02 يونيو 2011

كل عام وأنتم بخير!!

22 تعليق


طبول تُقرع ومليارات الدولارات تتفرقع لعبا نارية  في الهواء حول العالم..ننتظر الدقائق الأخيرة من عام دخل أجندة الماضي، عام رحل بمساوئه وحسناته، لنستبدله بعام آخر زاحمنا حوله الأمنيات، وأودعناه أسرارنا الصغيرة والكبيرة..لم نكن نعرف أثنائها أننا نستقبل بالأهازيج حتفنا ونواجه عُزلاء أقدارنا التي  تسير بنا نحو المجهول..

٢٠١١..مختلف جدا هذا العام، حتى أنني صرت أتشاءم من الأرقام المكونة له، وأتمنى في سري أن يمر مهرولا، لنختزن فواجعه بين ذاكرة لن تنساه وتاريخ سيسطر أحمرا نكباته..

فر بن علي والمصونة عقيلته نحو الخليج خوفا من غضب الشعب التونسي الذي أدخله التاريخَ البائع المتجول البوعزيزي وأشعل فتيل الحرية في نفوس أمة بأكملها..
كان الفراعنة على الموعد أيضاً، ولم يهنأ لهم عيش إلا بعد خلع رئيسهم اللامبارك..
ثم جاء ملك ملوك إفريقيا ليبيد الشارع الليبي زنقة زنقة ودار دار، وهو الان يبحث بيت بيت عله يجد مكانا يختبأ فيه كما الجرذان طامعا في النجاة.. 
احتدم الصراع بين الشعب السوري وأسده، والذي كنت أستبعد كثيرا هذه المجازر الجماعية التي يقوم بها في حق وطنه، يبدو أنه صدق فعلا كذبة ملك الغاب، ولا مزحزح لسيده..
ويستمر ربيع الثورات العربية، مع أنني لا أحبذ هذا الإسم كثيرا، فقد رحل من الضحايا ما يجعل العمر خريفا بأكمله، قد تقولون ضريبة الحرية، لكنني تمنيتها بخسائر بشرية أقل..
والصالح الان لا أصلحه الله، يسير على نهج أسلافه، وكأنه لم يتعلم الدرس ممن سبقوه، ومصر على المكابدة رغم ما أبانه الشعب اليمني من إصرار وعزيمة في تنقيبه عن ( الديمقراطية).

ضرب اليابان أعنف زلزال في تاريخها منذ بدء توثيق سجلات الزلازل قبل ١٤٠ عاما والذي سجل أكبر نسبة خسائر وتدمير للبنية التحتية والمحطات النووية والذي لعنفه أدى حسب المعهد الإيطالي للجيوفزياء إلى إزاحة محور دوران الأرض عشرة سنتمترات..
زلزال آخر قدم من أبت أباد بباكستان، نفذته قوات الكوماندوز الأمريكية هذه المرة، عندما أعلنت قتلها لزعيم القاعدة أسامة بن لادن بعد أعوام عشرة من البحث المضني، أدخلتنا بخبرها دوامة الحيرة والشك، فندت شكوكنا بزعمها أن صورته ميتا تثير الاستياء والتحريض،ألقت جثته في البحر..وانتهى..أنصدقها؟..ربما هي مسرحية أوباما قبل رفع الستار عن الحملات الانتخابية..وربما هي الحقيقة، لكن ما أنا متأكدة منه، أنها ليست كاملة.

وأخيرا قبض على راتكو ملاديتش أو جزار البلقان، الزعيم السابق لصرب البوسنة صاحب مجزرة سربرينتشا الذي أمر بقتل ثمانية آلاف من المدنيين العزل والأطفال قبل ١٥ عاما، وهاهوذا خلف الجدران الان..وكم أتمنى أن يقبض على جزار العراق أيضاً، أقصد بوش لقتله ملايين العراقيين وتشريدهم، مضيفا أرقاما خيالية للمليونين اللذين التهمهما صدام حسين حيا، قتل بوش تحت مسمى تحرير البلد ونشر الديمقراطية والحضارة، ناهيك عما مارسه من تنكيل وتعذيب وسجن لعلمائها الذين استهدفوا من أول وهلة وتهجير آخرين، ونهب وسطو لخيراتها ونفطها..

