27 ديسمبر 2010

يوميات من قرية بلجيكية

4 تعليق

أغلقت المطارات حتى إشعار آخر، فأحوال السماء لا تنذر بالخير، لا مفر إذن من الوسيلة البديلة..السيارة.. الطريق مكسوة بالثلوج، والأمطار في تهاطل مستمر، ومع هذا وذاك، سنكمل الرحلة، ستكون شاقة نوعا ما، لكن لا بأس، سنصل رغم قساوة الطقس، فأوروبا بأكملها تعاني هذه اللحظة..



المئة كيلومتر الأولى، فالثانية، الثالثة، وكذا الرابعة..هانحن قد وصلنا..في النهاية لم يكن الأمر بالصعوبة التي رسمناها.. بلجيكا ترحب بكم، ها نحن نحط الرحال بالبلد الجار، لكن علينا الان البحث عن المدينة المقصودة، أقصد lommel..ثم بعدها de vossemeren..وبعد بضع كيلومترات..وصلنا، مئة هكتار من المساحات الشاسعة التي اكتست اللباس الأبيض، هو حجم القرية التي سنمضي فيها أياما، والتي تكون عادة حلتها خضراء مع بداية الربيع وحتى أوائل الشتاء، لكن هذا العام يبدو أنه سيكون قاسيا بما فيه الكفاية لكي نلزم البيت، كتاب، ومدفئة تذكرك أن البرد قاتل ما إن تخطو عتبة الدار..


استقبلنا مضيفوا القرية السياحية بحفاوة، الإجراءات كانت بسيطة وسريعة أيضاً، سلمونا مفاتيح مكان الإقامة، المزروع وسط أشجار الصنوبر، وهانحن نغادرهم بابتسامة، هذا كله ونحن نتحدث معهم لغة الإشارات، ظننت أنهم قوم يتحدثون الفرنسية كما هو حال سكان بلجيكا الأصليين، لكن على ما يبدو أننا في منطقة La wallonie، الواقعة جنوب بلجيكا، لغتهم غريبة جدا، هي أقرب إلى الهولندية أو ما شابه، وحتى السياح المتوافدون، وبكثرة عكس ما كنت أتوقع في هذه الفترة من السنة، لا تجد بينهم عربيا أو فرنسيا أو حتى بلجيكيا إلا نادرا، كان ثمة ألمان و هولنديون بكثرة..!!..
استغربت للأمر، أردت أن أسأل عن السبب، لكنني تراجعت، فأنا لا أعرف أي لغة أتحدث إليهم وهم لا ينطقون سوى لغتهم..



ما أجمل الدفء بين أحضان غابات لا ترى منها سوى البياض، مقبلات ووجبة غذاء، ثم استراحة، وبعدها إلى الخارج، حيث الكل ينحني لجبروت الطبيعة..
دون توان، إلى حيث الأسماك الزرقاء، والصفراء، والبرتقالية، والشعاب، والنباتات البحرية، كلها اجتمعت في مكان يسلب الألباب، تجد نفسك تغوص في ماء حرارته ٢٩ درجة، والسماء فوقك عارية، درجة الجو فيها ٦-..
تمازج رائع بين الصقيع والحرارة على ضوء ليل نجومه أسماك بألوان آسرة..عشقت ذلك التزاوج بين مختلف الأصناف، وبقيت أتأمله لفترة..




عودة إلى الداخل، حيث الحرارة معتدلة، والسماء تحجبها قبة زرقاء زجاجية، الأطفال هنا وهناك، يمرحون، والكبار متسامرون، لحظات دافئة بدفء المكان، ومياه منسابة بطرق شتى، مجال رحب لمحبي السباحة، كل وجد ضالته، وكأننا لا نعاني درجات تحت الصفر ترهق مسيرة أيامنا..




أنوار مضاءة تزيد لون الثلج بريقا، عشاء مع عائلتي الصغيرة، استرخاء أمام مدفئة متقنة الصنع، كتاب بعنوان مئة وثمانون غروبا، الذي بدأت قرائته هذا المساء..ودوام في باريس سينتظرني اليوم الموالي للعودة، بعد إجازة جميلة وطويلة دامت تسعة أشهر..أقول هذا كي لا أنسى أن لكل جميل نهاية..^_^..




ليلة هادئة، نوم عميق، ثم أول أشعة الصباح الأولى، فطور على عجل، ربما لأننا جلبنا العادات الباريسية السيئة معنا، فكل ما هناك يسير بوثيرة أسرع من البرق، لذلك لا مجال للكسل..






