24 مايو 2012

ذاكرة أندلسية ( قرطبة )

18 تعليق


الأزقة ضيقة والدروب خاوية، لا لون للسماء، الغيمات مجعدة، الشرفات مغلقة والستائر مسدولة، أرنو إلى البيت الذي خلا من سكانه، أزهار صفراء يابسة تنظر إلي، أتفاداها، الصحن الوسطي جف منه النبع، والغرف التي تلتف حوله جفت منها الحياة..لا أسمع صوتا، لا أسمع صوتي، أتساءل عما يدور ببال الصمت..
يجيبني الصدى: إنه جيش مهزوم عائد من معركة خاسرة، يجمع أشلاء الخيبات في سكون الظهيرة على أنقاض مدينة الزهراء..أنتِ تبعدين بثلاثين كيلومترِ خيبةٍ عن قرطبة..

أمشي، الساحة خالية والمشهد ذاته، سكون رهيب، وأنا أكره الهزيمة، سأبحث عن شيء في اللاشيء..
مهلا أيها الانتظار، أَرْهِفِ السمع، شيء ما يأتي من عتبة دار المدنيات، إنه لحن زرياب يخرج من أسوار المدينة الخالدة..
تنفجر الموسيقى من بين أصابعه وموشحات لا عهد لي بها، رذاذ حنون يسقط فوق جبيني، أرتشفه، تسوقني الريح ويذوب اللحن الأندلسي في دمي..

أعبر قنطرة الوادي الكبير إلى ضفة جامع قرطبة، تحملني النسمات إلى الداخل على غير هدىً، يبتعد نظري إلى حيث أجدادي الموتى، أسير بين الأروقة، أنظر إلى قباب المسجد وأقواس الآجر الأحمر وقطع الحجارة الصفراء والفسيفساء والسقف والأعمدة والجدران المنقوشة باسم الله،  تلك اللحظات عصية على الإدراك، تنتهي بغلبة الشوق على القلب..
أضع وشاحي على رأسي وأصلي، تفاجئني عواطفي..شرسة، قلقة، غامضة، قنوعة، خائفة، راضية..
أتأبط ذاكرتي كيلا تقع، أبحث لنفسي عن مكان في فناء المسجد المغروس بالأشجار، تطير حولي الحمامات، أرقبها وهي تبحث عن شربة ماء من سقايات الجامع ونوافيره، أوجه بصري نحو المئذنة، أعود إلى عصر الخلفاء الأمويين، أستحضر أولئك الذين تركوا بعضا منهم.. ورحلوا.. 

أغادر وتبقى دمعتي عالقة هناك..

صفير الريح الهادئ يكنس الغبار عن وجه العابرين، وجوه شقراء باردة، لا تشبهني، متسارعة الخطى، تنظر إلى هذه الغريبة.. أي ريح حملتها إلى مكان لم يبقى من وجودها فيه سوى الأثر؟ ..
جرح ضخم ومفتوح كان ينزف وقتئد، وأنا أبدو ككائنة غريبة حكم عليها بالطرد قبل خمسمائة وعشرين عام، تمتمت بشبه كلام لم أفهمه، عيوني زائغة وحماسي غائب، لبستني حيرة لم أعتدها، وكأنني أركب سفينة المنافي مكلومة منكسرة، أستعد للموت البطيء داخل سفن الترحيل .. 

مر الزمن بطيئا، وأنا أبحث عن قصر الإمارة، وعن أحواض الرخام وصهاريج المياه العذبة التي جادت بها جبال قرطبة، عن أشجار الصنوبر الحلبي  ونوار الشمس وشجيرات الشام وحدائق قصر الرصافة، عن مسك الليل وأشجار الزيتون والكروم، عن الأسواق والحوانيت والحمامات.. وعن بقايا الأمير عبد الرحمن..
انهالت علي الأمطار، تضرب وجهي، تحجب عني الرؤيا، حبيبات الثلج الصغيرة تتساقط فوق جبيني، ولا أشعر وأنا مندسة تحت شجرة البرتقال الكبيرة، إلا بوخز في قلبي..

