24 مايو 2012

ذاكرة أندلسية ( قرطبة )

21 تعليق


الأزقة ضيقة والدروب خاوية، لا لون للسماء، الغيمات مجعدة، الشرفات مغلقة والستائر مسدولة، أرنو إلى البيت الذي خلا من سكانه، أزهار صفراء يابسة تنظر إلي، أتفاداها، الصحن الوسطي جف منه النبع، والغرف التي تلتف حوله جفت منها الحياة..لا أسمع صوتا، لا أسمع صوتي، أتساءل عما يدور ببال الصمت..
يجيبني الصدى: إنه جيش مهزوم عائد من معركة خاسرة، يجمع أشلاء الخيبات في سكون الظهيرة على أنقاض مدينة الزهراء..أنتِ تبعدين بثلاثين كيلومترِ خيبةٍ عن قرطبة..

أمشي، الساحة خالية والمشهد ذاته، سكون رهيب، وأنا أكره الهزيمة، سأبحث عن شيء في اللاشيء..
مهلا أيها الانتظار، أَرْهِفِ السمع، شيء ما يأتي من عتبة دار المدنيات، إنه لحن زرياب يخرج من أسوار المدينة الخالدة..
تنفجر الموسيقى من بين أصابعه وموشحات لا عهد لي بها، رذاذ حنون يسقط فوق جبيني، أرتشفه، تسوقني الريح ويذوب اللحن الأندلسي في دمي..

أعبر قنطرة الوادي الكبير إلى ضفة جامع قرطبة، تحملني النسمات إلى الداخل على غير هدىً، يبتعد نظري إلى حيث أجدادي الموتى، أسير بين الأروقة، أنظر إلى قباب المسجد وأقواس الآجر الأحمر وقطع الحجارة الصفراء والفسيفساء والسقف والأعمدة والجدران المنقوشة باسم الله،  تلك اللحظات عصية على الإدراك، تنتهي بغلبة الشوق على القلب..
أضع وشاحي على رأسي وأصلي، تفاجئني عواطفي..شرسة، قلقة، غامضة، قنوعة، خائفة، راضية..
أتأبط ذاكرتي كيلا تقع، أبحث لنفسي عن مكان في فناء المسجد المغروس بالأشجار، تطير حولي الحمامات، أرقبها وهي تبحث عن شربة ماء من سقايات الجامع ونوافيره، أوجه بصري نحو المئذنة، أعود إلى عصر الخلفاء الأمويين، أستحضر أولئك الذين تركوا بعضا منهم.. ورحلوا.. 

أغادر وتبقى دمعتي عالقة هناك..

صفير الريح الهادئ يكنس الغبار عن وجه العابرين، وجوه شقراء باردة، لا تشبهني، متسارعة الخطى، تنظر إلى هذه الغريبة.. أي ريح حملتها إلى مكان لم يبقى من وجودها فيه سوى الأثر؟ ..
جرح ضخم ومفتوح كان ينزف وقتئد، وأنا أبدو ككائنة غريبة حكم عليها بالطرد قبل خمسمائة وعشرين عام، تمتمت بشبه كلام لم أفهمه، عيوني زائغة وحماسي غائب، لبستني حيرة لم أعتدها، وكأنني أركب سفينة المنافي مكلومة منكسرة، أستعد للموت البطيء داخل سفن الترحيل .. 

مر الزمن بطيئا، وأنا أبحث عن قصر الإمارة، وعن أحواض الرخام وصهاريج المياه العذبة التي جادت بها جبال قرطبة، عن أشجار الصنوبر الحلبي  ونوار الشمس وشجيرات الشام وحدائق قصر الرصافة، عن مسك الليل وأشجار الزيتون والكروم، عن الأسواق والحوانيت والحمامات.. وعن بقايا الأمير عبد الرحمن..
انهالت علي الأمطار، تضرب وجهي، تحجب عني الرؤيا، حبيبات الثلج الصغيرة تتساقط فوق جبيني، ولا أشعر وأنا مندسة تحت شجرة البرتقال الكبيرة، إلا بوخز في قلبي..

مرت علي لحظة غريبة، لم أعرف كيف أفسرها، كانت قرطبة الكون، وكنت لاشيء، وكل شيء.. عمت مسحة من الأسى ملامحي، نفضتها.. ومضيت..

04 مايو 2012

اللوح الأزرق

21 تعليق


"هل القدر هو من يوجهني إلى بلاد أدمنتها وتسكنني أم هي حواسي تسوقني إلى ربوع الأندلس حيث تختلط في وصفها العبارات" ؟

انتهت الصفحات الخمسمائة وإثنين وستون، وبقيت أتفكر في العبر التي جاء بها الكتاب ..
المكان إسبانيا والزمان إبان سقوط الأندلس وتناحر ملوك بني الأحمر على السلطة واقتتالهم في سبيل المجد الزائف الذي سيفتك بغرناطة، آخر المدن الأندلسية الصامدة ..

ما كنت مخطئة هذه المرة أيضاً حين اخترت كتاب اللوح الأزرق لجيلبيرت سينويه، فقد تركت رواية ابن سينا طابعا عميقا في نفسي جعلتني أبحث عن مفاجأة أخرى لذات الكاتب.. فكان اللوح الأزرق ..

هذه الرواية تبين الثقافة الواسعة للكاتب واطلاعه على الأديان السماوية الثلاث، فما تحمله من آيات قرآنية وأجزاء من الإنجيل وما جاءت به الثوراة تجعلنا نصفق له تقديرا وإعجابا.
تجسد الرواية فترة كانت الأشد مرارة، حيث سقطت الدولة الإسلامية في الأندلس، وغرناطة صارت قاب قوسين أو أدنى من الضياع، كما ظهرت محاكم التفتيش في إسبانيا ونقض ملوكها عهودهم باحترام باقي الأديان، أما حملات التنصير فعلى أوجها، تدعمها الكنيسة والملكين فرديناند وإيزابيلا..
هذه الفترة كانت عصيبة على المسلمين كما كانت على اليهود، وقد أرخ التاريخ فيما بعد ويلات تلك الحروب والوحشية والتنكيل التي اعتُمدت مع غير النصارى، وابن برول، بطل الرواية، واحد من ملايين كانت تقتاد كل يوم إلى المحرقة..

