04 أغسطس 2012

مهلا أيها المنفى.. تريث

8 تعليق


هذه البلاد رطبة يا حبيبي.. وأنا تعبت من ترميم الكسور..

طفرت من عيني دمعتان، أرأيتهما؟ أرأيت صمتي الساكن مثل الليل، ووهج النار الذي بداخلي، صوتي خفيض لا يسمعه إلاي، المدينة بلا بوابة، الشمس فوق رأسي بعيدة لا أتبينها، شكل البرج الحديدي لا يعجبني..الناس من حولي كثر، لكنني لا أرى أحدا، إنهم غير موجودين..

وتوقفت.. في منتصف الحب، أمسح بيدي الوجع.. غسلت وجهي، وظل الماء يؤلمني..
كل شيء شحيح، ماذا هنا من دفء الحارات وضجيج  الأسواق و نداء العطارين ونكهة الخبازين وصرخات الباعة ورائحة الجلد في سوق الدباغين، على حواف أذني يستقر صوت الآذان ورنين أجراس الكنائس القديمة وطَرْقات الحدادين وصيد البحارة وسواعد الجدافين..

وصورتنا ومريم أو ماريا ونحن نلتف حول نافورة الحديقة الزرقاء بعد أن رشت ما حولها بعطر مسك الليل، تلقننا أسماء الشتلات الأندلسية دون أن نعير وقتها أدنى انتباه للجمال المحيط بنا.. وتسهب في الشرح بعينين سوداوين واسعتين يغمرهما الحب رغم مسحة الحزن التي لم تفارقهما..

على إيقاعات العود وراء أسوار المدينة القديمة وفي حارات فاس البالي يضبط الميزان، ويتشكل عرس من الألوان نجماته نساء الحارة بملابسهن المزركشة  وأجسادهن المضيئة،  كن على موعد مسائي مع الإيقاع بعد أن يفرد النسيم أجنحته وتتوارى شمس الظهيرة خجلى، تتبارز فيه مارانيات الملاح والعربيات في إنشاد تراتيل الحب وما تيسر من الطرب الأندلسي ورؤوسهن وأكتافهن تتمايل مع هسهسة الماء الذي  تسرب من وراء أشجار البرتقال..

على حافة المنفى تستكين الذاكرة، وتختفي أشعة الشمس وراء غيمة لا تنسحب أبدا، تنزلق الأفكار لتطرد عبثية الأقدار دون أن نقوى على النسيان ولا حتى على الحياة..
ويقوى الشوق لأرض لم تعد موجودة إلا في الحلم، أرض كانت مختصرا لكل الآمال، ينبطح فيها الأقحوان على امتداد البصر ويصمد لخمسمائة عام غصن الزيتون، وتقوم الطيور من غفوتها وتخرج الفراشات من كراسات الصغار وتنمو التفاصيل التي كانت في وقت عادية وتبدو الان غير ذلك..

المنفى دائرة مغلقة سحبنا إليها القدر، لئلا تنام أعيننا من جديد، وعلمنا كيف نخفي الوجع ونهب أجسادنا للنار، ثم انسحب مخلفا إيانا كومة رماد..

شيء ما فيه مذاق الصبا وطعم الغياب وأجيج الرغبة ينظر نحوي بعينين شاردتين وذاكرة متآكلة تسرب منها الألم نحو عالم لاشيء فيه إلا الغياب والأسئلة المعلقة..
أنفصل بوجع عن الحياة، وأنام خلف كل هذه الألوان والطقوس والحكايا، أنصت لأنين داخلي غابت وسائل دحره ويرفض أن يرتاح قبل الرحيل ..

8 تعليق

محمد يقول...

جميل ..

دلال.. يقول...

أقرأ كل تدويناتك ..
لكنّ هذه بالذات من أجمَل ما كَتَبتِ ~فيها شوق عنيد وحنين يُبكي ~ أبدعتِ ..

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

نص جميل اختي امال
صدق فيك قول شاعر الحمراء : وحيد و إن كان أخلاي كالنمل
طبعا هذا حال كل من يعيش بعيدا عن أهله وبلده
أعانك الله على منفاك
تحياتي

Nordax يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Nordax يقول...

__ هي الدنيا .. دائماً قاسية، لا تضعنا مع من نحب من أناس و أمكنة في مسار طموحاتناَ .. ! و تجعلُنا دائمـاً في حالة شوق و حنين إليهم .. !

همسة : __ دائماً لا يفارق الإبداع تدويناتكِ :)
لطالم أعجبتُ و أبهرتُ باحترافيتك اللغوية وجودة الكلمات التي تستعملينها، حتى أنني أتراجعُ عن التعليق داخل مدونتك خوفا من تشويه الصورة الرائعة للموضوع بتعليق سوقي رغم أنني أقرأ كل تدوينة لكِ أكثر من مرة
لكن من الآن فصاعداً سأحاول أن أتأقلم مع هذه الإحترافية و أضع تفكيري في عصارة لعلَّني أُخرج ردّاً يليقُ بمقام ما تصوغه أناملُكِ الذهبية.
أتمنى لكِ التوفيق صديقتي الرائعة و دمتِ مبدعة :)

Dr.Yousef A. Haq يقول...

تحياتي الفاضلة آمال

""مرة أخرى اسقط مدهوشا من قدرة على الوصف
على إيقاعات العود وراء أسوار المدينة القديمة وفي حارات فاس البالي يضبط الميزان، ويتشكل عرس من الألوان نجماته نساء الحارة بملابسهن المزركشة وأجسادهن المضيئة، كن على موعد مسائي مع الإيقاع بعد أن يفرد النسيم أجنحته وتتوارى شمس الظهيرة خجلى، تتبارز فيه مارانيات الملاح والعربيات في إنشاد تراتيل الحب وما تيسر من الطرب الأندلسي ورؤوسهن وأكتافهن تتمايل مع هسهسة الماء الذي تسرب من وراء أشجار البرتقال..""

هذه حقا اغنية لحنها لحن الخلود
مع التقدير والحب




مع التقدير والحب

عبدالملك طبنجة يقول...

ما شاء الله...مبدع هو قلمك.

شات صوتي يقول...

مشاء الله روعه

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More