خيبة صغيرة، لكنها كانت منتظرة، ممارسة ركوب الخيل خارج الخدمة، وملاعب الكولف والرياضات المائية والتسلق كلها مغلقة، فضلا عن البرك المائية التي نظرا لتردي أوضاع الطقس، تحولت إلى مساحات جليدية هائلة،لا يوجد أمامنا الان سوى القاعات المغطاة، بعض من التنس، والبينغ بونغ، ورمي النبال، ورياضات أخرى تمارس في الداخل..




نظرة على الحضيرة، حيث الحيوانات المسالمة، خرفان وماعز وأبقار وخيول وديَكة، لم أميزها بداية، ففروها صار خشنا جدا، ويغلب عليه اللون الأبيض، يبدو أن كل ما هنا تدخلت فيه عوامل الطبيعة، أشفقت عليها من برودة المكان، مع أنها كانت تبدو سعيدة..


الان إلىdiscovery bay، وكأن المكان مغارة ضخمة للمغامرات اللامحدودة، الأطفال المتوافدون على القرية في قمة السعادة، هنا مكانهم المفضل، علمت الان لماذا، بعد أن حشرت نفسي بينهم، يال روعة المكان فعلا، وسلمت أيادي مصممه، وكأنه مغارة حقيقية..




وككل مساء كما مساءات هذا الأسبوع، تنتهي وسط المياه الدافئة والأمواج المختلقة، الشلالات المنسابة تزيد المكان جمالية، هنا يجد من يهوى السباحة مرتعه، وكأن المكان خلق لتعزيز تلك الرغبة..
لا بأس ببعض التسوق، هواية النساء المفضلة، المحلات هنا أنيقة ومرتبة، وسط حديقة مفتعلة، أشجارها تسكنها الببغاوات، تطل منها على اللقالق والسلحفاة الخجولة التي اعتزلت الاخرين، تنعم بالمنظر الجميل، والضوء الخافت فوقها..
أسماك هنا أيضاً، تراقب حركة المارة في الغدو والرواح، تحفها نباتات خضراء من كل نوع..


إلى الان كان كل شيء على ما يرام، حتى صباح العودة، وضعنا الحقائب في السيارة، الثلوج كانت قد تهاطلت بكميات كبيرة بالأمس، ولا مجال لإخراجها من تلك الورطة، محاولات يائسة، انزلقت السيارة، تحطم الجانب الأيسر منها لاصطدامه بسيارة أحد الهولنديين الذي أقام بالقرب منا، انتظرنا شاحنة المساعدة ساعتين تحت البرد القارس، إلى أن حان دورنا، فكثيرون ذلك الصباح كانوا في الوضع ذاته، انتشلت السيارة بصعوبة، وها نحن نسير ببطء شديد، فالعاصفة الثلجية قوية هذه المرة، أمضينا أربع ساعات للخروج من المدينة فقط، والسرعة لا تتجاوز الثلاثين، كل شيء كان جامدا، وكأن السيارات نفير من السلاحف اصطفت واحدة تلو الأخرى..


وأخيرا خرجنا من الزحام، لندخل الطريق السيار، لتكون المفاجأة الكبرى، كل الإشارات داخل السيارة تشتعل باللون الأحمر، يبدو أن هناك عطب ما، لاشيء يعمل، إنها كارثة، لم تفعلها منذ أن صارت رفيقتي، اتصلنا بالتأمين، حاولوا إرسال سيارة ما، أو حتى طاكسي، لكن لا أحد يعمل، الليلة عيد الميلاد، تشل الحركة لدى الأوروبيين، بقي أمامنا القطار، توجهنا نحوه، ليخبرونا أن الرحلة القادمة ألغيت بفعل الثلوج..


نُقلت السيارة إلى أقرب كراج بين الحدود الفرنسية البلجيكية، لم يبقى لي سوى الاتصال بأقارب يقطنون في المنطقة نفسها، أعارونا سيارة، ثم واصلنا مشوار اليوم الرهيب، لنصل بعد ثلاثة عشرة ساعة من الطريق اللامنتهية، بعد أن قطعناها في الذهاب في ظرف ثلاث ساعات ونصف الساعة..


غرفتي، ما أجملها، أعشقها، وكأن كل شيء كان كابوسا مزعجا.. تركنا وراءنا القرية في عمل دؤوب، وضجة هادئة، استعدادات ضخمة للاحتفال بعيد الميلاد، فليلة الرابع والعشرين من كل ديسمبر مقدسة عندهم، وتعني لهم الكثير..
قررت أن لا أعود إلى هناك في الفصول الباردة، فقد أخذت عبرة من الطريق، لكنني مع تفتح أول زهرة ربيعية سأعود، حتما سأعود..

