01 فبراير 2012

إشبيلية..عاصمة المنصور الموحدي

19 تعليق




أمر السلطان الموحدي المغربي أبو يوسف يعقوب المنصور شيوخ الموحدين بالاجتماع حين شعر بالموت يدنو منه، ثم قال وقد اغرورقت عيناه بالدموع: أيها الناس، أوصيكم بتقوى الله تعالى وبالأيتام و اليتيمة ؟.. قال أبو محمد عبد الواحد، يا سيدنا يا أمير المؤمنين و من الأيتام و اليتيمة ؟..
قال: اليتيمة جزيرة الأندلس والأيتام سكانها المسلمون، و إياكم و الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها و حماية ثغورها و تربية أجنادها و توفير رعيتها . ولتعلموا أعزكم الله أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها، و نحن الان قد استودعنا الله تعالى و حسن نظركم فيها، فانظروا أمن المسلمين و اجروا الشرائع على منهاجها..


مات المنصور الموحدي، وحاصر فرديناند الثالث إشبيلية عاما بأكمله، دخلها غازيا..وقضى على حضارة عظيمة خرجت معها المدينة نهائيا من أيدي المسلمين..
رحل المنصور، وترك الجيرالدا قائمة تروي حكاية خمسمائة وعشرين عام..


لحسن حظي كان يفصل الفندق عن الجيرالدا مائة متر فقط، وشرفته تطل على مئذنة المنصور،  ذلك جل ما أبغيه، لا أغفو قبل أن أمعن النظر فيها، وكأنني أتشبع ببقاياها، أملأ رئتي بالهواء القادم من هناك..


الجيرالدا، رمز إشبيلية الخالد، المئذنة السامقة للمسجد الجامع، بنيت في عام 1184 م بأمر من الخليفة المنصور، بعد عودته منتصرا على جيوش قشتالة في معركة الأرك الشهيرة، وقد قامت على أنقاض مبان رومانية، صومعة شاهقة الارتفاع ، الجزء الإسلامي منها يبلغ ارتفاعه ٦٥،٦٩ متر، أما الان فيبلغ ارتفاعها ٩٧،٥ متر، كان المنصور قد أمر بتكليل مئذنتها بأربع تفاحات ذهبية بهرت الأنظار ببريقها، كما بنيت من دون أدراج ولكن بمنحدرات عددها 35 تمكنك من الصعود أعلى البرج..


كان ضروريا أن أقف على قمتها، فعلت بعدما تجولت في أرجاء الجامع الكبير ( كاتدرائية إشبيلية حاليا) رفقة مرشد عرفني على أرجائها، التي ما عادت تحمل طابعها الإسلامي، استعجلت نفسي وكلي شوق للوقوف أعلى المئذنة، صعدت المنحدرات الخمسة والثلاثين، وصلت لاهثة إليها، تساءلت عن حال المؤذنين وقتها، وكيف كانوا يصعدون كل هذا لرفع الآذان خمس مرات في اليوم، فعلمت أنها بنيت عريضة بشكل كان يستطيع فيه المؤذن الصعود إلى أعلى البرج وهو راكب حصانه للنداء إلى الصلاة.


من هناك تبدو إشبيلية بكل أبعادها، جميلة من كل الجهات، تطل على حدائق واسعة،  نظرة ذهبت بي بعيدا حيث الحلم اللامحدود..
أيقظتني نواقيس الكنيسة، التي حلت محل المئذنة، وضع أعلاها تمثال من البرونز يرمز إلى السيادة المسيحية، صنعه بروتولومي موريل عام ١٥٦٧ م، حيث يدور مع الريح، وسمي خيرالديو، أي دوارة الريح، ومنه جاءت تسمية المئذنة بالخيرالدا..
نزلت ذات المنحدرات، أتحسس الجدران، أتأملها بحواسي كلها، ألامس الحيطان التي رددت صدى اسم الله ذات زمن..



على بعد خطوتين من الجيرالدا، يوجد قصر "ألكازار"، قصر بديع مثلما هي كل القصور الأندلسية، اختلفت الروايات بشأنه، والأرجح أنه بني في موقع قلعة إسلامية أندلسية قديمة، قيل أنها بقايا قصر المعتمد ابن عباد، وأتم إنشاءه الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور..