من هنا كانت البداية، حين اقتادت محاكم التفتيش "ابن برول" بائع اللوحات الزيتية، الرجل اليهودي والحبر العالم وآخرين غيره من اليهود والمسلمين إلى المحرقة بتهمة الهرطقة والارتداد عن الدين المسيحي وممارسة شعائرهم الدينية خفية ..
ويُحرق ابن برول بعد أن ظل متشبثا بيهوديته رافضا تغيير ديانته لحساب النصرانية.

نهايته بداية القصة، حيث كتب قبل موته ثلاث رسائل لثلاثة أشخاص من ثلاث ديانات مختلفة، تحمل كل واحدة منها كلمات مشفرة لا تكتمل إلا بالتقاء الرسائل الثلاث، وذلك بغرض الوصول إلى اللوح الأزرق، لوح من الحجارة الكريمة يحمل سرا إلهيا، وحكما سماوية . 

لفك الشفرات التي قسمها بطل الرواية إلى ثمان قصور، يجبر الأشخاص الثلاثة وهم المسلم الشيخ ابن سراج واليهودي الحبر المسن عزرا والراهب الشاب المسيحي رافائيل فارغاس إلى التعايش بينهم لفك الألغاز المعقدة وتتبع الإرشادات رغم اختلافاتهم العقائدية، فتبدأ رحلة البحث المضني ما بين غرناطة وطليطلة وسلمنقة ومدن أخرى أندلسية عن العلامات التي قد تحمل معنى، قبل أن يسرق خادم ابن سراج أوراق سيده وتسقط في أيدي محاكم التفتيش، لتُرسَل بذلك مانويلا، صديقة الملكة لاقتفاء أثرهم وتندس جاسوسة بينهم، لكنها سرعان ما تنبهر بسعة علمهم وتتخلى عن دورها في الدفاع عن الشر الذي ما ارتضته يوما وتتأكد من حسن نية الرجال الثلاثة..

الرحلة نحو اللوح الأزرق وعرة ومحفوفة بالمخاطر، لكنها لقنت الثلاثة رغم اختلافهم دروسا وعبرا ليست بالهينة، واتفقوا على الوحدة في سبيل قضية سامية ما كانت لتكتمل لولا تضافر جهودهم مجتمعين..

سأترككم تكتشفون خبايا الكتاب، لكن قبل ذلك أوافيكم باستنتاج بسيط مفاده أننا مهما اختلفنا، واختلفت دياناتنا، لا يحق لنا  إجبار الآخر على اعتناق أفكارنا ومعتقداتنا، بل كل رسالة سماوية هي مكملة للأخرى، وعلى هذا المبدأ تنبني طريقتنا في التعامل مع الآخرين على أساس الحب والاحترام والتسامح بكل ما تحتويه هذه الكلمات من إنسانية .

09 أبريل 2012

الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا.. 29 عاما من التحدي

13 تعليق



منذ تسعة وعشرين عاما، واتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا يواظب على تنظيم ملتقى يعرف بالملتقى السنوي لمسلمي فرنسا..
نظم الملتقى هذا العام في الفترة ما بين السادس والتاسع من أبريل ٢٠١٢، والذي تختتم فعالياته ظهر اليوم، وقد حمل شعار { الإيمان- الإصلاح- الأمل }..

 هذا الملتقى الذي وصل عدد مشاركيه العام الماضي إلى 150000 مشارك بعد أن كان لا يتجاوز بضع مئات من المشاركين  في بداياته عام 1984، والذي استقبله قصر المعارض بباريس لوبرجيه، افتتحه الشيخ أحمد جاب الله، رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا في خطبة الجمعة بمقر الملتقى، تحدث خلالها عن محور اللقاء وتطرق إلى أبرز عناوينه وأكد على ضرورة الحوار بين مسلمي فرنسا والغرب وإبراز الصورة الحقيقية للدين الإسلامي الذي يحثنا على الإصلاح والصبر.



صباح الجمعة، فترة الانتظار كانت عصيبة، وبدأ التذمر يظهر على وجه المشاركين، الافتتاح كان مقررا على الساعة الثانية عشر ظهرا، لكنه تأخر لثلاث ساعات، أعيانا الانتظار، استكنا حين علمنا أن التأخير خارج عن إرادة المنظمين، وأنها المقاطعة الباريسية تأخرت في منحهم التصريح.، كانت هذه أولى العراقيل التي تضعها السلطات الفرنسية في وجه الملتقى ..
المكان لم يخلو من رجال الأمن بسياراتهم ودراجاتهم النارية، لكن المشهد كان عظيما وحضاريا، ولم تسجل أية خروقات..


وسائل الإعلام في كل مكان، العربية منها والغربية، دعتني إحدى القنوات الفرنسية للحديث عن رؤيتي للملتقى ومدى أهميته، لكنه الخجل اللعين فعلها مرة أخرى رغم إصرارهم، إنه الظل يروق لي أكثر، وأكتفي بالمراقبة عن بعد :) .
هذا لم يمنع لقاءا ظريفا مع صحفي جزائري، يعمل بصحيفة "البلاد"، حضر الملتقى لاستطلاع الرأي، تبادلنا بعض الأفكار فيما يتعلق بالواقع الحالي خصوصا بعد أحداث تولوز ومونتوبان، كما كانت مناسبة للحديث عن البلدين الجارين، المغرب والجزائر وعن علاقاتهما المتوثرة حينا والهادئة حينا..

 كان مقررا أيضاً أن يفتتح الشيخ مشاري راشد العفاسي قاعة المحاضرات بآيات بينات من الذكر الحكيم، اصطف جمهور كبير وسط القاعة، الكل متحمس لسماع صوت الشيخ المهيب، ففوجئنا بالمنظم يصعد المنصة ليخبرنا أن الشيخ لم يصل باريس بعد، وأن عائقا ما حال دون وصوله إلى الملتقى، استبدلوه بشاب فرنسي اعتنق الإسلام، حافظ لكتاب الله، تلى علينا ما تيسر من القران الكريم، الاستماع إليه مفخرة للإسلام الذي لا يعترف بأجناس ولا عروق غير الانتماء لهذا الدين .