19 ديسمبر 2010

مما قرأت هذا العام

10 تعليق

ارتأيت في هذه التدوينة أن أشارككم جملة من الكتب التي قرأتها هذا العام، منها ما وجد استحسانا كبيرا لدي، وأخرى أقل استحسانا..


خزانتي ضمت الكثير لباولو كويلو، مما جعله كاتب السنة عندي بامتياز، فقد قرأت له رواية الجبل الخامس و كذلك رواية إحدى عشرة دقيقة، ثم رواية ساحرة بورتبيللو و الكتاب الحديث العهد، الرابح يبقى وحيدا، هذا الأخير الذي شدني إليه بشكل غريب لا يقدر على صناعة أحداثه سوى عملاق في الأدب، كما هو شأن كويلو، فضلا عن روايته الأشهر، الخيميائي التي لا ضير في تكرارها بين الفينة والأخرى لئلا ننسى تتبع الإشارات..

كان لغابرييل غارسيا ماركيز نصيب من قراءاتي أيضاً، فقد قرأت له هذا العام روايته الضخمة مئة عام من العزلة، التي لطالما تمنيت الغوص فيها، لأجدني أغرق بين تفاصيل رهيبة أدهشني فيها ترتيب الأحداث وقدرة الكاتب على الحفاظ على تسلسلها، وكأنني فعلا عشت مئة عام داخل ٥٣١ صفحة..


برهان العسل أيضاً، للكاتبة سلوى النعيمي، أرادت به تحرير الفكر العربي من القيود المفروضة على الكتابة وجعل الثقافة الجنسية محوره الرئيسي، قرأته للمقارنة بين الثقافتين الغربية والشرقية لأجد الأولى أكثر تشعبا وعمقا..


كتاب الهويات القاتلة كذلك، لأمين معلوف، والذي يشدد فيه عن كون الهوية ليست ثابتة، بل تتحول مع الوقت وتحدث في السلوك البشري تغييرات عميقة، وإن وجدت، في كل الأوقات تراتبية معينة بين العناصر المكونة لهوية كل إنسان..أعجبتني طريقة تحليل الكاتب لموضوع الهوية، مع تحفظي على بعض الأفكار التي أختلف معها، لكن هذا لا ينفي أنه أضاف لجعبتي الكثير..


الدكتور عائض القرني وكتابه الشهير لا تحزن، لم أنهي صفحاته عمدا،حتى أعود إليه كلما أحسست بضيق أو حزن مباغث، إنه فعلا نعمة من الله إلينا جميعا..


كتاب نسيان، لأحلام مستغانمي، التي تعرفت عليها من خلال ثلاثية ذاكرة الجسد الشهيرة، هو كتاب ستجد فيها النساء اللواتي يعانين قهر الحب وتجبره ملاذا آمنا، ولو مؤقتا، يحميهن ضربات الحب القاضية، هو جميل لمن تريد امتهان النسيان..


هذا ولا أنسى كتاب الله، بطبيعة الحال، القرآن الكريم، الذي هو جزء مني ، أحاول المواضبة على قرائته قدر الإمكان..


هناك كتب لم تحضرني الآن بالتأكيد، لكن هذه كانت أبرز ما قرأت هذا العام، وساهمت بشكل أو بآخر في تنمية بعض المعارف لدي، ودافعا للقراءة أكثر، والتهام المزيد..

16 ديسمبر 2010

لحظة من عمر الضوء

10 تعليق

كان يدخن بهدوء، متأملا الشارع دون وجهة محددة، قبل أن يطفئ سيجارته في المنفضة، ويرفع بصره في حركة عشوائية، ليرتشف لحظتها مع فنجان القهوة الذي جاور علبة السجائر، والجريدة، جزءا كبيرا مني، وأحلاما ظلت عالقة لفترة بين خطوط النسيان، وصحوة الشوق..


كأنه اللقاء الأجمل الذي افتعله القدر لشخصين خنقا عمر اللهفة ليال طوال، لهفة أحيت زمنا ما، قصة ما، أحداثا رفضت فيها تقديم أية شروح لذاتي..تذكرت كل شيء في لحظة شرود..


كنا بعمق نعانق اللحظة الهاربة، في ضيافة يوم من أيام باريس الرمادية، تحت أنوار خافتة تنازلت عنها مدينة الحب، وكأنها تشيد المصادفة في هدوء..