اقتنيت تذكرتي، دخلت القصر، فوجدته صرحا معماريا أندلسيا عربيا إسلاميا باهرا بضخامته وزخارفه وجماليته..
أتواجد الان في الطابق الأول، معظمه أندلسي رغم التغييرات التي قام بها الملوك الإسبان، فنجد بهو السفراء وفناء العرائس حيث نقشت آية الكرسي، وجناح الملوك الأندلسيين وجناح الملوك الكاثوليك وفناء الصيد وفناء العذارى وبهو كارلوس الخامس وغيرها..


الأعمدة مزخرفة والجدران مكسوة بالقيشاني، عليها زخارف من عبارات وتحيات وأدعية وآيات قرآنية..
أبهاء القصر وأفنيته أبوابها عديدة، كل فناء وكل بهو يفضي بك إلى آخر، أما النقوش الإسلامية الأندلسية ففي كل مكان..


أقتني تذكرة أخرى للصعود إلى الطابق العلوي من القصر، هنا ستتوقف عدستي مرغمة، استغربت من الحراسة الأمنية المشددة على هذا الطابق، لا يسمح بالصعود إليه إلا في أوقات محددة..
جاء دوري، صعدت الدرج، مررت بنقطة التفتيش المتواجدة بذات المكان، احتفظوا بحقيبتي وآلة التصوير وكل أغراضي، ظننت هاتفي الذي كان مخبأ في جيبي سَيَفِي بالغرض، لكن هيهات..فرجل أمن صاحبني طول الوقت، أما الزيارة فليست عشوائية، فأنت تمر بالغرف التي يحددها المرشد، وهناك من منع فيها التجول..
الطابق العلوي إسباني بامتياز، به مصلى الملوك الكاثوليك، وجناح الملك بيدرو، وبهو الملوك، أثاث فخم وثريات عملاقة، أغراض الملكة إيزابيلا، الهدايا الثمينة التي تلقاها الإسبان من ملوك فرنسا وإنجلترا وغيرهما، صور الملوك وأبنائهم التي رسمت ذاك العهد بريشة كبار الفنانين..الجدران مكسوة بالتماثيل والأيقونات الكاثوليكية..
معالم الحضارة الإسلامية في هذا الطابق طمست عن آخرها، ما سلم منها سوى بضع نقوش خجولة وزخارف ظلت تحمل اسم الله، وقاعة وحيدة لازالت كما كانت، على الطراز الإسلامي الأندلسي..أما البقية فمحيت تماماً..


انتهت الزيارة، وبينما أستعيد أغراضي سمعت تكبيرة تنبعث من مكان قريب، جذبني الصوت، إلى حيث مصدره، كانت صالة تعرض فيها جميع أنواع الزخارف والفسيفساء التي استعملت في القصر، وصوت موشح مطلعه "الله أكبر" ينبعث من ميكروفونات المكان في هدوء..


غادرت أبحث عن السكينة في حدائق القصر الغناء، لأبدد بعض الحسرة، أشجار الليمون والبرتقال متناثرة في الأرجاء، النوافير في كل زاوية، الشمس ترسل أشعتها، فيتلألأ الماء وتنعكس الخضرة على ريشة الفنانين الذين انتشروا في الحدائق يرسمون لوحات فاتنة..


أتوقف عند مطعم مقابل للجيرالدا، أتناول وجبتي التي أسرفت فيها مذ وصلت إلى هنا، بارعون هم الإسبان في تحضير وجبة "البايلا" بفواكه البحر، هي مفضلتي، وأكثر حين يقدمها مطعم إسباني تقليدي متخصص في ذلك..


