحظات لا نعرف كيف نفسرها ولا كيف نقبض عليها، تسكننا الأماكن وتمتلأ صدورنا بالألوان، تكون قريبة منا كظلنا، كابتسامة هاربة تنزلق بين الشفتين، تتقاسم معنا وحدتنا وتخمد حرائقنا الداخلية فيغدو حس الحياة أقوى وأجمل..

بعيدا عن الحياة الباذخة التعب، أغمضت عيني المثقلتين برائحة الملوحة وبدأت أحصي دقات قلبي وأصغي لصفيق الأمواج دون مكابدة، الشمس رائقة تخفي تكدرها، أقرأ الدهشة في عينيها قبل أن ترميني بعيدا، ألقي بصري إلى عرض البحر، وأتبع المراكب إلى أن تفرغ حمولتها.. وقفت احتراما للمدينة.. لسيدة الجمال والأمكنة..

في غير حالتي الطبيعية وفي لحظات انتشاء، كنت أقيس أعمار الدروب والأزقة الملتوية والشوارع الخلفية، الدكاكين الصغيرة والباعة المتجولون والراجلون يعزفون على إيقاع واحد، زوايا أنيقة يغطيها سجاد وزرابي مفعمة بالألوان غطتها الظلال تربط الماضي بالحاضر..

طقوس هذه المدينة على قدر كبير من الغرابة ألهبت مشاعري، تشرع لك كل الأبواب الموصدة.. القبب والمآذن والمساجد والكنائس والقصور والأسواق والروائح والألوان ، تخفف شطط المنفى، تعيد الماضي ركضا وصلات متتالية، وتجعلك عاجزا عن الكلام، حقول الخزامى على امتداد البصر لا تنتظر طويلا كي تزهر، تبدو وكأنها عرس من ألوان.. 

كانت عيناي مركزتين على مدينة لا تحتاج وثيقة عبور لتحبها، غطست بملء إرادتي في التفاصيل الصغيرة واكتشفت أن قربي منها يزداد كثافة وأنني أتخلص من أثقال الحياة وأسافر في سماوات لا يعنيني بعدها ما يحدث على الأرض.. لكم أغبطني على هذا الصفاء وعلى هذه الفتنة الغير مسبوقة..

في لحظات سلام داخلي كنت أسمع صوت "لامارتين" وهو يردد: "هناك الإله والإنسان، الطبيعة والفن، كلها اجتمعت لتصنع هذه المدينة الرائعة، إنها فعلا تستحق أن تُرى"..

20 فبراير 2013

همهمات في جوف الليل

16 تعليق


على وقع خطى الأيام الرتيبة، أخرج عن حظيرة اليقين في جوف الليل، تباغتني زحمة الأفكار ولا أمسي أفكر في شيء، أستفيق من إطراقتي الطويلة لئلا أموت صمتا، أرمي بصري بعيدا وأغرس عيني المسبلتين في الأفق اللامحدود، أسبح في الفضاء كذرة ضائعة.. كما أشتهي أن أفعل حين لا أجد إجابة..

أهوال يأتي بها المساء لا قِبل لي بها، ولا حيلة معها، عاتية كالبحر لا تمنحك مهلة للتفكير،  يتقلب القلب، تختفي الملائكة الرحيمة، يجثم فوق صدري وجع يتدفق إلي في غفلة مني، أُحملني هذا الهواء الثقيل، وأحاول في غفلة من الحياة أن أجتاز منطقة الألم بنجاح..

أقبض على واقعي، أنتشل فكري العالق بين الصحو والحلم، أحاول ترتيبه درجا درجا قبل أن يحول بيني وبينه الموج، وأبتعد عن هزائمي الصغيرة والكبيرة ما استطعت إلى ذلك سبيلا..
أسير غائبة عني، أنفث غبار الأسئلة، يصمت داخلي إلا من بعض الهمهمات، أرشو القدر ليزيح بعض الثقل عن ذاكرتي، ويوقف زحف الزمن.. فأنا لا أريده أن يكبر أكثر وأكثر..

فجائع ذائعة الصيت تحوم حول خاطري، متلهفة إلى موعد مع الحياة، لا يأتي.. خجولا كأشعة شباط حين تفض عذرية الستائر في استحياء.. إنها إحدى صفات الليل، حين يوشح الباطن بالسواد.. قد يحدث ويكون له فعل كالسحر، يجلب الحياة إلى ضفتيه ويدعك تمارس لهفة الحنين في أمسية رائقة، ويحدث أيضاً أن يكون باردا وجافا، يتقمص دور الصعاليك.. يأخذ منك كل شيء، ويترك لك وسنات خاطفة يرش بها أهدابك على وسادة المساء..

