‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصيصات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصيصات. إظهار كافة الرسائل

29 أكتوبر 2011

ساعة الرحيل ..

28 تعليق


بين ممرات الدهر، تمر مسرعة الخطى، بلباسها الرمادي الأنيق وشعرها المصفف بعناية، تتبعها مرغمة حقيبة السفر السوداء، تجرها كما تجر خيبتها المرسومة على شفتيها، رغم احمرارهما الخفيف .
 
تنتظر القطار القادم، كما القدر الذي سيحملها إلى اللامكان، وهَمٌّ يضطرم في فؤادها، لا تراه إلا سرا مذاعا تفضحه عيناها السوداوتين..
غادرته وجذوة نار تتقد في أوصالها، على برهة من الزمان عاشتها تحت ظل الحب، رحلت وهي تحمل من الموجدة ما يكفي ليبيد خلايا ذاكرتها بالغيظ الأفاك..

عاشت في نفسه أكثر مما عاشت في نفسها، حين كان يستوطن دفاتر قلبها، ويقلب صفحاتها كما يشتهي، كان يجد خلاصه في براءة عينيها المسالمتين، وهالة من نور تحيطهما كانت تنير غده الغامض..

تتهافت الأسئلة الصارخة، تحاول حجبها، دون جدوى، تتذكر أول لقاء لهما في محطة المترو، تبللها قطرة حارة، عندما ترتسم لوحة النهاية بوضوح، تخبرها أنها خسرت كل شيء، لكنها ربما ربحت نفسها..
ذلك الرجل الغريب، رجل العواصف، الرجل الزئبقي التي اهتزت أنوثتها أمام قوته، صار جزءا من خبر كان، ولم يعد، أُضيف إلى سجل الغرباء، تحمله الان لائحة تحوي قائمة الموتى..موتى الشعور..أو هما في نفس الوقت.. 

لم تكن لتقاوم روحها الهائجة، ولا رغبة لها في معاشرة لذة الانتقام..فضلت الرحيل، تلملم عنفوان امرأة..في صمت..
مر القطار بسرعة الضوء، ومرت أسطوانة الذكرى على مسامعها، مشروخة كما لحظة غضب قاتل، راجعت معها فهرس حياتها، رأت سحابة الحزن تحوم فوق سمائها، تسائلت إذا ما كانت ستسعد بقرارها، أم أنها نحتت بكلتا يديها شكل بؤسها...
رحل الليل إلا أقله، ومازالت واقفة في مكانها، تسائل نفسها، ..ترقب حركة القطارات وهي تجيء وتمضي..تنصت في دهشة لما قد يحمله صوت صفارات الإنذار..

22 مايو 2011

ورقة من دفتر لاجئ

17 تعليق


يجول بناظريه بين صفحات دفتر بالٍ أرهقته الأيدي، وكأنه يحاول فك لغز مفقود، غيبته الذاكرة، ثم يرفع بصره في لحظة خاطفة، فزِعا، يتملص من القدر المرسوم شريطا أحمرا على الجهاز المتآكل قبالته..

إنها نشرة الأخبار التي لا مفر منها، يضبط ساعته عليها كما المساءات التي ولت، وتلك التي ستأتي، فقد يحدث أن تخونه عقاربها..
هاهوذا يحملق في الشاشة، يتقصى أخبار الوطن، بعدما رحل عنه مجبرا لسبب في نفسه، أعوام عشرة أو تزيد، لم تطأ قدمه تربة  بلدته ولم يحتضن جسده رائحتها..

فقط بقايا دفتر، كان يدون فيه يومياته، كان يرسم بفرشاة الحزن ألوانا لم يعد يتذكرها، زادتها السنين قتامة..وبضع ذكريات عالقة تقذفها فوهة الذاكرة بين الفينة والأخرى..هذا كل ما تبقى من ماض يجهل نصفه..

انتهى الموجز، والضفة الغربية المحتلة على حالها، لا الحال تغير ولا الاحتلال رحل..والورم يكبر في صدره كلما حل المساء، وأحاطت به جيوش الحزن لتحرق عوده كما الهشيم..تنغص ليله الدامس..وتزيده حلكة..

يلتقط كتابه البالي من جديد، ويقلب صفحات أيامه، واحدة تلو الأخرى، تقفز الطفولة مباغتة تحيي ذكرى ميتة، يحاول رسم صورة أمه التي لم يعرفها، لكنه يتذكر جيدا وجه أبيه، حينما طبع على جبينه القبلة الأخيرة، قبل أن تنخره رصاصة غادرة في إحدى أيام الانتفاضة الأولى  وترديه شهيدا..
رفض طائر الكرى التحليق فوق أهدابه، ليترك له مساحة يسطر فيها عناوينا لعائلة جادت بها أحلامه، تمناها في سره، قبل أن تصادَر منه حرية التمني هي الأخرى..