أكمل مسيرتي، نحو برج الذهب "توري ديل أورو" ، برج المراقبة العسكري، الواقع على ضفة نهر الوادي الكبير "كوادلكيفير"، هذا البرج الضخم ذو الإثني عشرة زاوية، يقع جنوب غربي القصر، هو الوحيد الذي بقي من الأبراج التي خلفها الموحدون، حيث كانوا يقيمون أسوارا عالية ذات أبراج منيعة تربطهم بالقصر تحسبا لأي هجوم ودفاعا عنه..
البرج يتكون من ثلاث طوابق، هو اليوم متحف بحري، يضم أدوات قديمة ورسائل ووثائق تاريخية لمدينة إشبيلية..


جلست في مقهى على ضفة الوادي الكبير، أحتسي غبطة وألما، أرقب جريان النهر وظلال النخيل، أعبر بعينيَّ قنطرة الوادي  وألمح انعكاس البنايات على صفحة الماء، وجوه المارة والبازارات الصغيرة، فساتين راقصات الفلامنكو التي تملأ المحلات، أشجار البرتقال على ناصية الشارع الرئيسي، حوانيت  تبيع معالم المدينة للسياح، عازف غجري يلقي لحنه على مسافة مني..أسترجع بصري..أعد الدقائق الأخيرة، في انتظار طائرة ستعيدني إلى باريس..

24 يناير 2012

غرناطة .. ولا غالب إلا الله

36 تعليق



المنبه يرن، والساعة تشير إلى الخامسة صباحا بتوقيت إشبيلية، صحوت نشيطة رغم التعب، ورغم الكيلومترات المئتين وخمسين التي تنتظرني للوصول إلى غرناطة، علينا أن نكون في الحمراء تمام التاسعة صباحا حسب الحجز الذي قمت به، فمواقيت زيارة قصر بني نصر مقننة، لا تلجها إلا في مواعيد محددة..


الظلام دامس والجو لطيف، تأخرت قليلا في الخروج من إشبيلية فكانت النتيجة أن وصلت قصر الحمراء متأخرة نصف ساعة، رفضوا في البداية تغيير حجزي، لكن أمام إصراري الطويل تمكنت من دخول القصر..



قصر الحمراء..أعظم القصور في تاريخ العرب والمسلمين، لوحة فنية مبهرة لا جمال يضاهيها، مساحته المذهلة، الخط الكوفي الذي زين المكان، الجدران المطلية ب "لا غالب إلا الله"، تنظيمات هندسية دقيقة، الفسيفساء، زخارف تشهد فن العمارة الإسلامية المنقطع النظير، الآيات القرآنية، المدائح، الأدعية..



وإلى هنا لغتي عاجزة تخونني لرسم ذاك المشهد العظيم..
أنتقل من غرفة إلى أخرى، ولكل واحدة قصة وحكاية ..


فناء الريحان الكبير، وتتوسطه بركة المياه تحد جانبيها أشجار الريحان، نقشت في زوايا فنائه عبارات وآيات قرآنية..


أمر ببهو السفراء حيث كان يعقد مجلس العرش، غير بعيد عنه فناء السرو، حيث نجد الحمامات الملكية وغرفة الانتظار والاستراحة، أواصل المسير إلى قاعة الأختين، وسميت كذلك لأنها تضم قطعتين متساويتين من الرخام..


مباشرة بعدها وجدت نفسي في بهو الأسود، ذاك اللغز المحير، أشهر أجنحة قصر الحمراء، أنشأه السلطان عبد الغني بالله عام ١٣٩١ م ،  تتوسطه نافورة الأسود، يحمل حوضها المستدير اثنا عشر أسدا من الرخام، كان الماء يخرج  من أفواهها بالترتيب، ففي الساعة الأولى يخرج الماء من فم الأسد الأول والثانية من فم الأسد الثاني وهكذا اثنا عشر ساعة بالنهار واثنا عشر ساعة بالليل، وبهذا يتمكنون من تحديد الزمن بهذه الساعة المائية العجيبة..


أما المؤسف فتعطل مخارج المياه بهذه البركة، حين حاول الإسبان اكتشاف سر انتظام تدفق المياه بالشكل الزمني التي كانت عليه، ولازال هذا اللغز الغامض يحير كبار الباحثين..
عادت الأسود إلى مكانها بعد عملية ترميم دامت لفترة، مع أن الأشغال بالمكان لم تنتهي وتعذر علي الوصول إلى بعضها..


