04 مايو 2012

اللوح الأزرق

17 تعليق


"هل القدر هو من يوجهني إلى بلاد أدمنتها وتسكنني أم هي حواسي تسوقني إلى ربوع الأندلس حيث تختلط في وصفها العبارات" ؟

انتهت الصفحات الخمسمائة وإثنين وستون، وبقيت أتفكر في العبر التي جاء بها الكتاب ..
المكان إسبانيا والزمان إبان سقوط الأندلس وتناحر ملوك بني الأحمر على السلطة واقتتالهم في سبيل المجد الزائف الذي سيفتك بغرناطة، آخر المدن الأندلسية الصامدة ..

ما كنت مخطئة هذه المرة أيضاً حين اخترت كتاب اللوح الأزرق لجيلبيرت سينويه، فقد تركت رواية ابن سينا طابعا عميقا في نفسي جعلتني أبحث عن مفاجأة أخرى لذات الكاتب.. فكان اللوح الأزرق ..

هذه الرواية تبين الثقافة الواسعة للكاتب واطلاعه على الأديان السماوية الثلاث، فما تحمله من آيات قرآنية وأجزاء من الإنجيل وما جاءت به الثوراة تجعلنا نصفق له تقديرا وإعجابا.
تجسد الرواية فترة كانت الأشد مرارة، حيث سقطت الدولة الإسلامية في الأندلس، وغرناطة صارت قاب قوسين أو أدنى من الضياع، كما ظهرت محاكم التفتيش في إسبانيا ونقض ملوكها عهودهم باحترام باقي الأديان، أما حملات التنصير فعلى أوجها، تدعمها الكنيسة والملكين فرديناند وإيزابيلا..
هذه الفترة كانت عصيبة على المسلمين كما كانت على اليهود، وقد أرخ التاريخ فيما بعد ويلات تلك الحروب والوحشية والتنكيل التي اعتُمدت مع غير النصارى، وابن برول، بطل الرواية، واحد من ملايين كانت تقتاد كل يوم إلى المحرقة..

من هنا كانت البداية، حين اقتادت محاكم التفتيش "ابن برول" بائع اللوحات الزيتية، الرجل اليهودي والحبر العالم وآخرين غيره من اليهود والمسلمين إلى المحرقة بتهمة الهرطقة والارتداد عن الدين المسيحي وممارسة شعائرهم الدينية خفية ..
ويُحرق ابن برول بعد أن ظل متشبثا بيهوديته رافضا تغيير ديانته لحساب النصرانية.

نهايته بداية القصة، حيث كتب قبل موته ثلاث رسائل لثلاثة أشخاص من ثلاث ديانات مختلفة، تحمل كل واحدة منها كلمات مشفرة لا تكتمل إلا بالتقاء الرسائل الثلاث، وذلك بغرض الوصول إلى اللوح الأزرق، لوح من الحجارة الكريمة يحمل سرا إلهيا، وحكما سماوية . 

لفك الشفرات التي قسمها بطل الرواية إلى ثمان قصور، يجبر الأشخاص الثلاثة وهم المسلم الشيخ ابن سراج واليهودي الحبر المسن عزرا والراهب الشاب المسيحي رافائيل فارغاس إلى التعايش بينهم لفك الألغاز المعقدة وتتبع الإرشادات رغم اختلافاتهم العقائدية، فتبدأ رحلة البحث المضني ما بين غرناطة وطليطلة وسلمنقة ومدن أخرى أندلسية عن العلامات التي قد تحمل معنى، قبل أن يسرق خادم ابن سراج أوراق سيده وتسقط في أيدي محاكم التفتيش، لتُرسَل بذلك مانويلا، صديقة الملكة لاقتفاء أثرهم وتندس جاسوسة بينهم، لكنها سرعان ما تنبهر بسعة علمهم وتتخلى عن دورها في الدفاع عن الشر الذي ما ارتضته يوما وتتأكد من حسن نية الرجال الثلاثة..

الرحلة نحو اللوح الأزرق وعرة ومحفوفة بالمخاطر، لكنها لقنت الثلاثة رغم اختلافهم دروسا وعبرا ليست بالهينة، واتفقوا على الوحدة في سبيل قضية سامية ما كانت لتكتمل لولا تضافر جهودهم مجتمعين..