ملتقى هذا العام متميز بمحاضراته وندواته التي ألقاها نخبة من أبرز المحاضرين العالميين، صبت جميعها في الدعوة إلى التسامح والتآخي والتعاون المتبادل كما استنكرت الهجوم الذي شنته فرنسا على اتحاد المنظمات الإسلامية ومنعها بعض المحاضرين من الحضور للملتقى وتعبيرها عن استيائها من حضور آخرين كما حدث مع الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور طارق رمضان، الدكتور والأستاذ المحاضر السويسري في علوم الإسلام بأوكسفورد، بريطانيا، وجامعة فرايبورغ بسويسرا، هذا الأخير الذي حضر الملتقى رغم إبداء فرنسا انزعاجها من ذلك، وطبع اللقاء بجملته التي تداولتها أشهر الصحف الفرنسية، {استاؤوا من قدومي، لكنني أطالب بتوحيد فرنسا، لا بتقسيمها }، محاضراته غنية عن التعريف، تصب دوما في بحر الحقيقة بوجهته الصائبة وفراسته ونباهته، وكيف لا وهو حفيد حسن البنا، رجل الإخوان المسلمين ومؤسسها قبل أن يمسها الآخرون بضر.. 



كانت المداخلات مقنعة جدا ومفيدة، حثتنا على تحديد المسارات التي تساعدنا على تحضير مستقبل مسلمي فرنسا، وكان للأستاذ عمار لصفر نائب مدير اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية ومدير مسجد مدينة ليل رأي صائب حين قال بأن مستقبل الإسلام في انفتاح العلماء وليس بانطوائهم، وأننا نحتاج إلى علماء متمكنين من القرآن والبيئة التي يعيشون فيها 

كانت محاضرة جان بوبيرو حول العلمانية التي وقع تزويرها مثرية أيضاً، استهلها بتعريف العلمانية على أساس أنها حياد الدولة ومؤسساتها، لا حياد الأفراد أو الفضاء العام كما يروج له البعض، وطالب الدولة بأن تكون محايدة وعادلة في حماية الأفراد رغم اختلاف مذاهبهم وعقائدهم..

النساء كن حاضرات، بما عايشنه في ثورات الربيع العربي، وما قدمنه من تضحيات جسام لأجل ثورات ناجحة، على رأسهن السيدة محرزية العبيدي، خريجة السوربون بباريس، نائبة رئيس المجلس التأسيسي التونسي وكذلك المناضلة اليمنية صاحبة جائزة نوبل للسلام توكل كرمان ، ساندهن في حديث الثورة الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حزب حركة النهضة الحاكمة في تونس ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .




محاضرة أخرى قيمة للشيخ عمر عبد الكافي، الذي وجه لمسلمي فرنسا جملة من النصائح طالبهم فيها بأن يكونوا مثال المسلم النظيف في تعاملاتهم وينشروا مبادئ ديننا الحنيف القائم على السلم، البعيد عن العنف والتطرف، كما وجه نداء للإدارة الفرنسية لتراجع مبادئها وتعود لاحترام الرأي والرأي الاخر وتؤيد حرية الفكر والاختلاف ..

اعتبر السيد إيريك فاندورب من خلال مداخلته أن انتشار الأحكام الجاهزة والمغلوطة ساهم في مضاعفة الكره للإسلام والمسلمين وتطرق إلى مفهوم الإسلاموفوبيا ( إرهاب الإسلام ) الذي تأجج بعد أحداث ١١ سبتمبر مما خلق نوعا من الكراهية والعنصرية المفتعلة وأننا ننتقل إلى مرحلة الإسلاموبارانوا ( توهم عنف الإسلام )، فتشن بذلك حملات هجوم على الإسلام والمسلمين وتقيد حريتهم وتبثر حقوقهم وتنسب إليهم الإرهاب والعنف .






عرف الملتقى كذلك إطلاق المسابقة الوطنية العاشرة لحفظ القرآن الكريم، وذلك بالتعاون مع المنظمة الدولية لتحفيظ القرآن الكريم والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، الذي يهدف بالأساس إلى تشجيع الشباب المسلم على توطيد علاقته بكتاب الله وفرصة للتدبر في معاني القرآن واكتشافه..



جديد الملتقى هذا العام "جناح الشباب"، 4000 متر مربع هي المساحة التي خصصت للفئة العمرية ابتداء من  14 سنة، برنامجه يقوم على مرحلتين: الاكتشاف والتصرف، هذا الفضاء يدعو لآكتشاف آفاق جديدة، واكتشاف ما جاء به الإسلام..، إنه معرض ينفتح على عالم الشباب، خصصت أكثر من نصف مساحته إلى منصات عرض لمهنيين وجمعيات يهدفون بالأساس إلى توجيه الشباب في مسيرتهم ومنحهم وسيلة للتصرف والتحرك وعرض مختلف الخيارات المتاحة لهم ليصبحوا عضوا فاعلا في المجتمع. 



المعرض الدولي للعالم الإسلامي كان فرصة لاستكشاف جميع جوانب العالم الإسلامي ، فقد قدم للزوار الإنجازات العلمية والثقافية للعالم المسلم، حرفيون وتجار وفنانون كشفوا النقاب عن خبراتهم، قادمين من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، المعرض يمكنك من الغوص وسط حضارة تحتوي على خزان ثقافي وفكري استثنائي . كما أن هذا الحدث فرصة ممتازة للحصول على معلومات كاملة عن الثقافة العربية الإسلامية .



المكتبات احتلت مدخل المعرض، غنية جداً ومتنوعة، وجدت بها كتبا بحثت عنها لمدة، كما أن الكتب التربوية للأطفال كانت مميزة وتسهل عملية الاستيعاب لدى أطفال المهجر، مصاحف وسجاد عربي وألبسة وأطعمة وبخور، حتى مياه زمزم كانت حاضرة :)






الأقصى المبارك كان حاضرا وبشدة، حملات للتعريف به وبما يحدث حوله، دعوة لمناهضة التطبيع وتجميد العلاقات مع إسرائيل، وحملات أخرى للتبرع والمساعدة من أجل أطفال فلسطين .


