25 أبريل 2011

وجدة..عروس الشرق

35 تعليق


سأحدثكم هنا عن مدينتي، عن وجدة، عاصمة المغرب الشرقي، سأسرد على مسامعكم جزءا من تاريخها الغني بالأحداث، ففي غمرة المدن العالمية التي زرتها، نسيت أن أخصص حصة لمدينة تحتضن بين يديها أنفاسي..يغفر لي في ذلك المثل الفرنسي..(vaut mieux tard que jamais)..سأرفقها بصور التقطتها خلال هذه الإجازة الربيعية..

باب عبد الوهاب
اختلف الباحثون والمؤرخون عن أصل تسميتها، لكن الأرجح مرتبط بحدث تاريخي تمثل في مطاردة المغاربة لسليمان الشماخ الذي اغتال الملك إدريس الأول بأمر من العباسيين حيث دس له السم، ثم فر نحو الشرق هاربا، فاقتفوا أثره ووجدوه في مكان قريب من وجدة الحالية، وقتلوه، وبذلك سميت وجدة..

تقع مدينتي في أقصى شرق المملكة على الحدود المغربية الجزائرية، إذ لا يفصل بينها وبين المركز الحدودي سوى 14 كلم..كما تبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط بستين كلم..

تأسست المدينة على يد الزعيم زيري بن عطية المغراوي (نسبة إلى مغراوة إحدى قبائل زناتة البربرية)..وذلك عام 994م، بعد أن ولاه الفاتح الأندلسي محمد بن أبي عامر على المغرب الأقصى، حيث اتخذ مدينة فاس عاصمة لمملكته،  لكنه دخل في صراع مع محمد بن أبي عامر في الأندلس والفاطميين والصنهاجيين في المغرب الأوسط، الشيء الذي جعله يبني مدينة وجدة لتوسيع مملكته  وتحصينه من الأخطار المحدقة به من الناحية الشرقية..

المدينة القديمة
ولمدينتي حكاية أخرى مع الاستعمار الفرنسي، فموقعها الحدودي مع الجزائر كلفها وساكنتها احتضان المقاومة الجزائرية ومدهم بالمال والسلاح ودعمهم على كل المستويات خاصة على عهد الأمير عبد القادر الجزائري..وهذا ما جعل وجدة في عيون فرنسا الباب الرئيسي لاحتلال المغرب والسيطرة على الشمال الإفريقي بدعوى القضاء على القواعد الخلفية للمقاومة الجزائرية..فدخلت فرنسا حربا مع المخزن المغربي عام 1844م في معركة إسلي، لضرب البلاد بحجة مساندة المغرب للمقاومة الجزائرية، والتي انتهت بهزيمة المغاربة وأبانت عن ضعف المخزن المغربي أنذاك، حيث أجبروا على توقيع اتفاقية للامغنية في العام الموالي، التي كان أبرز بنودها رسم الحدود بين الدولتين المغربية والجزائر المستعمرة، إلى أن دخل الجيش الفرنسي مدينة وجدة تحت قيادة الجنرال الفرنسي ليوطي بتاريخ 24 مارس 1907م..

حدث اخر عاشته وجدة عام 1948، تمثل في ذبح 48 يهوديا، قيل أن السبب الرئيسي فيه هو قيام الحاكم العسكري الفرنسي روني برونل بالتحريض ضد يهود وجدة الذين أظهروا انحيازهم للمستعمرين ضد المقاومين،  فاغتنم الحاكم الفرصة لدفع اليهود إلى المغادرة إلى إسرائيل وذلك بتنسيق سري مع الوكالة الصهيونية العالمية..

باب الغربي
أما الان، فسنقف على بعض المعالم الرئيسية التي تمثل المدينة، فنجد باب سيدي عبد الوهاب، هذا الباب الأثري المطل على ساحة عبد الوهاب، يعتبر مركز المدينة، حيث يعد نقطة انطلاق والتقاء الطرق المؤدية إليه والمنطلقة منه..وبه تتمركز التجارة..
كما نجد باب الغربي، المطل على ساحة سرت، على اسم المدينة الليبية المتوأمة مع مدينة وجدة، وهناك أيضاً سوق الفلاح، سوق عريق، قديم وكبير، تجد به ساكنة البلد جميع مستلزمات حياتها اليومية..