مرت علي لحظة غريبة، لم أعرف كيف أفسرها، كانت قرطبة الكون، وكنت لاشيء، وكل شيء.. عمت مسحة من الأسى ملامحي، نفضتها.. ومضيت..

18 تعليق

كريمة سندي يقول...

ما أروعة من تاريخ حافل للإسلام والمسلمين أعاد الله أمجاد الإسلام إليها فكم نبكي على حضارة ضاعت في طيات الزمن سلمت فكرك وقلبك وقلمك على هذا الشغف بحضارتنا العريقة تحية ود وتقدير

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

أتساءل عما يدور ببال الصمت..


اى رقى احساس واى مشاعر رائعة واى حرف وابداع دائما اسعد بمتابعته هنا !!!!

لن اتحدث عن مجد تليد وتاريخ مجيد ولى وعبر على صفحات الزمان ولم نعبأ به ولم نحفظه الا فى سطور الكتب واضعناه فى قلوبنا وفى حياتنا واصبحت سمات زماننا التهاون والخذلان وها نحن اضعنا فلسطين وهى اعظم عند الله من الاندلس

لكن ما يبهرنى ويروى ظمأ الثقافة عندى هو اسلوبك البديع واحساسك الصادق والعامل النفسى المشترك بينى وبينك وهو الميل الدائم والانتماء لحضارة الماضى وامجاده

احسنت اختاه وابدعت باذن الله

تحياتى لك بحجم السماء

ريـــمـــاس يقول...

مساء الغاردينيا آمال
مساء عبق برائحة الماضي وعبق الأندلس
مساء رائع بين طرقات ذاكرتك حيث تجولت هناك
وأستمعت معك لموسيقى زرياب وخرير المياة
نظرت إلى الماضي بين سطورك
وعدت خمسمائة وعشرين سنة لأرى الأندلس
في أسلوبك الرائع يامبدعة
للحرف والسرد من بين أناملك متعة حقيقية "
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
Reemaas

زينة زيدان يقول...

جميلة كلماتك أمال

اجمل من أن يصفها كلماتي أو أن يعبر عنها خاطري
لقد زدتني شوقا لبلاد سكنها اجدادي
وزدتني شوقا لتاريخ كتبوه بدمائهم وأضعناه بترهاتنا وجدالاتنا
وانشقاقاتنا...
وزدتني حسرة
وألم
وشعور مرير
ووهن
هزل منا الكلام
أوطان تتوه منا
نحن نمضي وفي كل منا قلبا مملوء بالانكسارات
نجود بكلمة
ودوما مقارنة بما نفقد هي هزيلة الكلمات


أسلوب رائع
وكلمات قاتلة حارقة الهبت مني الروح والقلب
لكنه ممتع .. جدا

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

كلمات رائعة تقربنا من واحدة من معالم فردوسنا المفقود ..
بورك فيك اختي وفي تعلقك بحضارتك رغم انك في بلاد كلها مغريات ...
تحياتي

Days and Nights يقول...

الأخت الغاليه / آمال

أتساءل عما يدور ببال الصمت..

قمة الأبداع من شخصية موهوبة

تسحرنى كلماتك وتفنيدك ووصفك

تحياتى لروحك الطيبة

خالص مودتى

تامر

ابتسام يقول...

لقد خاطبت تعابيرك الرائعة
الأحاسيس والعواطف
فانسابت إلى الروح كعطر جميل
كلمات تتوهج جمالاً
وإحساس نابض برقي قلمك
دام بوحك يثري المكان
وسلم مدادك المميز
محبتي وباقات الياسمين

غير معرف يقول...

كلما سمعت شيئا عنها ..عن الاندلس..شعرت بأسى غريب..لا يشبهه شيء الا حال قلبي اذا ما ودعت امي قبل الرحيل...
اذهلني اسلوبك..واخذتني معك اجلس واتجول هناك..حيث كنت انت..
ازور مدونتك دائما..ولكن هذا النص من اجمل ما قرأت حتى اليوم!
(مدونة ام مرام)

مثال الزيادي يقول...

