09 أبريل 2012

الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا.. 29 عاما من التحدي

10 تعليق



منذ تسعة وعشرين عاما، واتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا يواظب على تنظيم ملتقى يعرف بالملتقى السنوي لمسلمي فرنسا..
نظم الملتقى هذا العام في الفترة ما بين السادس والتاسع من أبريل ٢٠١٢، والذي تختتم فعالياته ظهر اليوم، وقد حمل شعار { الإيمان- الإصلاح- الأمل }..

 هذا الملتقى الذي وصل عدد مشاركيه العام الماضي إلى 150000 مشارك بعد أن كان لا يتجاوز بضع مئات من المشاركين  في بداياته عام 1984، والذي استقبله قصر المعارض بباريس لوبرجيه، افتتحه الشيخ أحمد جاب الله، رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا في خطبة الجمعة بمقر الملتقى، تحدث خلالها عن محور اللقاء وتطرق إلى أبرز عناوينه وأكد على ضرورة الحوار بين مسلمي فرنسا والغرب وإبراز الصورة الحقيقية للدين الإسلامي الذي يحثنا على الإصلاح والصبر.



صباح الجمعة، فترة الانتظار كانت عصيبة، وبدأ التذمر يظهر على وجه المشاركين، الافتتاح كان مقررا على الساعة الثانية عشر ظهرا، لكنه تأخر لثلاث ساعات، أعيانا الانتظار، استكنا حين علمنا أن التأخير خارج عن إرادة المنظمين، وأنها المقاطعة الباريسية تأخرت في منحهم التصريح.، كانت هذه أولى العراقيل التي تضعها السلطات الفرنسية في وجه الملتقى ..
المكان لم يخلو من رجال الأمن بسياراتهم ودراجاتهم النارية، لكن المشهد كان عظيما وحضاريا، ولم تسجل أية خروقات..


وسائل الإعلام في كل مكان، العربية منها والغربية، دعتني إحدى القنوات الفرنسية للحديث عن رؤيتي للملتقى ومدى أهميته، لكنه الخجل اللعين فعلها مرة أخرى رغم إصرارهم، إنه الظل يروق لي أكثر، وأكتفي بالمراقبة عن بعد :) .
هذا لم يمنع لقاءا ظريفا مع صحفي جزائري، يعمل بصحيفة "البلاد"، حضر الملتقى لاستطلاع الرأي، تبادلنا بعض الأفكار فيما يتعلق بالواقع الحالي خصوصا بعد أحداث تولوز ومونتوبان، كما كانت مناسبة للحديث عن البلدين الجارين، المغرب والجزائر وعن علاقاتهما المتوثرة حينا والهادئة حينا..

 كان مقررا أيضاً أن يفتتح الشيخ مشاري راشد العفاسي قاعة المحاضرات بآيات بينات من الذكر الحكيم، اصطف جمهور كبير وسط القاعة، الكل متحمس لسماع صوت الشيخ المهيب، ففوجئنا بالمنظم يصعد المنصة ليخبرنا أن الشيخ لم يصل باريس بعد، وأن عائقا ما حال دون وصوله إلى الملتقى، استبدلوه بشاب فرنسي اعتنق الإسلام، حافظ لكتاب الله، تلى علينا ما تيسر من القران الكريم، الاستماع إليه مفخرة للإسلام الذي لا يعترف بأجناس ولا عروق غير الانتماء لهذا الدين .




ملتقى هذا العام متميز بمحاضراته وندواته التي ألقاها نخبة من أبرز المحاضرين العالميين، صبت جميعها في الدعوة إلى التسامح والتآخي والتعاون المتبادل كما استنكرت الهجوم الذي شنته فرنسا على اتحاد المنظمات الإسلامية ومنعها بعض المحاضرين من الحضور للملتقى وتعبيرها عن استيائها من حضور آخرين كما حدث مع الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور طارق رمضان، الدكتور والأستاذ المحاضر السويسري في علوم الإسلام بأوكسفورد، بريطانيا، وجامعة فرايبورغ بسويسرا، هذا الأخير الذي حضر الملتقى رغم إبداء فرنسا انزعاجها من ذلك، وطبع اللقاء بجملته التي تداولتها أشهر الصحف الفرنسية، {استاؤوا من قدومي، لكنني أطالب بتوحيد فرنسا، لا بتقسيمها }، محاضراته غنية عن التعريف، تصب دوما في بحر الحقيقة بوجهته الصائبة وفراسته ونباهته، وكيف لا وهو حفيد حسن البنا، رجل الإخوان المسلمين ومؤسسها قبل أن يمسها الآخرون بضر.. 