لماذا تتركني أيها الليل لعصف الظنون ولا تأخذني غمرة النوم، طويلا كان أم قصيرا.. لماذا هذا الخلاف الثائر بيني وبينك.. لماذا تلهث ورائي منتشيا وكأنك ظفرت بغنيمة.. لماذا لا تغسل بالماء وجعي.. لماذا تجهز علي بميراثي الثقيل من الخيبات؟!..

هلا فككت ضيقي؟.. قل لي: لماذا خطاياك كثيرة ؟

11 فبراير 2013

نشيد يتمدد على جسد الأرض..

8 تعليق


أعرف زائر المساء من خفقان القلب، حين يأتي إلي هادئا، يبعد طنين الانتظار عن شرفة البيت ويحرس غفوتي التي تخطفها في غيابه رغبة البكاء ورعشة الحمى..
يأتيني خفيفا ناعما، يعطيني عمرا لترميم الخرائب التي خلفت ألما يفجع وشعورا خارج منطق الأشياء وكمائن الشوق وبهجة الاحتراق..

تبدأ الحياة بين يديه.. يأخذني إلى نفق في المجهول لا يتسع إليه قلبي الحائر، أمر أمام حلم هارب، أمشي في زمن بلا ذاكرة ولا حزن ولا فرح ولا هواجس، أسير إلى حيث يأخذني ولا أبالي، أحملق في السماء البعيدة والأيام الطويلة التي لا تنتهي..

أتبع ظل العاشقين وأحمله معي، غارقة فيه وخائفة منه في هذا الصمت الزاحف بين زمنين، تسبق خطاه خطاي، أعبئ اسمه في قلب امرأة مسافرة على ريح تخفي عواطفها في حقيبة السفر حين تتملص من المعاني بين الدفاتر، وحين تفر الاعترافات من سرير المساء، وتغلق دائرة الحزن..

أرنو صوب قصائده وأصاب كما اللغة بدوار البحر، أحاول فهم القصيدة، أصدق تاريخ الولادة  وأقبض على الجمل المستعارة وأضع ثقبا يتسلل منه الضوء كلما عسعس الليل، هذا الليل الكثيف البياض.. لا يتركني أحيك قصتي ولا أنا أترك للفراغ مكانا للحلم..

أرحل في خلاياه وأمشي في اتجاه الموج الأزرق، أمتلأ بالهواء الشهي وأنشد أغنيتي الأولى بين الصحراء والبحر، أترك الأرض تكمل بهدوء دورتها وأستحضر ما علق من نوتات وأدع اللحن يتمدد على جسدها..
يسحبني من بقاياي، نطيل المساء على الجسر، يرمي بحبات القمح لتلتقطها في السماء العصافير، يوقف صهيل الكلام، وأوقن أنه يحميني من خيباتي الأخيرة ومن أسئلة الوجود..

إنه نشيد السماء ونشيد البحر والأزرق الذي يمشي بينهما، يخرج من ضلعي ويواصل رقصته على أوتار القلب وظلال المدى، يمزق سرب الكلام عند أعتاب المدينة الواقفة، ويأتيني كالسيف يقطع كل البدايات.. وكل النهايات..

20 يناير 2013

مكتبتي لعام ٢٠١٢

13 تعليق


من العتاب ما يذهب الكسل.. فإليك سناء حفنة الكتب هذه.. وإلى كل المارين من هنا..

تأخرت وما نسيت، لكن الوقت خذلني، وها أنذا أعود ببعض ما علق في ذاكرتي، فلكل عشاق الكتب أهدي هذه المجموعة..



"موت الأبد السوري"- شهادات جيل الصمت والثورة- للكاتب محمد أبي سمرا، يعرفه صاحبه بأنه يروي شيئا عن موت الأبد في سورية ليصير لها تاريخ وليتمكن السوريون من روايته، وجدته غنيا ومتعبا ومؤلما وفيه من التفاؤل الكثير وهو يحكي فصولا من حقبة قال عنها رمادية وأقول سوداء من حياة السوريين بعد مجزرة حماة في العام ١٩٨٢، وعن خروجهم من نفق الخوف وانبثاقهم من عمق القهر ليشعلوا ثورة ضد الصمت لازالت مستمرة حتى الآن..وقائع وحقائق وشهادات تثير الدهشة..