عزيزتي أمال
دمت قلما لمراثي أندلسنا المفقود
دمت ألما وأهات تذكرنا بأن لنا هناك إرثا ثقيلا من الخيبات المتكررة..
"ليتني حجر..ولا أحن إلى شيء"م.درويش
دمت متألقة أمال

أبو حسام الدين يقول...

مازالت روحك مرتبة بعبق الاندلس..
دائما تتحفينا أختي أمال.

ميمي يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
ميمي يقول...

أولا سعيدة جدا لمعرفة مدونتك وممتنة لمدونة أحرف الحنين لأنها قادتني إلى هنا ،،،،
كنت أتوق شوقاً لمعرفة المدونة الفائزة بأفضل مدونة عربية لعام 2011 وها أنا قد عرفتها وتجولت فيها ولم أكتفي بذلك بل سأزورها مرارا وتكراراً لأن حرفك وابداع قلمك وعزفك رائع ،،،،
دائما أحن الى الاندلس واشعر بأسى بالغ كلما تذكرت ان كل هذا الجمال كان لنا منذ قرون اتمنى زيارتها والتجول في قصر الحمراء واشاهد النوافير في بهو الأسود واعود الى ذلك الزمن الجميل وأشتنشق عبيره ،،،،
ما أجمل حرفك وانت تكبين عن الاندلس وقرطبة ،، محظوظة لأني اقرأ عن الاندلس بهذا الجمال والروعة كنت أتمنى ان أتجول في الاندلس ولكن بعضا من أمنيتي قد تحقق بقراءة أحرفك ،،،
تحياتي لك ولإبداعك آمال

أمال الصالحي يقول...

باقة حب لكم جميعا أيها الرائعون، يسعد قلبي دوما هذا التواجد وهذه الاراء المحفزة، فلكم مني كل المودة وعذرا على أي تقصير

محبتي لكم

Dina Elghedany يقول...

جزاك الله خير
http://mawahib.net

كريمة سندي يقول...

نرجوا المشاركة في جمعة التاريخ الأسود في 20 يوليو القادم لنصرة ثورة سوريا ووضع علم الثورة تحياتي

Dina Elghedany يقول...

http://www.assayyarat.com/
مشكوووووووووووووووور

غير معرف يقول...

هى دى مصر التى تركها لنا حسنى مبارك

«أحنا عايشين هنا ببركة ربنا.. أجابة فطرية تحمل الكثير من علامات الرضا، جاءت على لسان شاب فى منتصف الثلاثينيات، يدعى عوض حسان، راعى غنم، رداً على سؤال وجهته إليه منفعلاً «كيف تعيشون هنا؟!!!»، مؤكداً أنه يعيش فى هذا المكان منذ مولده، دون أن يشهدوا أى مسؤول أو تغيير فى حياتهم، منعدمة الخدمات والأساسيات،

ويقول عوض الذى يعول زوجة و 5 أطفال بجانب والدته: « لم يكن أمامنا سوى أتخاذ هذه الأرض مسكناً ومحلاً للعمل حيث نعمل جميعاً إما فى رعى الأغنام للغير أو فى الزراعة » ، أنضمت لحديثنا «أم عوض» قائلة: «لو توافر معنا المال نرسل بعضنا لشراء الأرز والسكر والجبن والدقيق من سيدى برانى، أما إذا شحت النقود نكتفى بأكل العيش والبطيخ، الذى نزرعه ونخزنه ليبقى لدينا طوال العام».

هنا تدخل الشيخ على عمر، عمدة العزبة قائلاً: «الخيام دى بتبقى شديدة الحرارة فى الصيف وقاسية البرودة فى الشتاء، كما أنها لا تقينا من السيول، التى عندما تهب علينا نتجمع كلنا فى مكان واحد لنحتمى ببعضنا البعض، حتى توقف الأمطار، والعام الماضى تسببت الرياح والسيول فى أصابة أحد أطفالنا بالشلل، كما أصيب آخر بالصمم...

مزيد من التفاصيل (فى مقال ثقافة الهزيمة .. الظلال فى الجانب الأخر) بالرابط التالى

http://www.ouregypt.us/culture/main.html

شات صوتي يقول...

مشكووورين

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More