تعددت الأبواب والأبراج والتسميات بالقصر، وحدها الحمراء تحتاج كتابا مفصلا للتعريف بكل ركن من أركانها، أما السحر فواحد، لذلك لا عجب من أن يكون أبرز معالم السياحة في إسبانيا، وهنا أتوقف هنيهة لأحزن قليلا على هذا الموروث العالمي، فطيلة تجولي بالحمراء ما صادفت غير عربيين من دولة خليجية، وباقي الزوار من مختلف أنحاء العالم، يابانيون بالدرجة الأولى وإنجليزيون وفرنسيون وإسبانيون وألمان..أما العرب، فأظنهم يوثرون لندن ونيويورك وباريس ..


أكمل مسيرتي الملتهبة، نحو بساتين جنة العريف، إنها جنة الله في أرضه، الماء والخضرة والنوافير المتقاطعة، ليلة هناك بين أحضانها بألف ليلة وليلة..وياللنعيم الذي عاش فيه الأولون..

أسرار القصر لا تنتهي ولن تنتهي، خرجت منه لأصعد حصن القصبة، القلاع الضخمة والأسوار المحصنة وتاريخ يعيد على مرمى حجر مني عهدا غابرا..


من أعلاه يظهر لي حي البيازين، ببياضه المغري، أشهر حارات الأندلس القديمة، سأغادر الحمراء إلى هناك..أحمل في حقيبتي"ثلاثية غرناطة"، أفضل رواية تحكي  ماضي الأندلس، أعيد قراءتها للمرة الثالثة، كل استراحة أنهل منها صفحات..

الطريق وعرة، والأشغال كثيفة تمنعنا من الوصول إلى حي البيازين..بعد أخد ورد وبحث وتيه، قررنا ترك السيارة في مكان بعيد نسبيا، وسنكمل مشيا على الأقدام..


ها نحن أمام مدخل البيازين، من هنا تبدأ رحلة جديدة، وسط هذا الحي العريق عراقة غرناطة، الحي قائم فوق هضبة مرتفعة، تصعده بشق الأنفس..في المرتفع الأول، تخلى عني زوجي، قلت ممازحة: أثنيت عليك في آخر تدويناتي وها أنت تخذلني أمام أول عقبة من البيازين..ابتسم مجيبا: برغم كل ما بيننا أتركك تصعدين بمفردك، خذي الوقت الذي يلزمك، وأنتظرك في السيارة..


وذلك ما كان فعلا..بدأت جولتي وسط هدوء الحي التام، كلما صعدت كلما ازددت شوقا للوقوف على قمة الهضبة، أعود بمخيلتي إلى عصر قديم، أمشي حيث مشوا، أبحث عن الإشارات التي تؤكد أنهم مروا من هنا..


محلات للحرف التقليدية هنا وهناك، متاجر صغيرة، فنادق زخرفتها إسلامية، مقاه ومطاعم ذات طابع عربي، دار الطالب، مدارس وتلاميذ يجيؤون ويروحون، وأنا أكتشف الدروب المتشعبة، والطرق الضيقة الملتوية..

أثناء تجولي بدت لي فتاة جميلة، عيناها خضراوتان، بيضاء البشرة، تصعد ببطء، هالة نور تحيط وجهها وحجاب يجملها، اقتربت منها، ألقيت عليها التحية..ابتسمت في وجهي وبدأت جولتنا..


حدثتني عن نفسها، علمت منها أنها إسبانية مسلمة من أحفاد الموريسكيين، غادرت مدريد منذ ثلاث سنوات لتعيش في غرناطة واختارت حي البيازين لتتعلم اللغة العربية، لم تتقنها بعد، لكنها تواضب على تعلمها، اغرورقت عيناي بالدموع وهي تعبر بي الأزقة، تعرفني على الدور والأماكن وبقايا المآذن والمساجد والحمامات، استمرينا كذلك طويلا إلى أن وصلنا أعلى قمة في البيازين، قرب ساحة سان نيكولاس، غير بعيد توجد كنيسة سان سلفادور التي قامت محل المسجد الجامع بغرناطة قديما..