أيها السادة، اسمعوا قول نزيه أبو عفش:
الأموات على الشاشة أموات حقيقيون
أموات من لحم وعظام وخوف موت
أموات ماتوا
أموات تعذبوا
أموات صرخوا قبل أن تجيء الكاميرات:
( أيها العالم الكلب، نبصق على شرفك )

كل هذا ولازالت النزوات السياسية تملأ الشاشات من برلوسكوني إلى ستروسكان وما خفي أعظم..فضلا عن فضائح سياسية من نوع آخر كتلك التي نادى فيها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الشعب السوري للحفاظ على نظامهم المقاوم الممانع تحت أجنحة رئيسهم الأسد المفدى، ونيران الفرقة والنزعات الطائفية التي تغرسها إيران بين الفينة والأخرى لتأجيج الانقسام بين الشيعة والسنة، أما ما يخرج من أفواه وبنادق الزنادقة الصهاينة فذلك وحده يحتاج موضوعا بأكمله.. خلاصة هذه الأشهر التي تصيبك بذبحة قلبية حين تعود إليها، كل يغني على ليلاه..

ما القادم يا ترى، وماذا تحمل الأشهر السبعة المتبقية، وهل سنفرقع الألعاب النارية في نهايتها أم هي من ستفعل ذلك بنا.. 
من الان أحذركم، لا تثقلوا كاهل الدقائق الأخيرة بالأمنيات، هي لا تعنينا، فحين يكون العالم مشغولا بمباهجه تغدو الأمنية العربية رغبةٌ في البقاء على قيد الحياة..

26 مايو 2011

بين فكَّيْ الجلاد..

17 تعليق


كَمٌّ هائل من المرارة والفجيعة تسكنانني، وأنا أتطلع كل صباح وكل مساء إلى نشرات الأخبار العربية، وثلة من الجرائد لا تحمل بين طياتها غير المواجع.

حسمت أمري مرات عدة للإقلاع عن هذه العادة التي ولدت ببيتي مع ولادة الثورات العربية، وقررت مرارا أن أقاطع التلفزيون أو أضرب عنه، وأعود إلى طبيعتي، كتب محفزة، روايات عظيمة، وكفى، أي لا إدمان على الشاشة.
حتى أن بوادر اكتئاب فجائي تلوح فوق سمائي، حينما نقضي سهرتنا أنا وصديقتي لطيفة في استعراض معضلاتنا العربية، وفحولتها المعطوبة.
لخيبتي، ما ألبث أعود إلى الجهاز، أتلصص عن بعد على أقدار الآلاف وهم يروون عطش الثرى صبحا وعشية، وأتحسس حربا، مخافة أن تقع على غفلة مني.

 كم شعبا يجب أن يباد وتسيل دماؤه غزيرة تعبر القنوات وتملؤ الصفحات بالقهر الفاتك، قبل أن يراوده ذبيب الديمقراطية المطعونة التي تفنى روحه ممنيا نفسه الوصول إليها.
ما أثقلها من هموم، تنخر الجسد وتسممه، وكأننا بحاجة لمن يجهز علينا حد الوجع، يكفي وجع الأمة ومهالك العروبة التي لا تنتهي..
أيعقل أن يفعل بنا حكامنا كل هذا؟..أتساءل بغباء.. وكيف لا وهم الذين لا يرضون إلا بالنسب الحاسمة، لا يصلون سدة الحكم بأقل من ٩٩،٩٩٪، وهي نفس النسبة التي يحتاجونها قبل المغادرة لإبادة الشعب عن بكرة أبيه.

من يوضح لي ما يحدث، إعاقة فكرية تضرب عقلي، وأنا أحاول جاهدة التمييز بين الظالم والمظلوم، الحقيقة والباطل، بين الصدق والبهتان..
وجدت جوابا بسيطا لتساؤلاتي في جملة قرأتها لأنس زاهد ( في كل الدنيا يلقون بالقتلة في السجون. عندنا فقط يمكن للقاتل أن يقضي بقية مدة عقوبته تحت قمّة البرلمان. إنه إنجاز تعجز عنه الديمقراطية البريطانية نفسها).
وهاهم هناك (الحكام) يبثون المقابلة، ثم يرعون المباريات الدموية بين أجهزتهم الفاسدة وجسد الشعب الأعزل، ساديون يتلذذون بامتصاص الدماء دون أدنى رحمة..وكأننا أمام مشهد من فيلم دراكولا. 