لم تضم مذكرة حياتي موعدا مسبقا معك، ولم أكن أتوقع تلك النظرات المدججة بالحرائق، هنا، في مدينتنا التي تستضيف العاشقين، وتنقم حراستهم.. لفرط الذهول الذي خلفه التصاق الأحداق وقتها، ولتأثير المفاجأة التي جاءت بحجم الصاعقة، وجدتني أهرول لاهثة في درب اللقاء، أواجهك عزلاء، دون أدنى حماية، لتزدحم كل الأفكار المؤدية إلى مخرج النجاة منك، تحجبها تينك الصورتين اللتين احتفظت لك بهما وسط كتابك المفضل بين أروقة حقيبتي..
كنت ساعتها أطلب مطرا، لأطفئ نارا أشعلت جذوة نفسي، وأعاصير لا تأبه لجماليتها، بحجم الدمار. في ذلك الوقت بالذات، كنت أستجدي منك رفقا، وأستدرجك لاعترافات ذكورية بضرورة الاستكانة، احتفاء بذلك الفرح النادر..


كم دام عمر اللحظات، حين تعثرت بك، وخارت قواي للبحث عن كلمات تشبه الكلمات، ونحن تائهين، وسط دوار قلبي، رسمته أنفاسنا، أمام طاولة المقهى، والشارع الذي ظل يحتفظ بصورنا معا.
لم تقل شيئا، ولم أضف لصمتك شيئا، وحدها المصادفة كانت تهذي، محمومة بحرارة اللقاء، وبراءة النوايا..
مرت لحظات، وربما ساعات، لست أدري، قيل كل شيء دون اختزال، بلغة لا تشبه تلك التي ندركها جميعا.. اقشعرت السماء، لتنهال سيول من مطر، استبقتنا واقفين، تحت البرد، نتدفئ، تحت رحمة العاطفة..

13 ديسمبر 2010

ذبذبات حنين إلى روما

22 تعليق

رعشات ما في قلبي هذا الصباح تدفعني للكتابة عن تلك المدينة الساحرة، وعن ذات تشرين عندما قصدتها رفقة صديقتي اللطيفة، أتذكر كيف نشأت الفكرة بغتة لنجد أنفسنا وسط ساحات روما الشهيرة..




ربما تكون هذه المدينة واحدة من أقرب تلك العواصم التي زرتها إلى قلبي، كان كل ما فيها جميلا، تعرفنا عليها في ظرف وجيز، بل تصادقنا معها كذلك..
الوقت ظهر، والبرد أقل حدة من ذلك الذي تركناه في باريس، الحافلة جاهزة..إلى الفندق إذن..
وهاهو مضيف الاستقبال في انتظارنا..

هيا لطيفة، أنت درست بعضا من الإيطالية، أنا لا أفقه فيها شيئا..أقول لها .


وترد صديقتي، تتخللها ضحكة مزمجرة، كان ذلك منذ مدة، ما عدت أتذكر جيدا..
ننفجر ضحكا مرة أخرى، أنقذ  المضيف  الموقف، بابتسامة ترحيب، عارضا خدماته بالفرنسية، والإسبانية والإنجليزية..
وأخيرا في الغرفة..الوقت لازال مبكرا، هي فرصة للاسترخاء ...
تجددت الطاقة بعد حمام منعش، قمنا بعدها بجولة للتعرف على المنطقة المحيطة بنا، وتذوق أول وجبة إيطالية في شوارع روما..سباكيتي وبيتزا..ممم..كم كانتا لذيذتين..




أول خيوط الشمس تتسرب من النافدة، استيقظنا على كسل، كابوتشينو صباحي، مع أننا لسنا من عشاق القهوة، ووجهتنا الأولى ستكون الكولوسيوم-colosseo، المعلمة الإيطالية الشهيرة بساحاتها الضخمة التي كانت تستخدم في قتال المصارعين - الجلادياتور،حيث كانت تقام المسابقات الجماهيرية، داخل المدرج الروماني الضخم  الذي يسع حوالي   50000 مشاهد..وظل مستخدما لما يقرب 500 عام..
كانت الجولة ممتعة أخذت منا وقتا قبل أن نتوجه بعدها إلى مدينة الفاتيكان، حيث كاتدرائية القديس بطرس، التي تعتبر مركز القيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية، وهي من أقدس الأماكن المسيحية..