ومن هناك، تبدو غرناطة في أبهى حلة لها، يحتويها من كل الجهات جبل الثلج أو جبل شلير ( ما يعرف عند الإسبان بجبال سييرا نيفادا )، نهر شنيل يخترق المدينة،  أما قصور الحمراء  وقلاعها فتبدو  شامخة تقاهر الزمن، تحكي تاريخا كان الأعظم بين العصور، والغريب ذاك المنظر بين حي البيازين وقصر الحمراء، كل منهما يطل على الاخر، يقابل الحاكم المحكوم، والشعب ملوكه، الحمراء مثلت بذخ السلاطين والبيازين الشعب بكل فئاته وكفاحه..


اقترحت رفيقتي أن ندخل المسجد الجامع لغرناطة الحديث العهد، صغير وجميل، تتوسط فناءه نافورتين من الزليج الضارب للزرقة، علمت منهم أنه تم إعداده من طرف فنانين حرفيين مغاربة من مدينة فاس، كما قام ذات الحرفيين  المهرة بالنقش على الخشب وزخرفة الأسقف وتثبيت الفسيفساء، على ذات الشكل الأندلسي القديم الذي حمله الأندلسيون القدامى حين هجرتهم إلى المغرب، أما الخشب الثمين فقد تم استيراده من المغرب أيضا الذي ساهم كذلك في بناء المسجد، إضافة إلى مساهمات من ماليزيا ومن مسلمي إسبانيا ذاتهم، بعد أن تم التبرع بالأرض من طرف الحكومة الليبية، تصميمه على الطريقة الأندلسية الإسلامية المحضة..

دعاني أحد القائمين على المسجد لزيارة  أرجائه، سألته عن المسجد وتاريخه، فأخبرني أنه بعد أخد ورد سمح لمسلمي غرناطة ببنائه، قال أن الحجر الأساس وضع منذ أزيد من عشرين عام، لكن تم الانتهاء من عملية البناء في تموز ٢٠٠٨، و ذلك لقلة الموارد المالية بشكل أساسي وعراقيل أخرى، وهنا أسأل عن دور الدول العربية الغنية التي تتجاهل هذا الموروث الإسلامي الضخم، وتحبذ صرف أموال طائلة على أبراج لا تسمن ولا تغني من جوع، ولما لا تهديها للسيد "بيكام" فَقَدَمُهُ أولى بمال المسلمين..
صار المسجد يضم مسلمي الأندلس من كل صوب وحدب..الداخل إليه والخارج منه يلقي علينا تحية الإسلام .

شعرت في ذاك المكان بفخر عظيم..سألت عن حال العرب ، وقد ظننتهم قلة، فأخبروني أن عددهم هائل وجلهم من المغاربة أيضاً، يسكنون حي البيازين وغيره، ويشكلون نسبة هامة من ساكنة البلد، كما أن نسبة اليهود لا تقل شأنا كذلك، فما أكثر نجماتهم على أبواب البيازين ..


رفيقتي استأذنتني بالمغادرة، لأن موعدها مع طبيبها قد حان، استحييت إخبارها بكوني أجهل طريق العودة، ودخلت مغامرة أخرى أبحث عن طريقي الذي ظللته، مضى وقت طويل، وأنا أسأل المارة، وأستعين بصورة المدخل الرئيسي في كاميرتي، الذي تركت عند بابه السيارة..مشيت ومشيت ، وعثرت على المدخل، بعد أن تورمت قدماي من المشي..

كانت آخر وقفاتي بغرناطة الفاتنة، غادرت وتركت ورائي البيازين وقصر الحمراء وأشجار النخيل وحقول الزيتون التي لا يحدها البصر..
رحلة تتجدر تفاصيلها في مخيلتي، لا أنسى أبدا هذه الأرض الطيبة، و سأعود إليها كلما شاء القدر..

آخر محطاتي إشبيلية، بدأت رحلتي منها وسأختم بها قبل أن أعود إلى الواقع الباريسي البارد ..