اعتقدوا لأعوام طوال، أننا نعالهم التي يمشون بها فوق جثتنا الحية منها والميتة، وما أن ظهرت بوادر الثورة، شنوا علينا حروبهم الضارية وأبانوا عن أنيابهم المفترسة، خشية إبعادهم عن مجلسهم الوثير.
يال هذا الزمن القبيح المفجع، الذي لم أجد له وصفا أفضل مما قاله صلاح عبد الصبور ( هذا زمن الحق الضائع، لا يعرف فيه مقتول من قتله، ومتى قتله، ورؤوس الناس على جثث الحيوانات، ورؤوس الحيوانات على جثث الناس، فتحسس رأسك).

أنبكي أوطاننا أم تَبكينا، تعدى الوجع الجرعة المسموح بها، وتهاوت علينا الضربات من القريب قبل العدو، قتل من قتل، وسجن من سجن، واختفى آخرون..ولازلنا نحلم بلحظة تاريخية حاسمة تغير مجرى حياتنا رغم ترسانتنا العربية الوضيعة المخجلة.. 

قد تتساءلون لما كل هذا التشاؤم، وقد كان حريا بي أن أنادي بالأمل كما تعودنا أن نفعل، أو تصابون بانهيار عصبي كما وصفته صديقتي بعد انتهائها من الاطلاع على ما يعتصرني، لكني لم أجد مهربا من كل هذا الألم، ونحن على أعتاب الحرية نناديها بسخاء، لتخلصنا من بين أنياب جلادينا، لا نملك سوى اللحظة لا سواها، ننتظر سقوط الطاغية عن عرشه المزعوم، لنفرح فرحة الصحابة بسقوط هبل، ونتلذذ بفجيعة قريش لفقدانه، دون أن ندفع باهظا ثمن سقوطه..نترقب بحذر..جلادا جديدا..أو فجرا جديدا..

22 مايو 2011

ورقة من دفتر لاجئ

17 تعليق


يجول بناظريه بين صفحات دفتر بالٍ أرهقته الأيدي، وكأنه يحاول فك لغز مفقود، غيبته الذاكرة، ثم يرفع بصره في لحظة خاطفة، فزِعا، يتملص من القدر المرسوم شريطا أحمرا على الجهاز المتآكل قبالته..

إنها نشرة الأخبار التي لا مفر منها، يضبط ساعته عليها كما المساءات التي ولت، وتلك التي ستأتي، فقد يحدث أن تخونه عقاربها..
هاهوذا يحملق في الشاشة، يتقصى أخبار الوطن، بعدما رحل عنه مجبرا لسبب في نفسه، أعوام عشرة أو تزيد، لم تطأ قدمه تربة  بلدته ولم يحتضن جسده رائحتها..

فقط بقايا دفتر، كان يدون فيه يومياته، كان يرسم بفرشاة الحزن ألوانا لم يعد يتذكرها، زادتها السنين قتامة..وبضع ذكريات عالقة تقذفها فوهة الذاكرة بين الفينة والأخرى..هذا كل ما تبقى من ماض يجهل نصفه..

انتهى الموجز، والضفة الغربية المحتلة على حالها، لا الحال تغير ولا الاحتلال رحل..والورم يكبر في صدره كلما حل المساء، وأحاطت به جيوش الحزن لتحرق عوده كما الهشيم..تنغص ليله الدامس..وتزيده حلكة..

يلتقط كتابه البالي من جديد، ويقلب صفحات أيامه، واحدة تلو الأخرى، تقفز الطفولة مباغتة تحيي ذكرى ميتة، يحاول رسم صورة أمه التي لم يعرفها، لكنه يتذكر جيدا وجه أبيه، حينما طبع على جبينه القبلة الأخيرة، قبل أن تنخره رصاصة غادرة في إحدى أيام الانتفاضة الأولى  وترديه شهيدا..
رفض طائر الكرى التحليق فوق أهدابه، ليترك له مساحة يسطر فيها عناوينا لعائلة جادت بها أحلامه، تمناها في سره، قبل أن تصادَر منه حرية التمني هي الأخرى..