فلسطين حاضرة في المعرض كما في الوجدان .



كان هناك نصيب للثورات كذلك، حملة دعم واسعة لسوريا، جمع التبرعات لمساعدة أهالي البلاد، منتوجات رمزية بيعت بالمعرض وعائداتها خصصت لمساندة الثوار والثورة .  



كما تمت الإشادة بثورة تونس، بأهدافها المجيدة، كان حاضرا طعم الحرية والرغبة في المضي قدما نحو النصر من أجل تحقيق مبتغى الثورة كاملا، ووفاء لدم الشهداء الذين جادوا بأرواحهم لتحيا تونس حرة .



الخدمات التي قدمها مطعم الملتقى كانت جيدة رغم بساطتها، مكان تستريح فيه من وعثاء يوم مكتظ، تألق المطبخ المغربي، لا تعتبروه تباهيا، ولكنه لم يهدأ ولم يستكن مقارنة مع باقي المطابخ، الكل في انتظار طاجين مغربي وطبق كسكس على الطريقة التقليدية :)

خرجت من المطعم أكمل مسيرتي من قاعة إلى أخرى، ومن حوار إلى آخر،  جمع غفير من المسلمين، وجوه طيبة هنا وهناك، مسامرات فنية وإنشادية، معارض ثقافية وتجارية، جو مفعم بالأمل ..
 مرت الأيام الأربعة في سلام تام، ما بقيت لنا سوى ذكرى جميلة إلى حين تجديدها مع ثلاثينية الملتقى العام المقبل إن شاء الله .

01 أبريل 2012

معهد العالم العربي.. ربع قرن من الصمود

32 تعليق



لابأس بنبذة عن معهد العالم العربي قبل أن نشرع في التجوال بين ثناياه،  يقع المعهد في الدائرة الخامسة من باريس، جاء منذ خمسة وعشرين عاما ثمرةً للتعاون بين فرنسا و٢٢ دولة عربية وهي: اليمن، المملكة العربية السعودية، البحرين، جزر القمر، جيبوتي، سوريا، الإمارات العربية المتحدة، العراق، الأردن، الكويت، السودان، ليبيا، قطر، موريتانيا، عُمان، فلسطين، المغرب، الصومال، لبنان، مصر، تونس والجزائر . 


معهد العالم العربي عبارة عن مؤسسة قائمة على القانون الفرنسي، تم توقيع عقد أساسه عام ١٩٨٠، وفتح أبوابه عام ١٩٨٧، هدفه الرئيسي خلق تواصل فكري بين الشرق والغرب وتطوير معرفة العالم العربي وتعزيز ثقافته وحضارته وتقريبها من الجمهور الفرنسي والأوروبي..

بين ضفاف السين وجامعة جوسيو يقع المعهد، إنه عبارة عن تركيبة استعارت ألقها من التصاميم المعمارية الشرقية والغربية وأضحت جسر وصل بين التقاليد والحداثة، قام بتصميمه مجموعة من المهندسين المعماريين المرموقين أبرزهم "جان نوفيل"، ذاته الذي صمم متحف "كاي برانلي".


في الطابق الأرضي نجد مكتبة المعهد، زوارها كُثر، من خلال عناوينها 20000 المتميزة بتنوع أعمالها، حيث تتعدد المجالات، نجد الأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم والفنون والسياحة وكذا معاجم مختلفة لتقريب اللغة العربية من الزوار الغربيين..كما تهدف إلى إرضاء الطلبات المتباينة والمتعددة، وتمكننا من الإبحار في أعماق الثقافة القديمة والمعاصرة.

يقابل المكتبة المقهى الأدبي، ألحانه شرقية، وشايه وحلوياته كذلك، يقدمها مجموعة عاملين لبنانيين بابتسامة عريضة..

تتخلل الطوابق صالات للقراءة، بالغة السكون، روادها منغمسون وسط كتب رصفت بعناية لخدمة الطلبة والزوار والباحثين، كما يقوم المعهد باستضافة كتاب ومثقفين وتنظيم أسابيع ثقافية ومعارض من وقت لآخر تعنى بالشأن العربي في مختلف مجالاته..
هذا ويتيح المعهد إمكانية تنظيم احتفالات ومهرجانات واجتماعات وتظاهرات ، ويقدم خدماته للمؤسسات والشركات والأفراد وذلك بتأجير قاعاته لذات الغرض .


في الوقت الذي يستعد فيه متحف اللوفر لفتح جناح مخصص للفنون والآثار الإسلامية، عادت الحياة للطابق السابع من معهد العالم العربي في ٢٠ من فبراير ٢٠١٢، حيث يوجد متحف المعهد، بعدما استغرق تجديده ثلاث سنوات، فصار بشكله الجديد والمتميز يعطي رؤيا واضحة ومعرفة أفضل عن الحضارة العربية بتنوعها وبمختلف مراحلها بعد أن كان يعنى بالفن الإسلامي فقط، فما تضمنه من قطع أثرية ولوحات ومعروضات جعلته بوابة رئيسية لولوج العالم العربي في بلاد الغرب.


هنا بعض الصور من المتحف التي التقطتْها خلسة كاميرا جوالي، فالتصوير ممنوع كليا بالمتحف.. أعترف أنني كنت مارقة على القانون :)


يشغل فضاء المتحف مساحة ٢٤٠٠ متر موزعة على أربعة طوابق، لكل طابق طابعه الخاص،  كما يقوم المتحف بعد تجديده على خمس مواضيع فرعية وهي : "عربيات" و "المقدس وصور الإلهي" و "المدن" و "التعبير عن الجمال" و "زمن العيش".. فنجد ما يقارب ٦٥٠ قطعة فريدة وآثارا نحتية وتصويرية ومخطوطات وتماثيل وآلات موسيقية وملابس وحلي وأدوات منزلية..


توقفت طويلا عند الطابق السادس، شد انتباهي اختلاف الثقافات وتمازج الديانات التوحيدية الثلاث التي نشأت في العالم العربي، فبه تحف أثرية تطلعنا على الإنسان القديم في علاقته بالمقدسات ونسخ من الثوراة والإنجيل والقرآن، إضافة إلى معروضات تمثل المعتقدات الوثنية التي تكونت ذات زمن في المنطقة. 