كانت المداخلات مقنعة جدا ومفيدة، حثتنا على تحديد المسارات التي تساعدنا على تحضير مستقبل مسلمي فرنسا، وكان للأستاذ عمار لصفر نائب مدير اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية ومدير مسجد مدينة ليل رأي صائب حين قال بأن مستقبل الإسلام في انفتاح العلماء وليس بانطوائهم، وأننا نحتاج إلى علماء متمكنين من القرآن والبيئة التي يعيشون فيها 

كانت محاضرة جان بوبيرو حول العلمانية التي وقع تزويرها مثرية أيضاً، استهلها بتعريف العلمانية على أساس أنها حياد الدولة ومؤسساتها، لا حياد الأفراد أو الفضاء العام كما يروج له البعض، وطالب الدولة بأن تكون محايدة وعادلة في حماية الأفراد رغم اختلاف مذاهبهم وعقائدهم..

النساء كن حاضرات، بما عايشنه في ثورات الربيع العربي، وما قدمنه من تضحيات جسام لأجل ثورات ناجحة، على رأسهن السيدة محرزية العبيدي، خريجة السوربون بباريس، نائبة رئيس المجلس التأسيسي التونسي وكذلك المناضلة اليمنية صاحبة جائزة نوبل للسلام توكل كرمان ، ساندهن في حديث الثورة الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حزب حركة النهضة الحاكمة في تونس ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .




محاضرة أخرى قيمة للشيخ عمر عبد الكافي، الذي وجه لمسلمي فرنسا جملة من النصائح طالبهم فيها بأن يكونوا مثال المسلم النظيف في تعاملاتهم وينشروا مبادئ ديننا الحنيف القائم على السلم، البعيد عن العنف والتطرف، كما وجه نداء للإدارة الفرنسية لتراجع مبادئها وتعود لاحترام الرأي والرأي الاخر وتؤيد حرية الفكر والاختلاف ..

اعتبر السيد إيريك فاندورب من خلال مداخلته أن انتشار الأحكام الجاهزة والمغلوطة ساهم في مضاعفة الكره للإسلام والمسلمين وتطرق إلى مفهوم الإسلاموفوبيا ( إرهاب الإسلام ) الذي تأجج بعد أحداث ١١ سبتمبر مما خلق نوعا من الكراهية والعنصرية المفتعلة وأننا ننتقل إلى مرحلة الإسلاموبارانوا ( توهم عنف الإسلام )، فتشن بذلك حملات هجوم على الإسلام والمسلمين وتقيد حريتهم وتبثر حقوقهم وتنسب إليهم الإرهاب والعنف .






عرف الملتقى كذلك إطلاق المسابقة الوطنية العاشرة لحفظ القرآن الكريم، وذلك بالتعاون مع المنظمة الدولية لتحفيظ القرآن الكريم والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، الذي يهدف بالأساس إلى تشجيع الشباب المسلم على توطيد علاقته بكتاب الله وفرصة للتدبر في معاني القرآن واكتشافه..



جديد الملتقى هذا العام "جناح الشباب"، 4000 متر مربع هي المساحة التي خصصت للفئة العمرية ابتداء من  14 سنة، برنامجه يقوم على مرحلتين: الاكتشاف والتصرف، هذا الفضاء يدعو لآكتشاف آفاق جديدة، واكتشاف ما جاء به الإسلام..، إنه معرض ينفتح على عالم الشباب، خصصت أكثر من نصف مساحته إلى منصات عرض لمهنيين وجمعيات يهدفون بالأساس إلى توجيه الشباب في مسيرتهم ومنحهم وسيلة للتصرف والتحرك وعرض مختلف الخيارات المتاحة لهم ليصبحوا عضوا فاعلا في المجتمع. 



المعرض الدولي للعالم الإسلامي كان فرصة لاستكشاف جميع جوانب العالم الإسلامي ، فقد قدم للزوار الإنجازات العلمية والثقافية للعالم المسلم، حرفيون وتجار وفنانون كشفوا النقاب عن خبراتهم، قادمين من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، المعرض يمكنك من الغوص وسط حضارة تحتوي على خزان ثقافي وفكري استثنائي . كما أن هذا الحدث فرصة ممتازة للحصول على معلومات كاملة عن الثقافة العربية الإسلامية .