أعياه المصنع الحقير الذي يقتات منه، في إحدى قرى سوريا النائية، ووجوه لا يعرفها، يراها ولا يتذكرها..ينهي عمله على مضض، يهرول إلى غرفته القابعة في سطح إحدى الدور الهشة، ينزوي وحيدا، يكرس حجم العزلة في ساحة صدره، حتى صارت جزءا منه، وكأن لسان حاله ينقل للمدى أمنيات عقيمة..استنزفت زهرة الصبر كلها..

يشرد مجددا..تطيحه إغفاءة مقصودة، تملصا من شيء ما..ثم يستفيق سعيد، عابسا، على وجه الوطن، وذكريات داكنة..تعيش في دفتر، بين خردة أحلام  ورزمة كلمات، وشريط أحمر مسطر كما الموت المحتم.

06 مايو 2011

جولة في متحف كريفان

20 تعليق


مرحباً بالأحبة..


سأصحبكم هذه المرة في جولة وهمية ترفيهية بكل أبعادها، المكان متحف كريفان (grévin) بباريس، متحف الشمع هذا الذي يحتضن منذ الخامس من يونيو 1882 أبرز الوجوه والشخصيات العالمية التي تركت بصمتها بارزة على صفحات العالم..
سنقلب أوراق الماضي والحاضر، سنقرأ التاريخ بطريقة مغايرة، وكأننا فعلا عشنا تلك الحقب..
كريفان..شعلة من إبداع يدوم منذ أزيد من 120 عاما، نُفخت فيه روح نحاتين بارعين أضافوا لفن النحت على الشمع لمستهم الخاصة التي تدخلت في أدق تفاصيل الشخصيات من الزمنين الماضي والحاضر..



نستهل الجولة بقاعة المرايا (le palais des mirage)، ياله من عالم مثير، تزج بنفسك في معبد هندوسي، تتوه في غابة مخيفة لا قرار لها، مواصلا الرحلة بين أروقة قصر وكأنها أمسية من ألف ليلة وليلة، كل هذا من تمازج الأضواء والمرايا المدهشة التي تنقلك بعيدا عن الأنظار، مع كل لمحة تكتشف منظورا جديدا لا نهاية له..في هذا المكان..الدهشة مضمونة..



بعد الاستعراض الأخاذ، نطأ صالة أخرى، حيث المشاهير والشخصيات المرموقة، نجد في استقبالنا بعضا منهم كما الفنان الأمريكي الوسيم جورج كلوني، والمغني والعازف الإنجليزي إلتون جون، كما نجد الممثلة البارعة جوليا روبرتس وكذا الجميلة مونيكا بلوتشي..


ندخل صالة المسرح، التي أنشأت في العام 1900 من طرف المهندس ريف، فنجد بها شارل أزنفور مستريحا على أحد مقاعدها، وغير بعيدة عنه الكاتبة البلجيكية أميلي نوتومب الشهيرة صاحبة كتاب (stupeurs et tremblements)..يحرسهما جاكي شان بابتسامته الخفيفة ويقظته ..^_^..


نتابع المسير، إلى أن نصل لقصر الإليزيه، نجد رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي بضحكته اللاذعة يرافقه أوباما وبوتن وميركل ومحمد السادس والرئيس السنغالي..
لابأس بصورة أمام هؤلاء الزعماء، هنا يمكنك أن تفعل بهم ما شئت..


قبل أن ندخل ورشة النحات الفرنسي أوغوست رودان، علينا أولا تقديم التحية لعمالقة فن الرسم الإسبانيين الشهيرين سالفادور دالي وبابلو بيكاسو..




باريس أيضاً تلك المقاهي الأدبية التي ارتادها مشاهير الأمس واليوم، سيرج جانسبورج وكأسه الممتلئة، يرمقه إرنيست إمنوي صاحب كتاب (le vieil homme et la mer)  وهو في لحظة شرود، على مقربة منهما جلست في حوار حميمي مغنية الأوبرا الأمريكية ماريا كالاس والمصمم الفرنسي العالمي جون بول جوتيي..



والآن تعالوا إلى عالم الموضة، نحضر استعراض الأزياء للمفترسة نومي كمبيل يراقبها بنظرته الجادة المصمم الشهير كريستيان ديور..قبل أن ننتقل لواجهة أخرى تضم قسما لتلامذة أثناء الحرب العالمية الثانية عام 1945..وغير بعيد نجد العازف المرموق مستلاف روستروبفيتش وهو يعزف مقطوعته أمام جدار برلين يوم انهياره في نونبر 1989..