كما توجد ساحات متعددة منها ساحة 16غشت  حيث جامع عمر ابن عبد العزيز الكبير، و9 يوليوز والمغرب العربي، وتبقى ساحة المغرب هي الأهم حيث نافورة عظيمة تحيط بها محلات تجارية متنوعة..

ساحة ١٦ غشت
هذا إضافة إلى معالم دينية شهيرة كمعهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية الذي يتخرج منه مئات الطلاب وحفظة القرآن، فضلا عن المجلس العلمي الذي يضم أهم مكتبات المدينة..


نجد أيضاً وسط شارع محمد الخامس كنيسة سان لويس دانجو حيث أول كنيسة بناها المستعمر الفرنسي..

كنيسة سان لويس دانجو
بالمدينة أيضاً يوجد ضريح سيدي يحيى بن يونس، الذي يزوره منذ مئات السنين يهود ونصارى ومسلمون، حيث أفادت النصوص التاريخية أن الولي المدفون هاجر من قشتالة بالأندلس إلى وجدة واستقر بها، ثم مات ودفن بها أيضاً، أما مصادر أخرى، فتفيد أن به جثمان أو أجزاء منه للقديس يوحنا المعمدان ( النبي يحيى بن زكريا).. والذي يظل إلى اليوم مزارا لأعداد هائلة من يهود العالم .

ضريح يحيى بن يونس
وأنت تجوب شوارع وجدة، لا تنسى التوقف عند بائع ( كاران) ، الوجبة الوجدية السريعة والشهيرة، المصنوعة من دقيق الحمص، ترفقها بمشروب البرتقال ( بريدة) الغني عن التعريف عند ساكنة البلد..


ثلاثة سقاقي
تذوق كعك المدينة مرفوقا بكأس شاي على الطريقة الشرقية، ثم خصص لنفسك سويعة استرخاء وسط حمامات وجدة التقليدية..

مارينا-السعيدية-
مارينا-السعيدية-
 إن كنت من عشاق البحر مثلي، فعليك بالمحطة السياحية القديمة العهد، الحديثة التجديد (السعيدية)، التي تبعد عن وجدة بحوالي 60 كلم، حيث الشمس والبحر، تمارس كل أنواع الرياضات المائية بكل حرية..أما إن كنت من أكلة فواكه البحر الشرهين، مثلي كذلك، فعليك بوجبة غذائية متكاملة في راس الماء (cap de l'eau)،
حيث أجود أنواع السمك ولا تنسى احتساء شربة السمك أيضاً..ما ألذها..


CAP DE L'EAU
هنا نقلت لكم بعضا مما قاله التاريخ عن مدينتي، وما عشته وعايشته في هذه المدينة التي تشهد حاليا موجة من النمو والازدهار يرجع الفضل فيها إلى سياسة ملك المغرب محمد السادس الذي يوليها اهتماما بالغا، ينصفها بعد سنين الركود التي عاشتها أعواما طوال في ظل النظام القديم..

16 أبريل 2011

أفضل مدونة عربية .. شكرا لكم

47 تعليق

قوية كانت لحظة السعادة وأنا أشهد إعلان مدونتي كأفضل مدونة عربية للعام 2011 في مسابقة أرابيسك، رغم عمرها القصير، فهي لم تتجاوز الستة أشهر على انطلاقها..

وأنا بين أحضان الوطن وعائلتي، أسعدني هذا التتويج، فخر واعتزاز راوداني وأنا ألمح البسمة تتلألأ في عيون من أحبهم، فشكر عظيم لكل من كان له الفضل في رسم هذه البسمة الصادقة..
شكر عميق لعائلتي، لقراء مدونتي وزوارها الكرام، لصديقتي اللطيفة، وشكر خاص لأعضاء لجنة التحكيم على ثقتهم وتشجيعهم لمدونتي وللتدوين بصفة عامة..
لكم مني أطيب المنى ومسيرة تدوينية موفقة للجميع .