قرأت لواسيني الأعرج رواياته "البيت الأندلسي" و"شرفات بحر الشمال" و"سوناتا لأشباح القدس"، هذه الأخيرة التي تجسد الوجع الفلسطيني من زاويته الإنسانية في شخصية "مي"، الفنانة الفلسطينية التي غادرت أرضها قسرا عام ١٩٤٨ وعمرها ٨ سنوات بهوية مزورة تجاه أمريكا، تفرض نفسها كفنانة تشكيلية مرموقة إلى أن يداهمها السرطان وتستيقظ فيها تربتها وأشباحها الخفية كما يقول الكاتب، وتتمنى العودة إلى القدس لتموت هناك، ومع استحالة مطلبها توصي قبل وفاتها أن تحرق ويذر رمادها فوق نهر الأردن وفي حارات القدس، وتدفن عظامها في أمريكا حيث يقيم ابنها "يوبا" ليتمكن من وضع ورود على قبرها كل يوم ثلاثاء.. إنها الملحمة، الملهاة.. والشتات الفلسطيني..


روايتين رائعتين، كتبت عنهما بإسهاب في تدوينتين سابقتين، "اللوح الأزرق" و"ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان" للكاتب جيلبيرت سينويه.. لن أعيد سرد فصولهما لئلا أكرر ما قلته، وبإمكان المتابعين الأعزاء الرجوع إليهما..


وصلتني المجموعة القصصية "ميرميد" من القاص الصديق ناصر الريماوي، هذا الكاتب الجميل الذي يضفي على القصة روحا مختلفة تحقق لنا عنصر الإبهار بأسلوب يخرج عن النمط التقليدي للقصة، وأعيد هنا ما قاله الشاعر والناقد علي شنينات عن هذه المجموعة " يقدم ناصر الريماوي بشجاعة الواثق إبداعا متجددا وفي هاجسه أن العملية الإبداعية هي خلق وتجديد وطرق أبواب جديدة من حيث الشكل والمضمون في بناء القصة وليس الوقوف على الراكد والخنوع للتجارب السابقة ".. فشكرا لناصر على عنصري التجديد والإبهار..


أعارني صديق كتابا جميلا للكاتب والشاعر المغربي جمال بدومة بعنوان مغري "كيف تصبح فرنسيا في خمسة أيام ومن دون معلم"، هذا الكتاب ذو السخرية اللاذعة يسرق منك ضحكات مجلجلة في عمق الوجع، ويجعلك تصل إلى قلب المعنى دون جهد بليغ، يحكي يوميات طالب مغربي هي يوميات السواد الأعظم من الطلبة المهاجرين في باريس، المدينة الخرافة وقبلة الحالمين بجنة لا تتجاوز حدود المخيلة، يصطدم بواقع أشد بؤسا مما رسمته أحلامه في رحلة البحث عن أوراق الإقامة والكفاح المتواصل في بلد المساواة وحقوق الإنسان..
الكتاب أكبر من قصة طالب مفلس، إنه صراع النفس الإنسانية في رحلتها مع الحياة، صراع بين الشرق والغرب، بين الوطن بتقاليده وتناقضاته وقسوته وبين المهجر وثقافته ونزعته الاستعمارية.. إنه تصحيح للأفكار المغلوطة المتوارثة على مدى السنين..



قرأت أيضاً سلسلة "علمتني الحياة" بأجزائها الخمسة للدكتور طارق السويدان، يناقش فيها مسائل حيوية في حياة الإنسان ويصحح مفاهيم مغلوطة ويحاول أن يضخ في القارئ دماء جديدة تفتح له آفاقا للنجاح انطلاقا من مفاهيم وتجارب شخصية وأفكارا ودروسا علمته إياها الحياة..


غسان كنفاني بكتابيه الصغيرين "عائد إلى حيفا" و "رجال في الشمس" يعيد الصوت الفلسطيني إلى الواجهة ويعيد النظر في مفهوم الوطن، وضرورة الخروج من الموت الفلسطيني كما يسميه نحو صناعة مستقبل لا  تستند ركائزه على أنقاض الذاكرة.. هذين الكتابين باذخين بقدر وجعهما..