أعياه المصنع الحقير الذي يقتات منه، في إحدى قرى سوريا النائية، ووجوه لا يعرفها، يراها ولا يتذكرها..ينهي عمله على مضض، يهرول إلى غرفته القابعة في سطح إحدى الدور الهشة، ينزوي وحيدا، يكرس حجم العزلة في ساحة صدره، حتى صارت جزءا منه، وكأن لسان حاله ينقل للمدى أمنيات عقيمة..استنزفت زهرة الصبر كلها..

يشرد مجددا..تطيحه إغفاءة مقصودة، تملصا من شيء ما..ثم يستفيق سعيد، عابسا، على وجه الوطن، وذكريات داكنة..تعيش في دفتر، بين خردة أحلام  ورزمة كلمات، وشريط أحمر مسطر كما الموت المحتم.

05 أبريل 2011

نفحات الذكرى

30 تعليق


أذكرها جيدا، كانت جميلة كليلة حلم أبيض، أجنحتها كانت تحتضننا بدفئ يشبه ذلك الذي تغدقه العصفورة الأم على صغارها،  كنا كالشجرة، وكانت الأرض التي تمتد فيها جذورنا، عطاؤها اللامحدود لا تجد له قياسا، مسالك روحها مشرعة، تعبرها قلوبنا الصغيرة على مدى الأيام، كانت ملاك اليوم والغد وكل الأزمان..
كنا نتنفس الحياة من أشعتها، ونبني من خيالنا بيتا تسكنه قصصها المثيرة التي كانت تكافئنا بها بعد نهاية الواجبات المدرسية، كما الترس المنيع هذه الشابة في مقتبل العمر، تحصننا أسوارها القائمة فوق أرض خصبة لا ينمو بجانبها غير الحب، يلفها سياج من إخلاص غير مسبوق..

لكم أحن إلى أيام الأبجدية الأولى، التي لقنتني إياها، نِعم الخالة والمربية والأخت والصديقة كانت، تتلمذت على يديها، تعلمت منها أشياء وحفظت أخرى، كانت تبغي تفوقنا، اجتهدت لذلك، وكان لها دوما ما أرادت..
عصامية التكوين تلك الفاتحة المسالمة التي غزت دواخلنا بطيبوبتها، وما أعلنته جوانبها وما أضمرت من إخلاص وتفانٍ تشهد به ذاكرتي بعدما عبرتُ عمرا من الزمن، ولازلت أقف على جسور الوفاء الشامخة التي ظلت تشهد صلابة بنيانها..

ترتسم مع الحروف صورة الماضي، ونحن نقتسم نفس الغرفة، المكتب الذي ظل زمنا يحتفظ بذكريات السهر، والواجبات..أبتسم كلما زارتني ذكراها، القراءة والقرآن الكريم والرياضيات ودفاتر الرسم..آه من الرياضيات، كنت أمضي في حلها رفقتها زمنا أطول، كانت تشرح وتعيد الشرح، إلا أن يستقر حل المسألة في قرارة ذاتي، مرغما، فمعها، لا مجال لكلمة لا أو ربما، أو ممكن، كان الإيجاب كل ما تعترف به، قبل أن نطلق العنان لمخيلتنا، نسابق أحلام اليقظة وهي تسرد على مسمع مني ومن أختاي قصصنا المفضلة من سلسلات (bande dessinée)..تحضرني الان واحدة..تلك التي انتهت بفيضان قدر الحساء الذي تدفق إلى أن أغرق المدينة كاملة..^_^..

شعور لامع كخيوط شمس ربيعية يرقص في علياء السماء، تحول ذهبا، طوقني هذا المساء، بإكليل من عبق الماضي، ارتشفت منه ما أشتهي، أباد تراكمات يومية، جرفها الحنين إلى طفولة زاخرة بذكريات جمة..
فلكِ مني أيتها الغالية رسالة شكر عظيم، أنحني فيها بين يديك، أضع قبلة زاهرة على خدك، تفيض بعطر المحبة التي تسكنني كلما مرت بحواسي ذكراك.

25 مارس 2011

زلة حلم ..

27 تعليق


سافِرَ الوجه كان يركض، لاهثا، يبحث عن مخبأ..جن الليل، ولازال البحث يضنيه، لم يجد سوى كهوف من الحزن تحتضن عمره الفتي الهارب، وبضع سنانير تؤنس ليله المدلهم..