المكتبات احتلت مدخل المعرض، غنية جداً ومتنوعة، وجدت بها كتبا بحثت عنها لمدة، كما أن الكتب التربوية للأطفال كانت مميزة وتسهل عملية الاستيعاب لدى أطفال المهجر، مصاحف وسجاد عربي وألبسة وأطعمة وبخور، حتى مياه زمزم كانت حاضرة :)






الأقصى المبارك كان حاضرا وبشدة، حملات للتعريف به وبما يحدث حوله، دعوة لمناهضة التطبيع وتجميد العلاقات مع إسرائيل، وحملات أخرى للتبرع والمساعدة من أجل أطفال فلسطين .


فلسطين حاضرة في المعرض كما في الوجدان .



كان هناك نصيب للثورات كذلك، حملة دعم واسعة لسوريا، جمع التبرعات لمساعدة أهالي البلاد، منتوجات رمزية بيعت بالمعرض وعائداتها خصصت لمساندة الثوار والثورة .  



كما تمت الإشادة بثورة تونس، بأهدافها المجيدة، كان حاضرا طعم الحرية والرغبة في المضي قدما نحو النصر من أجل تحقيق مبتغى الثورة كاملا، ووفاء لدم الشهداء الذين جادوا بأرواحهم لتحيا تونس حرة .



الخدمات التي قدمها مطعم الملتقى كانت جيدة رغم بساطتها، مكان تستريح فيه من وعثاء يوم مكتظ، تألق المطبخ المغربي، لا تعتبروه تباهيا، ولكنه لم يهدأ ولم يستكن مقارنة مع باقي المطابخ، الكل في انتظار طاجين مغربي وطبق كسكس على الطريقة التقليدية :)

خرجت من المطعم أكمل مسيرتي من قاعة إلى أخرى، ومن حوار إلى آخر،  جمع غفير من المسلمين، وجوه طيبة هنا وهناك، مسامرات فنية وإنشادية، معارض ثقافية وتجارية، جو مفعم بالأمل ..
 مرت الأيام الأربعة في سلام تام، ما بقيت لنا سوى ذكرى جميلة إلى حين تجديدها مع ثلاثينية الملتقى العام المقبل إن شاء الله .

01 أبريل 2012

معهد العالم العربي.. ربع قرن من الصمود

11 تعليق



لابأس بنبذة عن معهد العالم العربي قبل أن نشرع في التجوال بين ثناياه،  يقع المعهد في الدائرة الخامسة من باريس، جاء منذ خمسة وعشرين عاما ثمرةً للتعاون بين فرنسا و٢٢ دولة عربية وهي: اليمن، المملكة العربية السعودية، البحرين، جزر القمر، جيبوتي، سوريا، الإمارات العربية المتحدة، العراق، الأردن، الكويت، السودان، ليبيا، قطر، موريتانيا، عُمان، فلسطين، المغرب، الصومال، لبنان، مصر، تونس والجزائر . 


معهد العالم العربي عبارة عن مؤسسة قائمة على القانون الفرنسي، تم توقيع عقد أساسه عام ١٩٨٠، وفتح أبوابه عام ١٩٨٧، هدفه الرئيسي خلق تواصل فكري بين الشرق والغرب وتطوير معرفة العالم العربي وتعزيز ثقافته وحضارته وتقريبها من الجمهور الفرنسي والأوروبي..

بين ضفاف السين وجامعة جوسيو يقع المعهد، إنه عبارة عن تركيبة استعارت ألقها من التصاميم المعمارية الشرقية والغربية وأضحت جسر وصل بين التقاليد والحداثة، قام بتصميمه مجموعة من المهندسين المعماريين المرموقين أبرزهم "جان نوفيل"، ذاته الذي صمم متحف "كاي برانلي".


في الطابق الأرضي نجد مكتبة المعهد، زوارها كُثر، من خلال عناوينها 20000 المتميزة بتنوع أعمالها، حيث تتعدد المجالات، نجد الأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم والفنون والسياحة وكذا معاجم مختلفة لتقريب اللغة العربية من الزوار الغربيين..كما تهدف إلى إرضاء الطلبات المتباينة والمتعددة، وتمكننا من الإبحار في أعماق الثقافة القديمة والمعاصرة.

يقابل المكتبة المقهى الأدبي، ألحانه شرقية، وشايه وحلوياته كذلك، يقدمها مجموعة عاملين لبنانيين بابتسامة عريضة..