يستهويني فكر الدكتور علي شريعتي، قرأت له "الإمام السجاد أجمل روح عابدة" و"محمد خاتم النبيئين" و"الأمة والإمامة" و"النباهة والاستحمار".. فكر قد يعارضه السنيون، لكنه موسوعة من الأفكار الضخمة..


قرأت أيضاً لربيع الجابر روايته "دروز بلغراد" الحائزة على جائزة بوكر العربية للعام ٢٠١٢، حكاية "حنا يعقوب" بائع البيض، صاحب الحظ العاثر الذي ستنقلب حياته رأسا على عقب والذي سيمضي أعواما من عمره حبيسا بلا جرم في أراض غريبة جراء تواجده في المكان الخطأ في الساعة الخطأ !!.. رواية تحبس الأنفاس، أنصح بقراءتها..


كان لي موعد مع كتب مالك بن نبي المحفزة، فكره الذي يسعى للنهوض بالأمة ورفعها من كبوتها، يجعلك تستحضر جميع حواسك وتعيش عمق مشكلات الحضارة وتنعم بحلوله المتغلغلة في الأعماق.. قرأت له "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"  وكتاب "القضايا الكبرى"..لو نظرنا إليهما بعقول ناضجة لوقفنا على منغصات الحضارة ووجدنا لها الحلول..


جاءت أحلام مستغانمي بروايتها "الأسود يليق بك" لتروي لنا بحبكة ذكية قصة فنانة جزائرية قتل الإرهابيون أخاها ووالدها، تلبس الأسود ولا تخلعه، تعرضت للتهديد جراء نشاطها الفني، هاجرت إلى الشام رفقة والدتها السورية، وعاشت حياتها كفنانة..يلقي القدر في طريقها رجلا ظنته فارسا من زمن لم يعد، عاشت معه قصصا خرافية في رحلة من ألف ليلة وليلة، هذا البطل اللبناني الباذخ الثراء حاول ترويض مهرته فخذله حدسه وخانته ثروته..
في هذه الرواية نستخلص عبرا كثيرة اجتماعية وسياسية ودينية نسقتها الكاتبة بلغة سلسة أخاذة..

أظنني أطلت عليكم بما يكفي، وسأكتفي بهذه الكتب التي تحضرني الآن وآمل أن تستسيغكم فهي تستحق التوقف عند عتبات صفحاتها..

06 يناير 2013

ماذا بعد الحب !

11 تعليق


كل شيء خال من الحياة، الجو بارد، الأوراق المبللة تناثرت على أرصفة الحي اللاتيني، رائحة الشوق تملأ الأمكنة وعرس من الألوان زين سماء المدينة وحواف الجسور، أضواء نهاية السنة تتلألأ غير آبهة بنقرات المطر، نوتات هاربة توقظ حنيني إليك على مرأى من نهر السين، تعطي لحياتي كل المعاني، وفرح مؤجل يوقد في عينيّ كآبات صغيرة..  

بيتنا المسروق من الورق يخبئ وطنا جميلا داخل اللغة وحروفا مرصوصة في عمقها لغم خفي خارج عن كل منطق، كجنون لن يتكرر يوما، كلحظة البدايات المحفوفة بالمخاطر الكبرى وباحتمالات النجاة واحتمالات الموت، كشعور قوي يعاند ليستدرج القدر لإخماد براكين ملتهبة خرائبها تزداد كل يوم اتساعا..

ضائعة وسط هذه المدينة الغريبة الأطوار، سعادة مفجعة تنزلق من بين أصابعي وأنا في أقصى درجات الخوف من قدر مباغت يعبث بي، قدر ناصبني العداء ومنحني حياة واحدة، ولكنها لا تكفي..  

غبش المطر يقرع نافذة الليل، وأنا أبتعد قليلا، أنسحب بهدوء من ذاكرة الأشياء الجميلة وهبل يقودني إلى حيث لا أدري، تنكفئ علي أوهامي المثقلة بعطرك وبملامح تنبض في غيابك وبفرح مستبد طولا وعرضا.. أأرافع طويلا أمام هشاشتي الملتبسة وأكسب القضية بلا خسارة في مادة الحياة ؟..

يلف البياض ذاكرتي وأنا أبحث عنك للكتابة، حالة مؤذية أحاول أن أقبض فيها على حلم هارب يخلف هزائم عميقة قبل الأفول.. توجعني الأشياء الجميلة، فهي تنهينا بسرعة الألغام القاتلة، مخلفة إيانا كومة من رماد ومجرد أمنيات معلقة في الفراغ..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More