كان أطول طابور انتظار لم أشهد مثيله قبل ذلك، ومع هذا حب الاستطلاع جعلنا ننتظر بضع ساعات كي نصل قلبه، تحت حراسة أمنية مشددة، المكان كان مبهرا بعظمته وتصاميمه الدقيقة، مساحات هائلة يحتضنها المكان، تزيده هيبة، ولنا فيه عندما نتذكر ضحكة مجلجلة، تنبثق كلما تذكرنا دخولنا قلب الكنيسة بالخطأ، لنجد المصلين في تخشع وتعبد، أغلقت علينا الأبواب هناك حتى إتمام الصلاة، كان المصلون يرددون عبارات لم نفهمها، التفتنا الى بعضنا البعض، كادت الضحكة تفضحنا، طلبوا منا الهدوء، انصعنا، ثم رددنا أنا وصديقتي خلالها آيات قرآنية، مع احترامنا لكل الأديان السماوية..



لم تكن هذه الواقعة الوحيدة ذلك اليوم، فقد حدثت أشياء أخرى طريفة ونحن في طريقنا للفندق مساءا، جعلتنا نضحك طوال الليل..ربما لن تخرج للملأ، سنحتفظ بها لنفسينا..نتذكر بها نكهة تلك الرحلة الغير عادية..
فونتانا دي تريفي-fontana di trevi، كما يسميها الإيطاليون، أكبر نافورة باروكية، انتهى بناؤها عام 1762، يقولون عنها نافورة الحظ، تلقي مُولٍّ ظهرك للبركة قطعا نقدية، وتطلب شيئا في سرك، قد يتحقق، ثم بذلك تكون قد تقيدت بحب المدينة، وستعود إليها يوما ما..




هكذا تقول الأسطورة الرومانية، أو ما يعتقده الإيطاليون، الذين عكس ما كنا نعتقد، بحكم عملنا المستمر معهم بالمطار، شعب منغلق، صعب المراس ومتقلب المزاج، لنتفاجأ بأشخاص لم نرى أطيب ولا ألطف منهم ومن تعاملاتهم اللبقة..
بعدها صعدنا أدراجا عالية، لإلقاء نظرة على مقر الرئيس الذي كان يعج بالسياح الأجانب وساكنة البلد على السواء بحكم قربه من بركة الأمنيات..




أسرار روما لا تنتهي، طرقها وشوارعها ومكتباتها ومتاحفها، محلاتها، وكذا ساكنتها، كل ما هناك يغريك برغبة في اكتشافها أكثر وأكثر، وأظنه مفعول بركة الأمنيات ^_^ ..
توالت الأيام القليلة بسرعة، انقضت الإجازة، وكم وددنا لو تطول وتطول..في اتجاه المطار مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس للاستجمام، فعمل مكثف في باريس ينتظرنا..



كانت رحلة لا تنسى، مدينة جميلة، وصحبة جميلة..وتفاصيل لازلت أحتفظ بها.. كم هو رائع أن يكون لكم أصدقاء رائعون مثل لطيفة اللطيفة ^ـــ^ ... إلى رحلة قادمة ..





12 ديسمبر 2010

عندما تكون الكلمة لحلبة العرض

17 تعليق

سيداتي، آنساتي، سادتي..أرجو الانتباه من فضلكم، أعرق سرك في العالم يفتح أبوابه مجددا، تابعونا باهتمام، ونضمن لكم فرجة مدهشة..هكذا قال منظم السرك..


هاهو العرض يبدأ، ومعه الابتسامة ترتسم، ممزوجة بالدهشة وأنا أراقب بدقة حركة الفنانين الرحالة، ياله من عالم مثير، موسيقيون محترفون، أتقنوا إيقاعاتهم على مدى السهرة، منشطون حاضرون بكثافة لضمان عرض فريد، ساد الهدوء، قبل أن تعزف الموسيقى الصاخبة، هاهي الحيوانات المدربة تعرف طريقها إلى الحلبة، مروضة بشكل يسلب العقل، تقدم استعراضها رفقة مروضيها في غاية الإتقان، والجدية..كم لزمها من الوقت يا ترى لتستوعب كل هذا؟!..




الخيول والكلاب والجمال والفيلة..هذه الأخيرة، آه منها..كيف داعبت مروضتها ورقصتا معا على ألحان عذبة..
غادرت الحيوانات، لتترك مكانا لصاحب الأرجوحة العجيب، إنه عجيب فعلا، يتدحرج فوق حبله الرفيع بثقة كاملة ليجعل قلبي في خفقان دائم خوفا من كارثة مفاجئة، لقد برع فعلا في عرضه ليترك مكانا لأصحاب الدراجات النارية وسط تصفيقات حارة من الجمهور..وهاهم الأربعة، يدخلون الدائرة المغلقة الضيقة، ويقودون دراجاتهم بسرعة فائقة بشكل دائري دون أن يصطدم أحدهم بالآخر، إنه فعلا أمر مدهش..
في انتظار النطاطين، ها هن الراقصات بأزيائهن المغرية وقوامهن الرفيع يشددن انتباه الحضور، أقصد، العنصر الذكوري من الحضور..كان أشد انتباها..