كما يمكننا المتحف من مشاهدة أفلام وثائقية طوال مدة تجولنا تبرز مختلف الجوانب التي عاشها العالم العربي على مدى السنين إضافة إلى تسجيلات صوتية للمعلقات الجاهلية وكذلك الاستمتاع بفضاء الموسيقى حيث الآلات الموسيقية العربية تحييها نغمات شرقية. 


التجول في هذا المتحف مريح وجذاب، امتزجت فيه الحداثة وجمالية الديكور والعرض  مع رائحة الماضي وتاريخ أسلافنا، يعيدنا إلى ثقافات ما قبل التاريخ  حيث المقتنيات والقطع شاهد على حضارة عظيمة تجمع أغلبها بذات المكان، تبعث في نفوسنا نحن أبناء المهجر اعتزازا وفخرا كبيرين..


حز في نفسي، ككل مرة القلة القليلة من أبناء العرب التي تكاد تنعدم مقارنة بأفواج هائلة من الغربيين الذين يهتمون بثقافتنا أكثر من اهتمام أبنائها بها، رغم أن موروثنا يستحق أن نسبر أغواره كي ننصفه أكثر ونقدره أكثر .

الشكر كان موصولا للرعاة المتمثلين في دولة الكويت والمملكة العربية السعودية  ومؤسسة جان لوك لا غاردير الفرنسية، الذين تحملوا تكاليف عملية التحديث والتي بلغت خمسة ملايين يورو لإعطائه صبغته الحالية..

إلى الطابق التاسع والأخير، حيث مطعم زرياب المختص في المطبخ اللبناني الأصيل، أجواء حميمية وغذاء بنكهة عربية..


هنا تنتهي الجولة على سطح المعهد، رؤيا بانورامية في ظهيرة مشمسة تلقي بالبصر على أطراف السين وكاتدرائية نوتردام وبرج إيفل..
تمنيت لو أطلق صرخة من هناك وأحمل الريح رسالة للشباب العربي المهاجر، للفرنسيين ذوي الأصول العربية، للمثقفين، للطلبة، بأن يأتوا فرادى وجماعات لإحياء الموروث العربي المهمش، ويساهموا في رسم صورة حضارية للأمة العربية والإسلامية بدل الوجوه الشقراء التي أرتطم بها كل مرة في ممرات المعهد ..

21 مارس 2012

البيت الأندلسي

13 تعليق


"حافظوا على هذا البيت، فهو من لحمي ودمي. ابقوا فيه ولا تغادروه حتى ولو أصبحتم خدما فيه أو عبيدا..إن البيوت الخالية تموت يتيمة".

كانت هذه وصية سيد أحمد بن خليل (غاليليو الروخو)، أحد المورسكيين ( مسلمي الأندلس) الذي تم تهجيره غصبا من حاضرة غرناطة بعد أن أذاقته محاكم التفتيش المقدس الإسبانية الويلات، رأى في سجونها أصنافا وألوانا من العذاب الذي يفوق احتماله طاقة البشر، لكنه نجى من موت محقق بأعجوبة، حيث وضع الله في طريقه رجلا من رجال الكنيسة ساعده على الرحيل..

مغادرته الأندلس كانت بداية حياة حملت له من الشقاء والفرح والأمل والألم والأسئلة ما لم يجد لها جوابا، ركب سفينة التهجير الضخمة هو والاف غيره مجبرين نحو الجزائر، وترك وراءه بلاده وتفاصيل حياته وحبا يكاد يكون مستحيلا في زمننا الأغبر، ترك وراءه سلطانة بالاثيوس، مارانية ( المارانيون = يهود الأندلس) جمعهما حب عنيف سيحارب حتى النهاية..

بطل الرواية، مراد باسطا، آخر ما تبقى من السلالة المنقرضة، يحاول جاهدا الحفاظ على مخطوطة جده الأول غاليليو، التي دون عليها فضائع ما جاءت به محاكم التفتيش، يساعده في ذلك حفيده سليم وماسيكا، الفتاة الموريسكية التي تعثر بها ذات صدفة، كما يسعى لإثبات حق ملكيته للبيت الأندلسي الذي بناه غاليلو الروخو قطعة قطعة كعربون محبة للالة سلطانة في منفاه في الجزائر، والذي كان متأكدا من أن سفينة القدر سترسو بها عند بابه وإن طال الزمن..

هذا البيت الذي بناه غاليليو في القرن السادس عشر بكل جوارحه وصممه على الطراز الأندلسي المحض بما بقي عالقا في ذهنه من صورة أحد بيوت البيازين بغرناطة، والذي تعاهد أمامه مع لالة سلطانة بأن ينشئا مثله ويورثاه لأبنائهما، نجح في جلب أندلسه إلى منفاه، كل ما فيه يعبق برائحة أرضه الأولى، أشجاره ومسكه ونافورته، حتى الموشحات الأندلسية والفرقة الموسيقية التي كونتها لالة سلطانة ورفيقاتها حين التحقت عبر سفينة تهجير هي الأخرى بغاليليو وعادت لهما بهجة الحياة بعد طول فراق..

لقد برع واسيني الأعرج بدقة متناهية في وصف قرون خمسة مضت، تعاقب فيها الكثيرون على البيت الأندلسي بعد رحيل غاليليو، فعاش فيه كما يصف الكاتب، العشاق والقتلة، النبلاء والسفلة، الملائكة والشياطين، الشهداء والخونة..
سيستولي القراصنة الأتراك على البيت الأندلسي بعد أن يغتصبوا صاحبته، ثم يتحول إلى أول دار للبلدية في الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي، بعدها سيتكالب عليه ورثاء الدم كما سماهم الكاتب، فيتحول إلى كاباريه ثم إلى ماخور فمركز لتهريب المخدرات والأسلحة..
إلى أن وصل إلى عهد ساكن البيت ( مراد باسطا) الذي ظل كمن سبقوه من سلالة العائلة يسكن بيت الخدم المنتمي للبيت الأندلسي، والذي قاوم بكل قواه السلطات التي تريد تهديمه لاستغلال مساحته الأرضية وذلك لبناء برج عظيم، والذي سيحمل اسم برج الأندلس..