أما الان فسنغادر القرن العشرين في رحلة عكسية إلى الماضي، إلى القرون الوسطى حيث  أبرز الرسامين  الذين وقعوا مجدهم مبكرا وظلت أعمالهم محل دهشة وإعجاب إلى يومنا هذا، وكذا الكتاب والفلاسفة والأطباء والأدباء، كما نجد ملوك فرنسا الذين تعاقبوا على حكمها مع تجسيد متقن لأحداث بارزة يحفظها التاريخ..ومن بين تلك الوجوه المعروفة نصادف موليير وجان راسين، ليوناردو دافينتشي، نوسترداموس وغيرهم كثر..





والان، سندخل أقدم صالة بالمتحف التي أنشأت يوم الافتتاح عام 1882 ذات التصميم المنفرد والجذاب، وتضم وجوها لشخصيات تركت أثرها إلى اليوم كما الزعيم الروحي للهند المهاتما غاندي وموزارت يافعا، وبالقرب نجد ألبير إنشتاين، نابليون بونابرت وعائلته..ضم المكان أيضاً وجوها أثرت في زمنها كماريلين مونرو ومايكل جاكسون وألفريد هتشكوك وغيرهم..




انتهت الجولة الان، وبقي ذهني يحتفظ بالوجوه المئتي وخمسين التي اجتمعت في مكان يستحق الزيارة فعلا..آمل أن تكونوا قد استمتعتم كما فعلت أنا وصديقتي اللطيفة، وتجدون هنا مزيدا من الصور لوجوه لم نرها، لكن ذاكرتنا تعرفها.

01 مايو 2011

على جسر ميرابو

17 تعليق


رحل الليل إلا أقله، والشوارع خاوية إلا من بعض النساء العابرات، وبضع سيارات تفتك وحشة الليل..مشيت بخطوات متثائبة، وصلت إلى جسر ميرابو، وقفت على الجسر، دنوت أكثر  لتصلني حكايا نهر السين وما تهامسه المحبون على جنباته، كم يا ترى شهد من وعود وكم سرا دفن بين ضفتيه؟..كم بائسا ابتلع هذا النهر وكم نهاية سطرها؟..

ما الذي أتى بي إلى هذا المكان بالذات؟..وفي هذا الوقت المتأخر؟..لا يصحبني سوى أثر الفراشة لدرويش..والنهايات لعبد الرحمان منيف الذي ينتظر دوره بين أروقة حقيبة اليد الرمادية..وسيارة مركونة بطريقة عشوائية على ناصية شارع باريسي أقفلت جميع محلاته، حتى الهاتف الخلوي تخلصت منه عمدا لئلا يفسد صوت المدى..

وترفرف قصيدة غيوم أبولينير فوق الجسر..
                                       تحت جسر ميرابو يجري "السين"
                                       وحبّنا
                                       هل من اللّزوم تذكيري به
                                       الفرحة كانت تأتي دوما بعد الأسى
                                       ليأت اللّيل ولتدقّ السّاعة
                                       فالأيّام تذهبُ وأنا في مكاني

نظرت إلى صورتي مليا فلم تبرز لي، ألقيت آخر حبة بندق في جيبي لأرى أثرها على النهر فوجدته يتجاوب معها  وكأنه يناجيها..

وأنا..أنا..

متكئة على حافته، أمعن النظر في مالانهاية، في الأفق اللامحدود، أبحث عن الذات الأخرى، عن واحدة ليست أنا، أو ربما أكون أبحث عن الجزء الاخر مني، عن الجانب الخفي الذي أحاول رؤيته..ويتجنبني..
أغير منحى بصري في اتجاه الشمال، وساعات الحلم الطويلة، أعود إلى صفوف المدرسة ومقاعدها الخشبية، إلى جدائلي، النشيد الوطني الصباحي، والمحفظة الثقيلة، حيث مرتع الكتب المغلفة بألوان مختلفة، الأخضر والأصفر والأحمر والبني الداكن..دفاتر من اثني عشرة وكذا أربعة وعشرين ورقة، الأقلام الجافة والأقلام اللبدية، أقلام الحبر وأقلام الرصاص، واللوحة ورفيقتها الطبشورة...