ها هما يتمسكان بحبل مشدود، بلباسهما الأبيض الملائكي، ترافقها فرقة من العارضين، في حركات رشيقة ومعبرة استطاعا جلب الأنظار إليهما، كانا ثنائيا رائعا عبر برقصات في الهواء عن معاني راقية للحب..
وكانت مفاجأة العرض الكبرى، إنها المرأة الأمريكية الوحيدة التي تقوم بهذه المهمة المجنونة، تدخل وسط (مدفع ) ليلقى بها بقوة عنيفة في الجهة المقابلة للقاعة، هناك سرير مطاطي ضخم ينتظرها، لكن هذا لا ينفي خطورة المحاولة، لتنهض بعد ذلك مقدمة التحية للحاضرين الذين لم ينبسوا ببنت شفة، وأنا منهم، لم أجد لما قامت به تلك الأمريكية تفسيرا من هول المنظر.
هذا دون أن أنسى قهقهات الأطفال المتعالية، لما منحهم البهلوانيون من لحظات سعادة وجدنا أنفسنا نحن الكبار أيضاً نضحك لضحكهم..
كانت ليلة استعراضية عصرية بامتياز، أبرزت مهارات عالية وفن راق له أساليبه في الإبهار...عودة إلى البيت، متناسية زحمة السير، والبرد القارس، لأحتفظ فقط بصور جميلة عن ذلك العرض المثير .
.




29 نوفمبر 2010

عبث القدر في مدينة عابرة

19 تعليق

طائرة تنزل، وأخرى تمضي، الصمت الساكن، عزف البيانو الذي يلذ له مسمعي، وحدتي التي أهرب إليها بين الفينة والأخرى، السماء الغاضبة المزمجرة، بقايا ذاتي التي لازلت أبحث عنها، كل الأشياء التي خلفتها ورائي..المدينة الباردة التي غادرتها، كلها تلاحقني هنا، بينما اللحظة تحضنني مدينة أخرى يسكنها الصقيع، لا تعترف بدفء القلوب، ولا بدفء الأماكن..مدينة ساعتها لا تحمل عقارب الحب..،وحدها لفحات طيفه تزداد حرارة، وتهيج حواسي لعناق ذكرى لن تعود.. أقترب..والوحدة تزداد قسوة، والصقيع أكثر صرامة..
يطفو صمته الهارب، كي يعرقل مدخل الوصول إليه، كهذه المدينة، لا ترمق منه غير انفعالات شديدة البرودة، وحواس باذخة الجمود.. وحدهما عيناه لازالتا تتحدثان دون انقطاع، وتلونان صدى أنفاسه بكل حميمية.


ماذا جئت أفعل يا ترى في هذه المدينة الرمادية، المثقلة بالغمام، المشبعة بالعبرات..؟؟
أأنا هنا لإحياء جزء من ذاكرة سكنها هوس الشوق، أم جئت لأعيد تجربة جليدية وأختبر مدى قابليتي للذوبان؟.. وربما هو قلمي الذي يتخذ منحى آخر مغاير عن ذلك الذي سُطر له، فأجدني أحول مساره دون نية مسبقة..
هاأنذا في مدينة لا تعرفني، تلاحقني أحلامي المدمرة ..أمارس على نفسي أبشع أنواع الخيانة، علني أخرج بأضرار أقل، قبل أن أستسلم طائعة لرغبات الروح، فقد أدركت أن الروحين تآلفتا، والفصل بينهما سيأتي بحجم الصاعقة..وكأن عذابهما هو المعادلة الصحيحة التي يكتمل بها الحب..
إن كان الأمر هكذا، وعنكبوت هذا الشعور تدلت خيوطه، فالنتيجة في نهاية الأمر واحدة، ستترك وخزا في القلب لا محالة.. هي هستيريا الإحساس إذن، أسايرها، وإن كابدت فيها مساحة حرائق هائلة، وأتت نيرانها على كل خصب اكتنفه داخلي..
هل هو فعلا شعور مقدس كما يقال؟..
أفقد خيط اليقين، من بين الخيوط التي تعرض جهرا في ساحة العمر بهدف التضليل، أي زقاق أسلك، دون أن أقع ، وأي واحد أضمن، لتفادي الهوة العميقة؟..فإن حدث وتعثرت، قد تُحرَق على مرأى مني أوراق العودة، وأنا وجلَدي في التحمل أنذاك.. حكايتي نقط في نهاية كل جملة، لا تملك وثيقة وجود، لاشيء يثبت ماهيتها، ولا حاسة تدرك مكنونها..تستمر، لأنها محكومة بذلك..لا لشيء آخر...
غادرت تلك المدينة اللامبالية، تاركة خدوشا على جدارها، لم نسكنها معا، ولم تسكنا معا، هي لم تكن لي ولا لك، كانت لآخرين..يشبهوننا..