سأترككم تكتشفون خبايا الكتاب، لكن قبل ذلك أوافيكم باستنتاج بسيط مفاده أننا مهما اختلفنا، واختلفت دياناتنا، لا يحق لنا  إجبار الآخر على اعتناق أفكارنا ومعتقداتنا، بل كل رسالة سماوية هي مكملة للأخرى، وعلى هذا المبدأ تنبني طريقتنا في التعامل مع الآخرين على أساس الحب والاحترام والتسامح بكل ما تحتويه هذه الكلمات من إنسانية .

17 تعليق

قوس قزح يقول...

رواية يبدو انها رائعة يا أمال .. وسوف أحاول الحصول عليها و قرائتها لأن ذلك التاريخ يشدنى كثير لما فيه من الغموض والأسئلة التى دائماً أسألها لنفسي ..

تحياتى لك أيتها الراقية

Ridha Azzabi يقول...

قلم يفرض نفسه و جدير بكل احترام ..أسلوبك يقودنا الى جنّة القراءة بسلاسل الترغيب ..
.. حظ سعيد ..

Days and Nights يقول...

الأخت الغالية والعزيزة/ أمال

دائما وأبدا أسعد بتواجدى هنا

أفرح بقرائتى لكل حرف مما تكتبين

أستمتع بالتنزة بين دروب مدونتك

أشتاق إلى ذلك الأسلوب الرائع

أدعو المولى عز وجل لكى بالتوفيق والسعاده والرضا

دمتى بكل الود

تامر

عطر البنفسج يقول...

شوقتنا فعلا لهذه الرواية الواضح انها تحمل الكثير من صور الانسانيه والاحترام لكل شخص مهما تكن ديانته خاصة انها ترسم لنا الكثير من الامور الغامضه التي نجهلها حول بلاد الاندلس
انا من المعجبات بقلمك واحساسك الجميل في التعبير
وفقك الله

عطر البنفسج يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
ابتسام يقول...

حرفك بليغ المعنى والمضمون تكتبين بإحساس مرهف وقلم من ماس
كما يبدوانها رواية رائعة لكن الاروع اسلوبك الراقي في سرد مضمونها وقد صدقتي غاليتي في قولك لايمكن للا نسان فرض افكاره ومعتقداته على الغير لكل واحد الحق في اختياراته ولكل منا حرية اعتناق ماشاء من الديانات والحمد لله ديننا دين الاحترام والتسامح مع الديانات السماوية الاخرى اللهم اعز الاسلام والمسلمين

دمت مبدعة لك مني ارقى واعطر واطيب تحية

atlassisabir يقول...

تحية عطرة أختي امال
اول ما شاركت في هذا الموقع طالعتني مدونتك الكريمة فكانت أول ما قرأته لقد قرأت مضامين ثقافية قيمة. بارك الله فيك وحقق كل ما تتمنينه في خيتك

www.kzblanka.com/vb/ يقول...

موضوع قيم

تقبل مروري

NooR alWa6an يقول...

( مهما اختلفنا، واختلفت دياناتنا، لا يحق لنا إجبار الآخر على اعتناق أفكارنا ومعتقداتنا)
اعجبتني هذه الجمله جداا..تحياتي لكِ ولقلمكِ الراقي وبكل تأكيد شوقتني هذه المقدمه لقراءة الراويه .. بارك الله بكِ اختي العزيزه

دمتي بحفظ الله

فهد الشمري يقول...

جميعنا نســعى للعيــش بســلام
شكــراً لكِ آمال على التطــرق الرائع
اســال الله ان يمن عليكِ بالتوفيق

http://www.ajeeb7.com/vb يقول...

سيدتي ..!
تستحقين ان تصِلِين إلى العـالم

أبو حسام الدين يقول...

رواية يتضح من خلال عرضك أنها جميلة وتستحق القراءة.
تحيتي لك أخت أمال

خالد أبجيك يقول...

رواية، يبدو من حديثك عنها، أختي أمال، أنها رائعة..

شكرا على هذه القراءة الطيبة..

كنت هنا..

ريـــمـــاس يقول...

صباح الغاردينيا آمال
صباحك جمال كـ ذلك الجمال والروعة بين روايتك
دائماً لكِ ذائقة مميزة في القراءة "
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

شكوإي يقول...

مششششكورة ..


http://www.shrhh.com/vb/

شات صوتي سعودي يقول...

مشكووووره

منتديات روقان يقول...

مشكوره ، والله يعطيكي الف عافيه
مميزه

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More