تتخلل الطوابق صالات للقراءة، بالغة السكون، روادها منغمسون وسط كتب رصفت بعناية لخدمة الطلبة والزوار والباحثين، كما يقوم المعهد باستضافة كتاب ومثقفين وتنظيم أسابيع ثقافية ومعارض من وقت لآخر تعنى بالشأن العربي في مختلف مجالاته..
هذا ويتيح المعهد إمكانية تنظيم احتفالات ومهرجانات واجتماعات وتظاهرات ، ويقدم خدماته للمؤسسات والشركات والأفراد وذلك بتأجير قاعاته لذات الغرض .


في الوقت الذي يستعد فيه متحف اللوفر لفتح جناح مخصص للفنون والآثار الإسلامية، عادت الحياة للطابق السابع من معهد العالم العربي في ٢٠ من فبراير ٢٠١٢، حيث يوجد متحف المعهد، بعدما استغرق تجديده ثلاث سنوات، فصار بشكله الجديد والمتميز يعطي رؤيا واضحة ومعرفة أفضل عن الحضارة العربية بتنوعها وبمختلف مراحلها بعد أن كان يعنى بالفن الإسلامي فقط، فما تضمنه من قطع أثرية ولوحات ومعروضات جعلته بوابة رئيسية لولوج العالم العربي في بلاد الغرب.


هنا بعض الصور من المتحف التي التقطتْها خلسة كاميرا جوالي، فالتصوير ممنوع كليا بالمتحف.. أعترف أنني كنت مارقة على القانون :)


يشغل فضاء المتحف مساحة ٢٤٠٠ متر موزعة على أربعة طوابق، لكل طابق طابعه الخاص،  كما يقوم المتحف بعد تجديده على خمس مواضيع فرعية وهي : "عربيات" و "المقدس وصور الإلهي" و "المدن" و "التعبير عن الجمال" و "زمن العيش".. فنجد ما يقارب ٦٥٠ قطعة فريدة وآثارا نحتية وتصويرية ومخطوطات وتماثيل وآلات موسيقية وملابس وحلي وأدوات منزلية..


توقفت طويلا عند الطابق السادس، شد انتباهي اختلاف الثقافات وتمازج الديانات التوحيدية الثلاث التي نشأت في العالم العربي، فبه تحف أثرية تطلعنا على الإنسان القديم في علاقته بالمقدسات ونسخ من الثوراة والإنجيل والقرآن، إضافة إلى معروضات تمثل المعتقدات الوثنية التي تكونت ذات زمن في المنطقة. 


كما يمكننا المتحف من مشاهدة أفلام وثائقية طوال مدة تجولنا تبرز مختلف الجوانب التي عاشها العالم العربي على مدى السنين إضافة إلى تسجيلات صوتية للمعلقات الجاهلية وكذلك الاستمتاع بفضاء الموسيقى حيث الآلات الموسيقية العربية تحييها نغمات شرقية. 


التجول في هذا المتحف مريح وجذاب، امتزجت فيه الحداثة وجمالية الديكور والعرض  مع رائحة الماضي وتاريخ أسلافنا، يعيدنا إلى ثقافات ما قبل التاريخ  حيث المقتنيات والقطع شاهد على حضارة عظيمة تجمع أغلبها بذات المكان، تبعث في نفوسنا نحن أبناء المهجر اعتزازا وفخرا كبيرين..


حز في نفسي، ككل مرة القلة القليلة من أبناء العرب التي تكاد تنعدم مقارنة بأفواج هائلة من الغربيين الذين يهتمون بثقافتنا أكثر من اهتمام أبنائها بها، رغم أن موروثنا يستحق أن نسبر أغواره كي ننصفه أكثر ونقدره أكثر .

الشكر كان موصولا للرعاة المتمثلين في دولة الكويت والمملكة العربية السعودية  ومؤسسة جان لوك لا غاردير الفرنسية، الذين تحملوا تكاليف عملية التحديث والتي بلغت خمسة ملايين يورو لإعطائه صبغته الحالية..

إلى الطابق التاسع والأخير، حيث مطعم زرياب المختص في المطبخ اللبناني الأصيل، أجواء حميمية وغذاء بنكهة عربية..


هنا تنتهي الجولة على سطح المعهد، رؤيا بانورامية في ظهيرة مشمسة تلقي بالبصر على أطراف السين وكاتدرائية نوتردام وبرج إيفل..
تمنيت لو أطلق صرخة من هناك وأحمل الريح رسالة للشباب العربي المهاجر، للفرنسيين ذوي الأصول العربية، للمثقفين، للطلبة، بأن يأتوا فرادى وجماعات لإحياء الموروث العربي المهمش، ويساهموا في رسم صورة حضارية للأمة العربية والإسلامية بدل الوجوه الشقراء التي أرتطم بها كل مرة في ممرات المعهد ..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More