حملت هذه الرواية دلالات أعمق من قصة بيت يتم الاقتتال عليه، إنها كما يقول الكاتب " استعارة مُرّة لما يحدث في كل الوطن العربي من معضلات كبرى تتعلق بصعوبة استيعاب الحداثة في ظل أفق مفتوح على المزيد من الخراب والانكسارات".

البيت الأندلسي هو كذلك الوجه الثاني للأندلس، للخيبات والانكسارات، للفرقة والضياع، للتعذيب والتنكيل، هو التناحر باسم الدين، هو ضريبة حضارة القرون الثمانية..
البيت الأندلسي هو الوطن العربي ممثلا في الجزائر، هو جشع الطبقات الصاعدة التي لا تتوانى عن إزهاق الأرواح وتخريب البلد لحساب مصالحها الشخصية، هو البلادة العربية والوطنية الغائبة، هو التجارة باسم الدين وتطبيق الشريعة باسم المصالح..

في هذا الكتاب يبيع الرجال أوطانهم من أجل حفنة مال، ويدفنون التاريخ حين يعارض هواهم، رجال يجهلون ماضيهم ويدوسون حضارة كاملة بأقدامهم..رجال تنخرهم سوسة المال والسلطة وما سواهما خارج عن مِلتهم..

خرجت من هذه الرواية ممتلئة بالماضي، بتاريخ نهشوه وحرفوه وزوروه وشوهوه لحاجة في نفس يعقوب، لكنه أحيا فيّ ذاكرة لم تمت، برغم الحرائق التي بقيت في حلقي وبرغم الشجون..

14 مارس 2012

صراع على هامش الحياة ..

20 تعليق


عقلي يطن بالهواجس، في مساء سواده يشي بقلق فجائي، تنشط خلايا الذاكرة، يبتسم لها القلب بوهن، طمعا في إزاحة ثقل الأيام الجاثمة عليه..

يطبق السكون من حولي، فتبدده ذاكرة المدن، تأتيني رائحتها من بين طيات السحاب، فأرحل بخيالي إلى موضع بعيد جداً، إلى حيث يستبد بي الحنين، ولا زاوية تسعني في ظل الكون الفسيح..

نظرتي تعكس شعورا ما، كامنا في قرارة نفسي، لم أتبينه بعد..
تتقاذفني أسئلة كثيرة، ولاشيء سوى أفكار بالغة الشحوب، وهمهمات يلقي بها داخلي، تطوحني خارج الزمان، محمولة على أجنحة الملائكة أو ربما في موكب تقوده الشياطين..

في لحظة هاربة، أشياء كثيرة تصحو فيَّ فجأة، كصورته التي لم تشخ أبدا، كقصيدة مبعثرة تركتها على حيطان مدينة شمالية، كحرقة وداع أخير في مطار مدينة قائظة..

وأنا أجوب الفراغ، اشتهيت الكثير، أشيائي الخفية، أوراقي، مذكراتي، اشتهيت كل شيء، رائحة الخزامى وعطر الشجر، لون الفراشات وحقول السنابل، الدراجة الهوائية وحتى الموج الهائج في عاصمة صاخبة..

عثرات لا دواء لها، إلا الكتابة..لكن..لماذا تحمل دوما بين طياتها انتكاسات لا وجود لها إلا في العقل الباطن؟ ولماذا يميل القلم إلى الخيبة ويغلق نافذة الحلم مع أن الأفق واسع؟ كيف نفقد شهوة العيش وماذا يعني أن نستحضر عنوة ذاكرة انمحت وخرمتها دودة الأيام..إنها محاولات عابثة، كمن يبحث عن نوتة موسيقية في آلة خربة..

أصداء تمر على حواف أذني، تزيدها ثقلا، يفلت الزمن من يدي، خاطري متقد وساعتي متسارعة الخطى، لا تكف عن الدوران، أودها لو تتثاقل، لا لرغبة في العيش أكثر ولكن لاستبطاء الوقت عند ممر الذاكرة وهي تنسلخ عن الواقع..

نهرب دوما من الحاضر..أصرخ بلا صدى..لماذا نفعل؟..ألأن الماضي كان أقل مرارة، أم لأنه مضى وانتهى واحتويناه من أعلى، استثنينا عنصر المفاجآت فصار مجرد سيناريو تشتعل أحرفه في العمق بشوق لإعادة إحياء التفاصيل؟..

سنوات تمضي، وأخرى تأتي، متشابهة، تحمل  أشواقنا، تبدو غريبة، ثم نتعود عليها، كما نتعود على الأمكنة والريح والأشجار والغياب..
تصنع الصدفة قدرا، وأسئلة لا تنام، فتغيب الخيارات، ونلحق بالركب على سفينة الحيرة، نركب عباب البحر مرغمين، وتسوقنا الريح خارج الوقت..

يسكنني جنون الكتب، مولعة برائحة مكتبتي، وحدها تملأ خوائي، لاشيء في هذا العالم غيرها يمت بصلة لقوم أعرفهم ويجهلونني، أسافر إلى أرضي الأولى، أملأ صدري ونظري بألوانها، بالدفء المشع الذي يصعد منها، بسرها الذي لا أدركه، أُشبع جوعي، أدخلها وأخرج كاملة، معي النسائم المالحة التي يجود بها البحر، والأشعة الصباحية التي تخترق عذرية الستائر، أشجار الزيتون والبرتقال، رائحة المسك، وزهر الياسمين الذي تحمله عربات الليل، حتى الأدوات الصدئة التي كانت تستريح فوق العشب المبلل..كلها معي..

في لحظات الخلوة وساعات الضجر، أبحث عن أي شيء يعطي معنى لمنفاي، لحلمي الهش، يأتيني صوت أرضي متسربا من بين أشجار الصنوبر العاليات، مخترقا الصخور والوديان، وقلقي الذي أتملص منه في لحظات الغفلة، أهرب من أشواقي المنكسرة وهسهسة الماء في عشية ربيعية..