19 يناير 2012

قرطبة .. وحنين إلى العصر الأموي

23 تعليق



ما يحدث معي كلما عزمت على زيارة الأندلس لا أملك له تفسيرا حتى الان، ما أعرفه أنه ليس بكاء على الأطلال بقدر ما هو حلم أحب أن أعيشه، ويوجعني، وأنا واقفة أمام بقايا حضارة أبهرت العالم منذ قرون ولازالت أسرارها دفينة تعجز الباحثين وراء هذا الفردوس المفقود..
أشارككم رحلتي بالكلمة والصورة، لتقاسموني فرحي وحزني وانبهاري..


بداية الأسبوع، صباح أندلسي، حطت الطائرة بمطار سان بابلو بإشبيلية، السيارة التي حجزت في انتظارنا، كان مقررا أن نقضي اليوم الأول في إشبيلية، لكني وجدت نفسي أقطع الكيلومترات المائة والثلاثين، وقلبي يهفو إلى مسجد قرطبة العظيم..



اقتنينا التذاكر، دخلنا المسجد، ورعشة تسري في جسدي، أتأمل هذا الصرح العظيم، أهم معالم الحضارة الإسلامية، المسجد الجامع، لبنة التنظيم العمراني، فن الزخرفة به تحار له العقول، وتتلذذ بالتمحيص فيه الأعين..

حسب الكتب التاريخية، تم إنشاؤه على مدى قرنين ونصف من البناء، وضع لبنته عبد الرحمن الداخل، يوجد في المسجد 1400 عمود من أقواس الدّائرة، ويتدلّى من السّقف المصنوع من خشب الأرز 4700 مصباح من الفضة، لتضيء تسعة عشر رواقاً طولياً، تتقاطع مع ثلاثة وثلاثين رواقاً عرضياً، أعمده المسجد فارهة الطول وكأنها أشجار نخيل شامخة..


كان المركز الديني الذي تحيطه باقي المراكز العمرانية، ففيه كانت تعقد الاجتماعات وتنشر البنود، إضافة إلى مكانته العلمية، حيث الطلبة يستسقون العلوم الدينية، إنه أعظم مساجد الأندلس، تحفة فريدة وآية من آيات الفن المعماري..لا تملك أمامه سوى الصمت..


الآيات القرآنية المقروءة على جدرانه والأدعية والأقوال لازالت تشهد عصر الإسلام الذهبي، بعدما قرر الإسبان عدم هدم المسجد وتحويله إلى كنيسة لتتداخل نقوشه القرآنية مع تماثيل مسيحية تعود بنا إلى عصر الفتوحات والصراعات وعصر الهزيمة..


خرجت إلى فناء المسجد، حيث أشجار البرتقال المنتشرة تتوسطها نافورة جميلة، تعيدك مرغما إلى زمن الأجداد، استرحت بجانبها قليلا، لا أخفيكم سرا، شعرت بانقباض في قلبي، تملكتني الحسرة..وغادرت..


ألقيت نظرة على قصر الإمارة، القريب من المسجد، كان مغلقا، فهو لا يفتح في وجه الزوار أيام الإثنين..سأعود إليه فيما بعد..



تجولت في الأزقة الضيقة، والدروب التي أعادتني إلى حارات المغرب القديمة، وكأنني أمشي في دروب فاس ومكناس ومراكش وسلا..ذات البناء وذات النقوش وذات الفسيفساء، وكأن شيئا لم يتغير منذ عهد الداخل، عدا الوجوه الشقراء التي تملأ الأمكنة..


الطقس معتدل، والشمس ترسل أشعتها الخجولة..تمشينا فوق قنطرة الوادي الكبير، من آخرها ترمق جامع قرطبة، ألقيت نظرة أخيرة، قبل أن أقف على أنقاض الزهراء..




ثلاثون كيلومتر تقريبا عن قرطبة، توجد مدينة الزهراء أو بالمعنى الدقيق أنقاضها، المدينة الملكية التي بناها عبد الرحمن الناصر لتكون حاضرة لملكه، وتماثل  دمشق في جمالها، ازدهرت على مدى ثمانين عاما، وعرفت بفن معماري منقطع النظير لما استعمل فيها من الذهب والرخام، كانت معلمة من معالم الرقي الحضاري والتفوق المعماري..