10 أبريل 2011

إلى الوطن ..

38 تعليق


الوطن ينادي أيها الأحبة، رائحة ترابه تنخر عباب جسدي، تحرضني على الهرولة، لعناق سماء المغرب الزرقاء، لم أعد أرى أضواء برج إيفل تلمع، ولم يعد يغريني منظر السين وجسوره التي يرصف فوقها العشاق ليلا، أريد أن أستنشق اللحظة ووطني، أشتم رائحة خبز أمي، أنصت لنصائحها، أحتضن حنانها، أشتاق لمجالسة الدركي المحنك، أقصد والدي، وندخل معا أغوار النقاش، الذي يحتدم، يهوي، ويعلو، ثم ينتهي بدرس أستفيده من الحياة مرة إضافية على يديه، أحن لمنظر أختي، وهي تسرع، تركب سيارتهاعلى عجل، لأنها استنزفت آخر الدقائق معنا، قبل أن تذهب للعمل، أشتاق لأخي الصغير، لمشاداته الكلامية، لعصبيته، لنوباته الطفولية، لمشاكسته حتى يثور، ثم يغادر رفقة دراجته النارية، ويعود محملا بأخبار ونكت هستيرية..

سأشد الرحال إلى وطني، أشربه جرعة مسكنة، أبدد تراكمات باريسية، أجدد ما بداخلي، كي أعود مشبعة بشمس ورائحة المغرب، أختزن فيض الإحساس لأيام فرنسية باردة قادمة.. 
إلى أن نلتقي..دامت لكم السلامة أيها الأحبة. 

05 أبريل 2011

نفحات الذكرى

30 تعليق


أذكرها جيدا، كانت جميلة كليلة حلم أبيض، أجنحتها كانت تحتضننا بدفئ يشبه ذلك الذي تغدقه العصفورة الأم على صغارها،  كنا كالشجرة، وكانت الأرض التي تمتد فيها جذورنا، عطاؤها اللامحدود لا تجد له قياسا، مسالك روحها مشرعة، تعبرها قلوبنا الصغيرة على مدى الأيام، كانت ملاك اليوم والغد وكل الأزمان..
كنا نتنفس الحياة من أشعتها، ونبني من خيالنا بيتا تسكنه قصصها المثيرة التي كانت تكافئنا بها بعد نهاية الواجبات المدرسية، كما الترس المنيع هذه الشابة في مقتبل العمر، تحصننا أسوارها القائمة فوق أرض خصبة لا ينمو بجانبها غير الحب، يلفها سياج من إخلاص غير مسبوق..

لكم أحن إلى أيام الأبجدية الأولى، التي لقنتني إياها، نِعم الخالة والمربية والأخت والصديقة كانت، تتلمذت على يديها، تعلمت منها أشياء وحفظت أخرى، كانت تبغي تفوقنا، اجتهدت لذلك، وكان لها دوما ما أرادت..
عصامية التكوين تلك الفاتحة المسالمة التي غزت دواخلنا بطيبوبتها، وما أعلنته جوانبها وما أضمرت من إخلاص وتفانٍ تشهد به ذاكرتي بعدما عبرتُ عمرا من الزمن، ولازلت أقف على جسور الوفاء الشامخة التي ظلت تشهد صلابة بنيانها..

ترتسم مع الحروف صورة الماضي، ونحن نقتسم نفس الغرفة، المكتب الذي ظل زمنا يحتفظ بذكريات السهر، والواجبات..أبتسم كلما زارتني ذكراها، القراءة والقرآن الكريم والرياضيات ودفاتر الرسم..آه من الرياضيات، كنت أمضي في حلها رفقتها زمنا أطول، كانت تشرح وتعيد الشرح، إلا أن يستقر حل المسألة في قرارة ذاتي، مرغما، فمعها، لا مجال لكلمة لا أو ربما، أو ممكن، كان الإيجاب كل ما تعترف به، قبل أن نطلق العنان لمخيلتنا، نسابق أحلام اليقظة وهي تسرد على مسمع مني ومن أختاي قصصنا المفضلة من سلسلات (bande dessinée)..تحضرني الان واحدة..تلك التي انتهت بفيضان قدر الحساء الذي تدفق إلى أن أغرق المدينة كاملة..^_^..