21 نوفمبر 2010

لحظة الذكرى

35 تعليق

تذكرت، وأنا واقفة في هذا المكان، عمر تلك الحضارة التي لا تقيم، تلك القرون الثمانية التي حمل فيها عرب الأندلس شعلة التقدم الفكري والعمراني والثقافي والعلمي.
نظرة  عميقة، لم أسترجعها إلا مبللة بدمعة حارة، ترثي مجدكم الغابر يا عرب الأندلس، ذلك المجد الذي دنس أنفه بالرغام، بعد سقوط اخر معاقل بني الأحمر غرناطة وإجلائهم عنها جميعا بعد ذلك..

وقفت صامتة، أمام بقايا تلك المعالم التاريخية، قصر الحمراء بغرناطة الفاتنة، أعظم قصور العالم، وأكبر الاثار الشاهدة على الحضارة الإسلامية الأندلسية.

وهاأنذا، أستحضر ما قرأته في كتب التاريخ، عن هذه البلاد العجيبة، منذ دخلها طارق بن زياد فاتحا أول مرة، مبحرا من ميناء طنجة، في الخامس من رجب سنة ٩٢ هجرية، وحتى اخر يوم خرج فيه أبو عبد الله، اخر ملوك بني الأحمر مسلما مفاتيح المدينة لفرناندو الرابع الكاثوليكي، ومحو ثمانمائة سنة من الحكم العربي في الأندلس .

ولازلت أبحث هنا، عن بستان غرناطة العظيم جنة العريف بقصوره ومنازهه الكثيرة، وعن نهر شنيل، وجبل عين الدمع، وجبل الثلج الذي لم يكن يفارقه الثلج صيفا وشتاء، وعن مسجد البيازين، وجامع التوابين... ما الذي تبقى من كل هذا، غير تنهيدة تعتصر حسرة وألما..

جففت الدمعة، ونبذت الشعور بالمرارة، فيكفينا فخرا، أن العرب الفاتحين، سابقوا الزمن في صنع حضارة عظيمة، وقدموا للبشرية أجمع علومهم وفكرهم وترجماتهم، ولازالت إلى الان اثار صنعهم بادية للعيان في جل مدن إسبانيا الحالية..فهلا استفاد عرب اليوم، بعد مضي مئات السنين على سقوط الأندلس، واعتبروا من ذلك، وسعوا إلى النهوض بحضارتهم من جديد، بدل التخلف المذقع، وهم يلوكون الماضي، ويتشبتون بذيل الغرب وهو يقفز بحضارته أميالا كل يوم .



19 نوفمبر 2010

على سنة الله ورسوله

10 تعليق


ينسون أو يتناسون، أنه شُرع بالأساس، لعمارة الكون، وإقرار السكينة، لقضاء مصالح الأمة، وتحقيق مطلب السعادة، ينسون أنه عبادة، طاعة، وامتثال لأوامر الله، عوض أن يكون رياء وتعاليا على خلقه .
بيد أن رباط الزواج، في واقع مجتمعاتنا العربية، يتخذ منحى آخر بعيدا عن مغزاه الحقيقي، ويتَّبع المفهوم العكسي للإشهار الذي حثت عليه السنة النبوية، فصار يُشهر له بإعدادات مضنية، وولائم وتحضيرات شاقة من ألبسة وأكسسوارات وتقاليد لا معنى لها، بل أضحى استعراضا للحسابات البنكية، تبذير وإسراف، تصاحبه أزمات نفسية ومادية، تخنق الطرفين، وديون قد ترافقهما مدة طويلة، ليعكر هاجس التخلص منها طعم الحياة، ويكدر صفوها .

لقد تحول فعلا مشروع الزواج إلى عملية حسابية مكلفة، تختزل في الغالب في ليلة واحدة، ومنغص أساسي لمن أراد إكمال نصف دينه كما يقال، دون الوقوع في شراك القروض التي ستثقل كاهله حقبة من الزمن .