دوامة لا يسبر غورها غير المتمرس، لكنه وقع فريسة لبطش الشارع، ومحدودية التفكير رغم ذكائه المشهود..
أما كان من الأجدر اللحظة أن يكون بين أترابه، يتفرس في أمل قادم، وحياة تنتظره عريضة بحجم السماء؟..

هاهوذا مستلقٍ على بلاط صلب، يقصم ظهره النحيل، خلفه الأبواب موصدة، يتضور جوعا، ورجال البوليس، تعوي كالذئاب، مزمجرة في وجهه، تذيقه وابل اللكمات في الغدو والرواح..

لم يبلغ الحلم بعد، ولا عقله يستوعب ما يحدث له، انساق وراء ثلة من فتيان الشوارع، ليجد نفسه يركل الفضيلة، ويحتضن ما عداها من خبث ورذيلة، حتى سقط في شراك القدر وهو ينصب له كمينا، في محاولة اعتداء، هاهي ذي ترهن مصيره بين يدي زمرة من رجال الأمن..

انهارت عليه جبال من الأسئلة العاقر، يحاول في وحدته إيجاد أجوبة لها، تشفي حنقه، أو بعضا منه، يجرفه سيل من الدموع، تعتصر قلبه، وصورة عائلته ترتسم أمامه..أبواه الطيبان، لم يقصرا أبدا في حقه، منحاه أكثر مما يستحق، ومنحهما ما لا يستحقان..

قرعٌ متتال على الباب، ظلام دامس، لا يبصر من حوله شيئا، أصابه من الهول ما يعمر دهرا..من الطارق يا ترى؟..وفي أي هزيع من الليل نحن؟..
وبينما تهوي عليه الظنون كحد السيف..بدا له وجه أمه، كذبالة الشمعة توقد غرفة الضيوف التي نام بها على غير عادته..
- هيا انهض يا بني، إنه وقت المدرسة..كفاك خمولا، ستتأخر مرة أخرى...

أمضى يومه مهموما عابسا، تكتم على حلمه، دفنه في غيابة نفسه، أذعره الإنذار القادم من علياء السماء..فقرر أن يتدارك ، قبل أن تعلق قدمه في الوحل..فهو لا يريد أن يبصر وجه ذلك الخناس، في صورة رجل البوليس...

14 مارس 2011

بين الأمس واليوم

26 تعليق


يبحث في أغراضه، يتخبط كمن أصابه المَسُّ، عن دفاتره، عن كتبه القديمة، عن بقايا صوره التي زينت يوما ما جدار البيت، يبحث بين الدروب عن حارته التي سكنها، عن صبيان الحي..يبحث عن بقايا قطع الحلوى  التي كانت تجود بها أم أيمن ظهيرة كل جمعة..
أينهم يا ترى؟..لماذا لم يعد يسمع صداهم يتردد؟..المكان نفسه، والزمان آخر، غير الذي عايشه وعاش فيه !!..

أي طوفان جرف زمن اللهفة الكبرى!!..

إسوارة الزهر التي كانت تصنعها ابنة الجيران لم تعد تزين معصم صبايا الحي، ولا الصبيان يركضون خلف عمو صالح ينهشون ظروفهم من بين رزمة البريد الكبيرة.. 
 وحتى ضفائر فاطمة لم تعد تسابق الريح..أين هي الان يا ترى؟..أتراها تزوجت؟..ومن ظفر بتينك العينين العسليتين الساحرتين؟..

أعمدة النور العالية لما صارت خافتة هكذا؟..ألم يكن نورها يؤنس وحدة النجوم حتى ولادة خيوط الفجر الأولى؟؟..ورائحة الخبز، غريب لا أثير يحملها، لم تعد تفوح على بعد عشرين قدم من باب الحارة..الفرن..أين الفرن ؟..

تجمع الدمع في عينيه، وزفرة تخترق ذاكرته، تعيده إلى ساعة الغروب، وصدفات البحر، إلى أمواج تشرين الغاضبة، إلى فراشات آذار، وعطر البرتقال، إلى قصص الجدات، والأمثال الشعبية التي تناقلها الرجال..
تظهر في مخيلته فاطمة، والمواعيد المفتعلة الخجولة قبالة مراكب الصيد..ثم يمحو على عجل وجع الماضي بمنديل من ورق..

في لحظات ولد الماضي في عينيه، أغمضهما مسرعا، هرول هاربا من جور الذكرى، يبحث عن شجيرة نسيان، يقطف منها ثمرة..    

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More