شعور لامع كخيوط شمس ربيعية يرقص في علياء السماء، تحول ذهبا، طوقني هذا المساء، بإكليل من عبق الماضي، ارتشفت منه ما أشتهي، أباد تراكمات يومية، جرفها الحنين إلى طفولة زاخرة بذكريات جمة..
فلكِ مني أيتها الغالية رسالة شكر عظيم، أنحني فيها بين يديك، أضع قبلة زاهرة على خدك، تفيض بعطر المحبة التي تسكنني كلما مرت بحواسي ذكراك.

01 أبريل 2011

لله درُّكِ..

26 تعليق


نمشي الهوينى..
نتبجح..وكأن الزمان لا يعنينا
وكأن فتيل القنبلة ليس مشتعلا فينا
ليس يهدد الصخر والولد والمدينة
والصمت ..باذخ يستحيل سكينا
يقطع أنفاس الفجر الأولى
ويغتصب عند بابه..
نجمة عذراء تزين أعالينا

ضفائرالجدة تصرخ..
أيا سافلا بمعين الدمع أسقيت أهالينا
 قشرة الأرض تخِزها أظافرنا وتشتكينا
ثم تُسلِّم، وتحنو، تصطبر..
تتمخض لتنجب طبقة أخرى
تغطي وجهها الحزينَ
فينقشع البرق، مزمجرا..
ينسل بين ضفاف المدى..
ثم يردد بأعلى صوته..
سأبقى أنخر عباب الصمت..
أقض مضجع الولاة.. 
ما بقيتِ حزينةً يا فلسطينَ..

على دفتر الشمس تقلب صفحات الأمنيات
مرصفة كما الحسناء الرصينة
تنتظر لستين عام ..
في الليل الأليل صهوة الجواد العربي..
وسيفه المسلول من غمد الذاكرة
فتدمع المسامع حيناً لأنها لا تسمع صهيله
ويتندى لها الجبين حيناَ..

تتراقص جدائل الصغيرة
 تنطق يا أبتي..
لا دمع ولا تكدر فنحن جنود الحزن
نضيِّفها في الصباح والمساء
وعند الليل ينام الحزن فينا حزيناَ..
يقول مالي سكنت هذا القوم
ولم أرتضي غيره خدرا مذ كان جنيناَ 
وتهرول مصانع النسيج الأبيض
تغزل قطعا..
تضعها على أكتاف الرضع
والشباب والشيب..بالتساوي
لا تكلُّ من أعوام ستيناَ

أنا..بعد سنينٍ، وسنيناَ
لم أرى سوى العروبة معروضة في ساحة البغاء
تحتال على الطقوس والشرائع
وتمشي مختالة فوق جثة البشر
تحذف من علبة الألوان لون الغضبْ
تكدس في راحتيها أطنانا من الذهبْ
الأسود والأبيض..
يشعل فيها لهيبا..
يحرق من مراجع التاريخ
ماضٍ   كان اسمه - العربْ  - .

25 مارس 2011

زلة حلم ..

27 تعليق


سافِرَ الوجه كان يركض، لاهثا، يبحث عن مخبأ..جن الليل، ولازال البحث يضنيه، لم يجد سوى كهوف من الحزن تحتضن عمره الفتي الهارب، وبضع سنانير تؤنس ليله المدلهم..

دوامة لا يسبر غورها غير المتمرس، لكنه وقع فريسة لبطش الشارع، ومحدودية التفكير رغم ذكائه المشهود..
أما كان من الأجدر اللحظة أن يكون بين أترابه، يتفرس في أمل قادم، وحياة تنتظره عريضة بحجم السماء؟..