إن هذه العقبات، تشكل عائقا يواجه أغلب الشباب، فهي تزداد بمرور الوقت وتتعاظم، والحال ينذر لا محالة بخطورة الواقع وسوء العاقبة، مع أن الإسلام جاء بتيسير أمور الزواج وتسهيلها، ففي حديث لعائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة)..فالمبالغة في التجهيزات، وغلاء المهور في بعض الأوساط، وجشع بعض الأولياء في المطالبة بمبالغ خيالية تذل المرأة وتعرضها للمزايدة، كسلعة يساوم عليها، مع أن الإسلام جاء ليحفظ كرامتها ويجلها، وقد أنكر الرسول عليه السلام المغالاة في المهور، فقد جاءه رجل يسأله فقال:يا رسول الله، إني تزوجت امرأة على أربع أواق من الفضة، يعني مائة وستون درهما، فقال النبي:أوّه، على أربع أواق من الفضة؟ كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك .

فلماذا كل هذا التبذير، والإسراف؟..الذي يسفر عنه عزوف في صفوف الراغبين في الزواج، وترتفع معه نسبة العنوسة التي تتزايد بشكل مخيف، وقد يؤدي إلى نفور وترهيب من فكرة الارتباط الذي تزيده تعقيدا العادات الجاهلة..فأين الحب والطمأنينة والسعادة من كل هذا؟.. ليلة العرس..إشهار مكلف بامتياز، رياء لا يضاهى، فرصة للتباهي، وإبراز القدرات المالية، لماذا تهدر الأموال هكذا لمناسبة ليلة واحدة؟..أليس هناك من هم أولى بها من يتامى وجمعيات خيرية ومحتاجين يتضورون جوعا؟..( إن أناسا يتخوضون في مال الله بغير حقه لهم النار يوم القيامة ).
هذا وما تجلبه تلك الليلة من ضجة وصخب تُنتهك فيها حقوق الجوار، فأين احترام الآخر هنا؟ متى تراعى حقوق المريض والمسن والرضيع؟ .

فلتتضافر جهودكم يا شباب المجتمعات العربية، رفقة علماء الأمة ووجهائها، لنبذ هذه المفاهيم المغلوطة، وتيسير سبل الزواج، والدعوة إلى تسهيل وسائله، والرقي بمفهومه إلى مستوى حضاري وثقافي، يحجب التخلف والجهل المطبق عليه بصفة شمولية .

08 نوفمبر 2010

وعاد تشرين ..

23 تعليق

 تشرين..
وصوت المطر

عودتك بين أوراقي
عودة المعاطف الدكناء، الوشاح، القبعة
والقفازات السوداء
العطر الباريسي الذي يناسب الشتاء
وكأنما كل شيء يتجدد في هذا الفصل
كله يغتسل على إيقاع الماء

حل موسم الكتابة، وموسم الشعر، وموسم الحنين
موسم ارتدائك على جسدي
في هذه المدينة الباردة
المرتعدة الملامح، والغامضة التفاصيل

عادت طرافة الجنون، ووجع القصائد
عدت تعلمني الكتابة
وتقبل ورق الرسائل
لأتجمل .. وأتعطر
فهناك تنتظرني
في جزر الشتاء

عدت لتعلمني
أن أكون امرأة
على غرار باقي النساء
أن أتخلص من الجمود، والبرود
أن أعشقك بأناملي
وأركض إلى صدرك كمهرة سمراء
أفترس الكلمة، وأتحرر من دفاتري
أتخلص من إشكالات الحب
وأبلل وجهي برحيق الزهر والماء

أحاكي شفتيك، برقة متناهية
و أتباهى بمعرفتي لهما بين النساء
أختزن عطشي، لذراعيك
أحتفظ بعنوانهما
فالريح ستحملني إليهما
على سحب السماء
وكلما هبت
ستدخل معالم مدينتي
ترافقك جحافل من المارغريت
تلاحقها الفراشات
لتنصب، وأنت تطأ السجاد الأحمر
إمبراطور الزمان والمكان

أنا بحاجة في هذا المطر المتوحش
إلى مدفئة، إلى أوراقي، وإليك
إلى ارتداء ملابسي الشتوية
والتصاق يدينا

ففي هذا الفصل
تزداد حرارتهما
وتزداد رغبتي ..

 في الاعتداء على باقي الفصول
وباقي الشرائع

أخلط الربح بالخسارة
وأرتمي على أرض الدهشة
لتفاجئني أنت
بقلب ينبض كعصفور أبيض
وتلقي في أذني..كلمة السر
لتبدو الأبعاد واضحة
فنسقى  بعطر الرمان

وندخل معا حقول الحرية

01 نوفمبر 2010

بعض انتهاكاتي لحرمة الورق الأبيض:)

17 تعليق








على الملأ..خربشات من الماضي، والحاضر ^ـــــ^















Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More