لا..لا..لست نسمة هاربة معلقة بين السماء والأرض، الأمل..هذا الشعور أجمل ما فيَّ، لن يُسرق مني، لن تهزه نداءات الاستغاثة التي تملؤني، هناك خيارات أخرى أقوى من قرار الصمت وحفنة ماء وضعها الله في عمق الحرائق لعباده العابرين..

لم أكن أهذي، لم يكن هناك أصلا داع للهذيان، ربما كانت خطوطا تشابكت في لحظة خاطفة، أو مقطعا من كتاب احتفظت ببعضه ذاكرتي فصغته لاشعوريا بطريقة مبهمة..أراه نشيدا حزينا يئن تحت وطأة النفس القاسية..وربما يكون شيئا آخر..


لست أدري..

08 مارس 2012

ذاكرة أندلسية ( إشبيلية )

18 تعليق


في إشبيلية..
أرى برق القصيدة
يسير في السماء
فوق الحارات القديمة
وفي حصى كْوَدَالْكِيفِيرْ
يزحف الوجع إلى جسدي
على ما تبقى من فتات الرحيل
ينقر العصفور بقايا سنبلة في يدي
ويعيدني إلى ظلي..
خلف سياج الحرير


في إشبيلية.. 
يتحدث العود مع الخيول الأندلسية
وتطير الحمامات فوق الْجِيرَالْدَا
وحول القلاع وبين الغرباء
تضيء أجنحتها جرحي القديم
وتجعل موتي أطول
وأنا أفتش عن تفاحات المنصور الذهبية
فوق المئذنة..
وأصغي لحنين الناي
يعزفه عابر إسباني في قصر لَلْكَازَارْ


في إشبيلية..
تدق نواقيس الجامع الكبير
وتمتد أشجار البرتقال
إلى سوق الخياطين والعطارين والصباغين
وأرى رذاذ الليمون
ينثره بنو مرين في الهواء
أرى سلاطين المغرب ومراكش الحمراء
وعصفورة تنام وحيدة أعلى برج الذهب
ونخلة تسند الزمان على سور الْماكَرِينَا
تقاهر العصور..
لتحمينا من فِرْدِينَانْدْ القادم من لامكان..
 

01 مارس 2012

ليلٌ وماض وبطاقات..

18 تعليق


لم يغمض لي جفن، إلا وسنات خاطفة في ليل  ثقيل السواد، تحركت كوامن الشجن بداخلي، دون داعٍ، طاحونة الأفكار تفتتني، أفتش فيما راعني، وأشقى ببعضه، أنتظر بياض الفجر لأتخلص من ميراثي الثقيل..


ماذا أفعل يا ترى بالكم الفائض من الذكرى،  تلك التي باغتت خاطري على غير موعد؟ وهل كان الأوفق أن أتركها خامدة تتكئ عليها سنواتي الثماني والعشرين ؟..

في ليل بليغ السكون، يمرون بالبال، كحلم باسم في قلب محزون،  فأضطرب  لذكراهم، تغادرني الملائكة الرحيمة، ثم ما تلبث تخايلني فكرة الصراخ بصوت جهير هادر..لكن..أسيسمعون؟..
أنطوي تحت ملاءتي البيضاء، الصراخ لا يعلو، أشغل نفسي بالتقاط الهمهمات، كما أفعل لحظة الانهزامات الكبرى..لا أقل ولا أكثر..

أجلس أرضا، فوق بساط أخضر، كنت قد نسيت هذه الحركة منذ زمن، وجدتني ألعن في داخلي المتكأ الرخو الذي يمنعني من أن أنبطح أرضا..تبا للحداثة التي ما فتأت تقتلعنا من جذورنا، هذا الفعل المبهم، لأمر خفي،  جعلني أنعم بهنيهات سكينة ومتعة غير مألوفة..

على ذات الأرضية الصلبة، افترشت ذاكرتي، واستحضرت ماضيَّ، حزمة بطاقات ومعايدات، رسائل محبة وشوق، رسائل عتاب وفراق، كلمات وداع إلى اليوم تنخر عظمي وأنا أترك عمرا ورائي ووطنا..وأرحل.. وجوه لم تخفى عني وأخرى ما عدت أتذكرها جيدا.. 


سويعات طافحة بالتيه، وعدت إلى واقعي، أتأمل أول بطاقة تلقيتها من أبي، بارك الله في عمره، احتفظت بها ثلاثة عشر عاما، ولازالت معي، كنا ثلاثة بنات وكنت الوسطى، وعلى غير عادته، أهدى لكل واحدة منا بطاقة مع حلول العام الجديد ، كان ذلك سنة ١٩٩٩، الصغرى تضمنت بطاقتها براءة طفلة بشرائطها الحمراء والكبرى يظهر عليها حيوان مفترس قال حينها أنه يماثل طباعها الحادة، وكانت لي الطبيعة، قال هنا مكانك، أنت هادئة كهذه اللوحة..تحنانه الأبوي زادي مذ وعيت، ولازال..


بين حلم النبوغ واحتدام التنافس وصحاري الأرق والليالي البيضاء، كانت هناك ابتسام، وعلى وقع خطى عقلي الرتيبة، في شوارع مكناس، تظهر لي ضفائرها الثلاثين أو تزيد، كانت تسريحتها المفضلة (الراسطا) كما يسمونها، خلوقة طيبة سموحة باسمة، كانت مستودع أسراري كما كنت لها، آخر دمعة طعمها المالح امتزج في مقلتينا لحظة الوداع الأخير، رحلت عنها إلى الرباط، ومن هناك إلى باريس والتقينا في إحدى العطل الصيفية بوجدة، وشاء القدر أن تنقطع الأخبار وقد غابت عني التفاصيل..


من بين كومة البطاقات، تلك التي اندست خفية في حقيبتي المدرسية، لا تحمل تعليقا عدا كلمة ( بدون تعليق)..إلى اليوم أجهل الفارس المستتر، احتفظت بها، ربما هي هدية من السماء :)..