هاهوذا مستلقٍ على بلاط صلب، يقصم ظهره النحيل، خلفه الأبواب موصدة، يتضور جوعا، ورجال البوليس، تعوي كالذئاب، مزمجرة في وجهه، تذيقه وابل اللكمات في الغدو والرواح..

لم يبلغ الحلم بعد، ولا عقله يستوعب ما يحدث له، انساق وراء ثلة من فتيان الشوارع، ليجد نفسه يركل الفضيلة، ويحتضن ما عداها من خبث ورذيلة، حتى سقط في شراك القدر وهو ينصب له كمينا، في محاولة اعتداء، هاهي ذي ترهن مصيره بين يدي زمرة من رجال الأمن..

انهارت عليه جبال من الأسئلة العاقر، يحاول في وحدته إيجاد أجوبة لها، تشفي حنقه، أو بعضا منه، يجرفه سيل من الدموع، تعتصر قلبه، وصورة عائلته ترتسم أمامه..أبواه الطيبان، لم يقصرا أبدا في حقه، منحاه أكثر مما يستحق، ومنحهما ما لا يستحقان..

قرعٌ متتال على الباب، ظلام دامس، لا يبصر من حوله شيئا، أصابه من الهول ما يعمر دهرا..من الطارق يا ترى؟..وفي أي هزيع من الليل نحن؟..
وبينما تهوي عليه الظنون كحد السيف..بدا له وجه أمه، كذبالة الشمعة توقد غرفة الضيوف التي نام بها على غير عادته..
- هيا انهض يا بني، إنه وقت المدرسة..كفاك خمولا، ستتأخر مرة أخرى...

أمضى يومه مهموما عابسا، تكتم على حلمه، دفنه في غيابة نفسه، أذعره الإنذار القادم من علياء السماء..فقرر أن يتدارك ، قبل أن تعلق قدمه في الوحل..فهو لا يريد أن يبصر وجه ذلك الخناس، في صورة رجل البوليس...

19 مارس 2011

أمي.. أنشودة في دمي

47 تعليق


تمهلي، تمهلي أيتها النسمة الدافئة، فخفقات القلب تنخفض وترتفع، تهوي وتعلو، ثم تستقر، حينما الوعثاء تصيبني، وأنا بين ثناياك أبحث عن مكان الطفولة، عن صدر لازلت أتحسس موضعه، رائحتكِ لازالت عالقة تحفظ سرها تلك القطرة الحارة على أرنبة الأنف، كلما داعب صوت الوله حواسي، حين الشوق يعبر المسافات ما بعد الألف، ومن القارة السمراء إلى الشقراء، تختلط العبرات، تنقل معها رائحة ماء الورد، وبشرة ملساء تشتهيها شفتاي، لأطبع عليها قصيدة حب تليق بمقامكِ..

يقفز دون موعد كأس الحليب الصباحي إلى مخيلتي.. اشربيه كله بُنيتي، وطريقك بإذن الله بيضاءٌ بيضاء..ما أروعك يا أمي، وما أروع البياض الذي رسمته دوما أحداقك الباسمة، وأنا بك أنادي ليلَ نهار، وأعتلي في حبك عرش الولاء..كل صباح، وكل مساء..

ويأتي صوتك، كالصدى المتردد، يجد بابي مشرعا، يسري بين مسامي، يتدخل بين الرمش والعين، يستكين فوق الأهداب، ينام كالحلم الجميل على سرير الذكرى، مستلقيا موليا قبلته نحوي، يخاطبني في صمت، فبيني وبينه لا يوجد حجاب، وتسود اللغة المحررة من الكلمات..

لازالت تصلني يا أمي، كل الكلمات، كل العبارات، الأسرار الصغيرة والكبيرة، يحفظها وعاء من وفاء، قفله شوق للزمن الهارب..
ما أحوجني لوصالك، لعناق أحجية جادت بها مفكرتك، ونحن نلتف حولك كما الهرر، نحملق في ذهول.. ونزعة طفولية الان تدغدغ خلايا الذاكرة..

