22 مايو 2011

ورقة من دفتر لاجئ

14 تعليق


يجول بناظريه بين صفحات دفتر بالٍ أرهقته الأيدي، وكأنه يحاول فك لغز مفقود، غيبته الذاكرة، ثم يرفع بصره في لحظة خاطفة، فزِعا، يتملص من القدر المرسوم شريطا أحمرا على الجهاز المتآكل قبالته..

إنها نشرة الأخبار التي لا مفر منها، يضبط ساعته عليها كما المساءات التي ولت، وتلك التي ستأتي، فقد يحدث أن تخونه عقاربها..
هاهوذا يحملق في الشاشة، يتقصى أخبار الوطن، بعدما رحل عنه مجبرا لسبب في نفسه، أعوام عشرة أو تزيد، لم تطأ قدمه تربة  بلدته ولم يحتضن جسده رائحتها..

فقط بقايا دفتر، كان يدون فيه يومياته، كان يرسم بفرشاة الحزن ألوانا لم يعد يتذكرها، زادتها السنين قتامة..وبضع ذكريات عالقة تقذفها فوهة الذاكرة بين الفينة والأخرى..هذا كل ما تبقى من ماض يجهل نصفه..

انتهى الموجز، والضفة الغربية المحتلة على حالها، لا الحال تغير ولا الاحتلال رحل..والورم يكبر في صدره كلما حل المساء، وأحاطت به جيوش الحزن لتحرق عوده كما الهشيم..تنغص ليله الدامس..وتزيده حلكة..

يلتقط كتابه البالي من جديد، ويقلب صفحات أيامه، واحدة تلو الأخرى، تقفز الطفولة مباغتة تحيي ذكرى ميتة، يحاول رسم صورة أمه التي لم يعرفها، لكنه يتذكر جيدا وجه أبيه، حينما طبع على جبينه القبلة الأخيرة، قبل أن تنخره رصاصة غادرة في إحدى أيام الانتفاضة الأولى  وترديه شهيدا..
رفض طائر الكرى التحليق فوق أهدابه، ليترك له مساحة يسطر فيها عناوينا لعائلة جادت بها أحلامه، تمناها في سره، قبل أن تصادَر منه حرية التمني هي الأخرى..

أعياه المصنع الحقير الذي يقتات منه، في إحدى قرى سوريا النائية، ووجوه لا يعرفها، يراها ولا يتذكرها..ينهي عمله على مضض، يهرول إلى غرفته القابعة في سطح إحدى الدور الهشة، ينزوي وحيدا، يكرس حجم العزلة في ساحة صدره، حتى صارت جزءا منه، وكأن لسان حاله ينقل للمدى أمنيات عقيمة..استنزفت زهرة الصبر كلها..

يشرد مجددا..تطيحه إغفاءة مقصودة، تملصا من شيء ما..ثم يستفيق سعيد، عابسا، على وجه الوطن، وذكريات داكنة..تعيش في دفتر، بين خردة أحلام  ورزمة كلمات، وشريط أحمر مسطر كما الموت المحتم.

14 تعليق

مغربية يقول...

مؤلم أن يعيش الانسان لاجئا في أوطان الغير
والمؤسف أكتر أن يكون الوطن داكنا في عيشه، يعاني الأمرين أيضا
أسلوبك جميل كما العادة امال

مصطفى سيف يقول...

كم هي قاسية تلك الحياة
وكم هو قاسي ذلك الاحساس
ابدعتي اختي الفاضلة حتى اننا شعرنا بالالم
اللهم حرر ارض فلسطين وانصر امتنا العربية على اعدائها حتى يعود كتاب هذا اللاجىء الى بريقه ورونقه بعد ان اصبح باليا
تحياتي لابداعك الدائم

أم هريرة (lolocat) يقول...