لا شك أن أجمل العمر ذاك الذي مضى، ليته يعود، وهند معه، وامتحانات الباكالوريا واستعداداتنا وخزعبلاتنا وهرطقاتنا، كانت نسخة من ابتسام، ذات الطيبوبة وذات الحنو، ابتسامتها التي ما نسيتها يوما، جمعنا نفس القسم الدراسي، وفرقتنا مادة اللغات، كنت أفتقدها كثيرا حين تتوجه نحو الأدب الإنجليزي وأسير نحو نظيره الإسباني ثم نفرح بلقاء بعد فراق..
كانت صديقتي الوحيدة، بعثرنا السلك الجامعي، حين اتجهت لدراسة الأدب الإنجليزي واخترت الحقوق، وسيفرقنا بعد ذلك القدر، فأغادر إلى باريس وترحل هي إلى إسبانيا..


وفي تلك المدرجات، مع دكاترة القانون وأساتذة العلوم السياسية، كانت مجموعتنا المصغرة، هشام الأول وهشام الثاني وجواد ووحيد وأنا، كنا خمستنا لا نفترق أبدا، ندرس معا ونمزح معا ونراجع معا ونخرج معا..وكان أبي يكن لهم من الحب الكثير، فقد كانوا خير مثال للشباب المغربي الناضج والمثقف، كنت أشعر بحمايتهم وحرصهم ونقائهم..صداقتنا لم تشبها شائبة حتى آخر لحظة ودعتهم فيها والحزن يعتصرني..
الفايسبوك ساهم في عثوري على صاحب الحلم الأمريكي كما كنا نسميه، جواد، وابتسمت حين علمت أنه مستقر بفيلادلفيا وقد يزورني في باريس، أما الثلاثة الآخرون فلا أدري من أمرهم شيئا واأسفي.. 

ضممت إلي الرسائل والبطاقات، سكنت روحي، نامت كطفل رضيع في خدر السنوات الماضية، تلتها زفرات ملتاعة، أخذتني في غمرة من النوم، لأرسم ملامحهم على اللوحات المعلقة على الحيطان..
سكن الصخب بداخلي، لم يعد حولي سوى الفراغ، وذكرى مؤلمة، ليس لأنها قاسية، بل لأنها كانت عكس ذلك ويحزنني فواتها..

غابت الوجوه..وبقيت هانئة، أنام بين البطاقات..

23 فبراير 2012

ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان

13 تعليق


اخترت لكم هذه المرة عملا أدبيا عملاقا، ينقلنا من خلاله جيلبرت سينويه إلى عوالم أكبر علماء المسلمين "أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا"، على لسان تلميذه ومرافقه " أبو عبيد الجوزجاني"، يحكي قصة خمسة وعشرين عاما إلى جانب ابن سينا مذ نجاه صبيا من الموت ..

في هذا الكتاب، تكلست شراييني تارة وانفرجت أساريري أخرى، راودني الشك ووقفت على اليقين، إنه كتاب فريد، مليء بالأضداد والمتناقضات، رحلة في حياة الطبيب العالم حيث العذاب والنعيم والشهوة والفسق والورع والعلم والفقر والغنى، فيه يرحل ابن سينا إلى أقاصي الأرض ومغاورها، بين الشقاء والرخاء، فيه عذاباته وترحاله وصحبه واضطهاده، كتبه ورسائله وأدواته، إقامته في بلاط الملوك وجهلهم، مصيره المتقلب بين نفوذهم ونزواتهم..

كتاب يحمل من عبقرية الرجل ما يصيبك بالدهشة الكبرى، وكيف جمع بين الطب والفكر والفلسفة، كيف كان يستحق لقب الشيخ الرئيس وهو لم يتجاوز الثامنة عشر بعد.

لم يعتمد سينويه على الصفحات العشرين فقط التي دون فيها الجوزجاني رحلته مع معلمه في سرد وقائع حياة ابن سينا، بل تجاوزها ليربط الأحداث بوقائع تاريخية في دقة متناهية لا تشي سوى باطلاع شامل على مختلف جوانب شخصية ابن سينا الأسطورية.

هذا العمل الأدبي الضخم فيه أسلوب سردي مشوق وبديع لم أرى نظيرا له، وكأن الكاتب رافق العالم خطوة خطوة، أحاط بجميع التفاصيل ولم يهمل منها جانبا، أحكم حبكة النص فوُلد عمل باهر بالفعل..

كان هذا الجانب المشرق من الكتاب، أما نقيضه والذي حيرني بشدة، ومؤكد أنه سيفاجئ كل مطلعٍ عليه، يكمن في الجزء الآخر من شخصية ابن سينا، التي لم أعرفها قبل هذا الكتاب، أهي صحيحة أم مغلوطة لست أدري، لكنني أحترس من تصديق كل ما جاء به الكاتب هنا، فكيف لعالم جليل كان نابغة عصره وآمن أكثر من غيره وزهد في الحياة في سبيل أهدافه النبيلة أن يجمع بين الورع والفجور، وكيف يتمرغ في وحل الخطيئة ولذات الجسد وهو الذي لازم بيوت الله..
 ربما هو غرض في نفس الكاتب الفرنسي الذي ترعرع في مصر، جعله ينسب ابن سينا إلى أصول يهودية ويصوره غارقا في الخمر والمجون..

ومع كل هذا الزخم من المعلومات الغامضة، ستستمتع عزيزي القارئ برحلة ابن سينا قبل أن ينطفئ نوره على مشارف همدان ( إيران حاليا ) عن عمر لم يتجاوز السابعة والخمسين عاما، ستعبر الصحاري والوديان والسفوح والجبال، ستستحم بماء السواقي، تستلقي أرضا تفكر معه في سر الكون، تعد النجوم وتمر بالأسواق والحارات، تدخل بلاط الأمراء وتعيش بذخ السلاطين، تطلع على قذارة السياسة والتناحر من أجل السلطة، ثم تهوي مع أول خيوط الفجر حيث الفقر المذقع، تبحث عن قربة ماء وكسرة خبز..

ينتهي الكتاب وتبقى كلمات الجوزجاني عن معلمِه عالقة : " لم يزل اسمه ملفوظا وذكره محفوظا من سمرقند إلى شيراز ومن أبواب المدينة المدورة، بغداد، إلى أبواب الإثنتين والسبعين أمة، ومن فخامة القصور إلى ضواحي طبرستان، ولم يزل الصدى يترسل بأخبار عظمته في أرجاء المعمور " .

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More