ما أقسى الشوق، حين تحكم المسافات قواميس البشر، ويندس الحنين بين تنهيدة وأخرى، يرتفع صوته حيناً، وينخفض حيناَ، ينتظر لقاء يروي ظمأ الانتظار، ويلبي رغبة قبلة عالقة على شفاه الحاضر..أسمعهم الان ينادونني..الوطن وأمي، وطفولة مفتولة بخيوط من حب..

14 مارس 2011

بين الأمس واليوم

26 تعليق


يبحث في أغراضه، يتخبط كمن أصابه المَسُّ، عن دفاتره، عن كتبه القديمة، عن بقايا صوره التي زينت يوما ما جدار البيت، يبحث بين الدروب عن حارته التي سكنها، عن صبيان الحي..يبحث عن بقايا قطع الحلوى  التي كانت تجود بها أم أيمن ظهيرة كل جمعة..
أينهم يا ترى؟..لماذا لم يعد يسمع صداهم يتردد؟..المكان نفسه، والزمان آخر، غير الذي عايشه وعاش فيه !!..

أي طوفان جرف زمن اللهفة الكبرى!!..

إسوارة الزهر التي كانت تصنعها ابنة الجيران لم تعد تزين معصم صبايا الحي، ولا الصبيان يركضون خلف عمو صالح ينهشون ظروفهم من بين رزمة البريد الكبيرة.. 
 وحتى ضفائر فاطمة لم تعد تسابق الريح..أين هي الان يا ترى؟..أتراها تزوجت؟..ومن ظفر بتينك العينين العسليتين الساحرتين؟..

أعمدة النور العالية لما صارت خافتة هكذا؟..ألم يكن نورها يؤنس وحدة النجوم حتى ولادة خيوط الفجر الأولى؟؟..ورائحة الخبز، غريب لا أثير يحملها، لم تعد تفوح على بعد عشرين قدم من باب الحارة..الفرن..أين الفرن ؟..

تجمع الدمع في عينيه، وزفرة تخترق ذاكرته، تعيده إلى ساعة الغروب، وصدفات البحر، إلى أمواج تشرين الغاضبة، إلى فراشات آذار، وعطر البرتقال، إلى قصص الجدات، والأمثال الشعبية التي تناقلها الرجال..
تظهر في مخيلته فاطمة، والمواعيد المفتعلة الخجولة قبالة مراكب الصيد..ثم يمحو على عجل وجع الماضي بمنديل من ورق..

في لحظات ولد الماضي في عينيه، أغمضهما مسرعا، هرول هاربا من جور الذكرى، يبحث عن شجيرة نسيان، يقطف منها ثمرة..    

10 مارس 2011

عين على التاريخ (غرناطة - Granada)

31 تعليق




خصصت الجزء الأخير من الرباعية الأندلسية لغرناطة، جوهرة المدائن في القرن العاشر الميلادي، كانت في بداية الفتح الإسلامي قرية صغيرة لم يعرها المسلمون اهتماما لوجود مدينة البيرة بالقرب منها، لكنها صارت تنمو وتتوسع بعدما سقطت الخلافة في قرطبة، وأحرق البربر مدينة البيرة واستولوا عليها، مما دفع سكانها للانتقال إلى غرناطة، وصار اسمها يسيطر تدريجيا إلى أن حل محل البيرة..



كانت غرناطة تقع على الضفة اليمنى لنهر شنيل، وتخترق نهر حدرة، ويطل عليها من الشرق والغرب جبل شلير، أو ما عرف بجبل الثلج، الذي لم تكن تفارقه الثلوج صيفا وشتاء، كان لكل هذه العوامل الطبيعية أثر في ازدهار المدينة وإحاطتها بالحدائق والبساتين..
اتخد زاوي بن زيري عام 1013م غرناطة عاصمة له، ومدَّنها حبوس الصنهاجي، وحصن قلاعها وأسوارها وبنى قصبتها العظيمة، ثم خلفه ابنه باديس الذي ازدهرت في عهده المدينة وعمرت، هذا قبل أن تسقط مرة أخرى من أيدي بربر صنهاجة ويستحوذ عليها المرابطون عام 1089م..