السلام عليكم

والله اختاه برغم الامهم وبرغم مايقاسونه فى الحياة الا انهم من وجهة نظرى اعظم شعب فى العالم

العودة شىء اكيد ان لم يكن الان فغدا
فهذا ما وعد الله يه المؤمنين
وسيعود الاقصى للمسلمين قريبا ان شاء الله

نسأل الله تعالى ان يحفظ اخواننا الفلسطينيين فى كل مكان وييسر لهم الحياة ويزيل من قلوبهم الاحزان
ويهيىء لنا جميعا من امرنا رشدا ويهبنا صلاة فى الاقصى او شهادة على ثراه الطيب

دمت اختى برقة حرف وعذوبة كلمة

تحياتى لك وباقة ياسمين تعطر يومك

قوس قزح يقول...

كم تكسرت احلام شباب العمر على موانئ الغربة الأبدية ..
احزان كتبت بدماء الأوائل سوف تنبت وروداً لاجيال الغد ..
نص جيد يحرك مواجع فى القلب ..

ولك تحياتى يا أمال

^^

ريــــمــــاس يقول...

مساء الغاردينيا آمال
وماأصعب إحساس الاجئ في غير وطنه
والاجئ ايضاًبين أهله
أجتي تصوير ذلك الإحساس
كــ عادة حرفك مميز ورائع
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

أمال يقول...

لاجئ..كلمة تختزل أحاسيس مرة وقاتلة
أسأل الله أن ينفرج الحال وتعود فلسطين ويعود معها الامل لقلوب كثيرة
مبدعة أنت يا أمال
مودتي لك عزيزتي

hassan يقول...

لاحظنا تميز مدونتكم و لهذا ندعوكم للإشتراك فى مجموعة تدوينى البريدية و هى مجموعة أنشأتها حديثا تهدف لتبادل الأخبار و الخبرات بين المدونين، و تعريف المدونين بالإدراجات الجديدة بهدف زيادة عدد زوار المدونات و تحسين نوعية التدوين عموما
الشرط الوحيد هو عدم إرسال أى محتوى مخل بالآداب أو يحتوى على سب و قذف أو يسئ للمقدسات و الأديان

للإشتراك إدخل على موقع المجموعة http://groups.google.com/group/myblogging

حسن على

أبو حسام الدين يقول...

أتدرين يا أختي أمال، تعبيرك طيف يسبح في الأثير ورغم سباحته فهو عميق وعميق بمجرد لمسه يتسرب إلى الفؤاد بدون إذن.
أرى كتلة من الحنين والحسرة والألم، أرى كل المشاعر تكتلت اتحدت لتصنع النص لتجسد معاناة لاجئ.

لكِ التحية أختي

كريمة سندي يقول...

دفتر واحد فقط لخصت حياة اللاجئ فمابالك بالورقة التي اختزل كل مشاعره فيها استمتعت بالقراءة تحياتي الصادقة

الاحلام يقول...

حياه ماساويه قاسيه ولكن ادرتى الحوار باحترافيه عاليه فجعلتنا نستمتع بالقراءه حتى امتزجت عواطفنا بكتاباتك تحيه وتقدير لقلمك الرقيق الرائع تقبلى تحياتى الاحـــــــــــلام

وجع البنفسج يقول...

لاجئ ..

لكل لاجئ دفتره الخاص .. يكتب به مايشاء ..

لاجئ في الشتات او حتى لاجئ في الوطن .. كلنا لاجئون وكلنا لدينا دفاترنا الخاصة ..

محمد الجرايحى يقول...

أحيي قلمك الذى استطاع أن يعبر بصدق عن مأساة من أسوأ مآسى الحياة.....

زينة زيدان يقول...

أختي أمال

في مروري الاول
كم يسعدني تواجدي هنا

والتعرف إلى مدونتك

ألاحظ دوما تعليقاتك لدى الاصدقاء

وتعجبني نظرتك للأشياء

تحيتي

شات بنات مصر يقول...

روووووووووووووووووووووووووووووعة

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More