أشجار الليمون والنخيل في كل مكان، على الرصيف وجوانب الطرقات وداخل المساجد والبيوت العتيقة، اللون البرتقالي رمز المدينة وحبات البلح تتساقط بين الفينة والأخرى، والفسيفساء الأزرق إشارة لعهد لم ينتهي..ياله من جمال بديع تغادره وأنت تردد في سرك .. متى أعود إلى هناك ..

في التدوينة القادمة سأشد الرحال إلى غرناطة، جوهرة المدائن، وقصة عشق لا تنتهي، وأختم بإشبيلية، ترقبوا البقية..فالقادم أجمل..:)

05 يناير 2012

بين الحضارات في كاي برانلي

21 تعليق



هو مكان أسطوري، تحفة مغلفة بحديقة خضراء، متحف كاي برانلي Musée du quai Branly، أو ما عرف في فترة بمتحف النظرة للآخر، متحف الفنون والحضارات، الإفريقية والآسيوية والأوقيانية والأمريكيتين، والذي يقع في الدائرة السابعة من باريس، برز على ضفة السين بجوار برج إيفل، صممه المهندس المعماري جان نوفيل، ذاته الذي صمم معهد العالم العربي بباريس..


افتتح المتحف في العشرين من يونيو 2006 بدعم من الرئيس السابق جاك شيراك، وتحت إشراف مشترك بين وزارتي الثقافة والاتصالات والبحوث والتعليم، الذي أراده شيراك أداة سلام تشهد التكافؤ الكامل في الجدارة بين الثقافات والبشر.


هذا المشروع الطموح يحتوي على خمس مبان تضم خمس حضارات، قائمة على مساحة إجمالية قدرها 40600 متر مربع مبنية على حديقة عامة كبيرة أنشأها جيل كليمان، مساحتها 1.8 هكتار، تحتوي على 180 شجرة، 15 مترا من الزهور وكثير من الأنواع النباتية، يحميها من رصيف المارة جدار زجاجي..

كما أنشأ عالم النبات باتريك بلان جدارا نباتيا ضخما من 800 متر مربع، مستوحىً من الطبيعة، حيث قام بتصميم جهازه المدهش الذي تبث عليه 15000 نبتة من 150 نوع مجلوب من مختلف أنحاء العالم ليزين واجهة المتحف وكأنها لوحة فنية خضراء مدهشة. 



يهتم المتحف أيضاً بتطوير البعثات العلمية وتقديم مجموعة واسعة من الأنشطة للزوار..
ويضم مجموعة زاخرة من الفنون البدائية من مختلف حضارات الأرض، فنجد علم الآثار والنحت، الرسم، التصوير الفوتوغرافي، الإثنوغرافيا، المنسوجات، الفضيات، الأسلحة، المخطوطات، السيراميك، أديان الشرق الأقصى، عروض حية وموسيقى، وثائق وفنون إفريقية، طباعة حجرية ورسوم توضيحية، سجاد ومطبوعات، أنثروبولوجيا، أيقونية، فنون زخرفية وفنون جنائزية، حلي، قاعات للأفلام، مجوهرات وفنون إسلامية..وما إلى غير ذلك كثير..




أما حقبة المجموعات التي ضمها المتحف، فمنها ما يعود إلى العصر الحجري، والعصر الحجري الحديث، وأخرى تعود إلى القرن الثاني والرابع والخامس والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والخامس عشر..والقرن العشرين والحادي والعشرين .



كما يُمَكِّنك المتحف من زيارات مرفقة بلغات عدة، فرنسية وإنجليزية وإسبانية وإيطالية وألمانية، وكتيبات بذات اللغات تستدل بها على المكان لزيارة ناجحة..






كانت الجولة داخل المتحف غنية ومفيدة، تنقلت فيها وصديقتي لطيفة بين العصور الماضية، قرون خلت ما بقي منها سوى آثار جملت الأروقة الخافتة للمتحف، تعيد الزائر إلى أصل العالم ليستحضر زمن الدهشة..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More