توالت الأحداث وتقلد محمد بن يوسف بن نصر الحكم، وضم غرناطة ليجعلها مملكة له، بيد أن الأندلس الإسلامية أنذاك بدأت تتهاوى وتتساقط مدينة تلو الأخرى تحت سيطرة الزحف القشتالي، الشيء الذي جعل آمال الأندلسيين تعقد عليها، فصارت أنذاك معقل المسلمين الذين نزحوا من المدن المجاورة، فضمت بذلك مجموعة هائلة من العلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء، في علم الجراحة والحساب والهندسة والفلسفة وغيرها..
وقد بلغت غرناطة عصرها الذهبي في عهد أبي الحجاج يوسف الأول، فأقيمت أول نواة لقصر الحمراء، وشيدت الأبراج ونهض فن الزخرفة..




ظلت مملكة غرناطة صامدة تحارب  في عهد ملوك بني الأحمر، وتدرء الهجومات مدة قرنين، خلفت فيهما آثارا ضخمة منها قصر الحمراء، معقل غرناطة الهام، الذي يعتبر بمثابة متحف الحضارة الإسلامية الأندلسية التي لخصت فنا معماريا منقطع النظير، وقصر جنة العريف ومئذنة جامع التوابين، ومسجد البيازين وغيرهم..


هذا إلى أن سقطت آخر معاقل بني الأحمر في أيدي الإسبان عام 1492م، وخرج آخر ملوكهم أبو عبد الله منها، وتم إجلاؤهم عن الأندلس جميعها حيث نزح أغلبهم في اتجاه المغرب العربي..



ليبقى المكان الذي ألقى منه أبو عبد الله نظرته الأخيرة على غرناطة معروفا باسم ( زفرة العربي الأخيرة-El último suspiro del moro)..حيث تأمل غرناطة صامتا، ثم بكى ونظرت إليه أمه عائشة الحرة، والتي حفظ لها إلى الان الإسبان باحترام وتقدير كبيرين وألفوا حولها القصص والأساطير لما لعبته من دور لإنقاذ عرش غرناطة في مناسبات عدة بحكمتها، كما أنهم احتفظوا بمنزلها بحي البيازين الشهير، والمعروف اليوم بدار الحرة..
نظرت إلى ابنها عبد الله وقالت له..ابك كالنساء ملكا ضائعا لم تحافظ عليه مثل الرجال..

06 مارس 2011

رسالة حب قصيرة إلى أبي ..

59 تعليق


ما أكتبه لك هذا المساء ليس عرفانا، ولا هي رغبة في الكتابة لأجل الكتابة، إنه شعور خفي يدفعني لأدون لحظة صدق، وقطرات تتلألأ أجهل مصدرها، تدفعني لأقول لك كم أحبك يا أبي..

لم أجد ما يناسبك من كلمات، سأحاول أن أتحدث، لكن عن ماذا ؟ ..أعن مثلي الأعلى، وقدوتي في الحياة؟..عن الرجل الصلب صاحب القلب الشجاع؟..عن رجل خبر من الحياة الكثير، وحاول إيصال خبرته لأبنائه..؟؟..
أنت إنسان عظيم يا أبي، لا لأنني ابنتك أقول هذا، بل لأني أقف كل يوم على صدق ما علمتني إياه، كلماتك، آراؤك الوجيهة، خطاك السديدة، حكمتك وتبصرك..

هي فقط رسالة حب صغيرة، وحنين باغتني، ولدت دون تفكير، هكذا، أردت أن أوصلها إليك، محررة من تنميق الأسلوب وبلاغة اللغة، بسيطة عميقة، كما داخلي الذي يكن لك كل ما هو جميل..رسالة قد تقرؤها وأنت مار من هنا..أرسل لك معها أسمى التقدير، وكل ما يمكن لابنة أن تقدمه لأبيها... 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More