وأبحر مرة أخرى، هذه المرة في كل الاتجاهات، ترتطم مخيلتي بأشخاص عرفتهم، وآخرين ظننت أني عرفتهم، أتفرس في مذكرة حياتي، أعد القلائل الذين تركوا بصمتهم عليها، وأولئك الذين رحلوا وتركوا وخزا تكفلت به الأيام..أتذكر حبا عظيما رحل، إلا أنه يحيا معي..جدتي الزهراء، منبت الرضى، وعيونها الباسمة..
  
تنهيدة سمعتها الريح الخفيفة التي تداعب الخصلات السوداء حينا، وتقسو عليها حينا..قبل أن يفسد صفيرها المفاجئ خلوتي، ويقطع مرة أخرى صمت الليل..وكأنه تأوه لاشتباكه بخيوط ذاكرتي..
   
ذاكرتي..قفزت من أعلى الجسر، كما فعل بول سيلان ذات نيسان منذ واحد وأربعين عاما، وكما ألقى الجزائريون أحلامهم، لكنني بقيت أنا..أجول بناظريَّ إلى حيث اللامكان، حيث تهتك عقارب الوقت، ويعود الزمن ورقة بيضاء، يرتجف، خائفا، ينتظر مصيره كعروس ليلة عرس..

25 أبريل 2011

وجدة..عروس الشرق

35 تعليق


سأحدثكم هنا عن مدينتي، عن وجدة، عاصمة المغرب الشرقي، سأسرد على مسامعكم جزءا من تاريخها الغني بالأحداث، ففي غمرة المدن العالمية التي زرتها، نسيت أن أخصص حصة لمدينة تحتضن بين يديها أنفاسي..يغفر لي في ذلك المثل الفرنسي..(vaut mieux tard que jamais)..سأرفقها بصور التقطتها خلال هذه الإجازة الربيعية..

باب عبد الوهاب
اختلف الباحثون والمؤرخون عن أصل تسميتها، لكن الأرجح مرتبط بحدث تاريخي تمثل في مطاردة المغاربة لسليمان الشماخ الذي اغتال الملك إدريس الأول بأمر من العباسيين حيث دس له السم، ثم فر نحو الشرق هاربا، فاقتفوا أثره ووجدوه في مكان قريب من وجدة الحالية، وقتلوه، وبذلك سميت وجدة..

تقع مدينتي في أقصى شرق المملكة على الحدود المغربية الجزائرية، إذ لا يفصل بينها وبين المركز الحدودي سوى 14 كلم..كما تبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط بستين كلم..

تأسست المدينة على يد الزعيم زيري بن عطية المغراوي (نسبة إلى مغراوة إحدى قبائل زناتة البربرية)..وذلك عام 994م، بعد أن ولاه الفاتح الأندلسي محمد بن أبي عامر على المغرب الأقصى، حيث اتخذ مدينة فاس عاصمة لمملكته،  لكنه دخل في صراع مع محمد بن أبي عامر في الأندلس والفاطميين والصنهاجيين في المغرب الأوسط، الشيء الذي جعله يبني مدينة وجدة لتوسيع مملكته  وتحصينه من الأخطار المحدقة به من الناحية الشرقية..

المدينة القديمة
ولمدينتي حكاية أخرى مع الاستعمار الفرنسي، فموقعها الحدودي مع الجزائر كلفها وساكنتها احتضان المقاومة الجزائرية ومدهم بالمال والسلاح ودعمهم على كل المستويات خاصة على عهد الأمير عبد القادر الجزائري..وهذا ما جعل وجدة في عيون فرنسا الباب الرئيسي لاحتلال المغرب والسيطرة على الشمال الإفريقي بدعوى القضاء على القواعد الخلفية للمقاومة الجزائرية..فدخلت فرنسا حربا مع المخزن المغربي عام 1844م في معركة إسلي، لضرب البلاد بحجة مساندة المغرب للمقاومة الجزائرية، والتي انتهت بهزيمة المغاربة وأبانت عن ضعف المخزن المغربي أنذاك، حيث أجبروا على توقيع اتفاقية للامغنية في العام الموالي، التي كان أبرز بنودها رسم الحدود بين الدولتين المغربية والجزائر المستعمرة، إلى أن دخل الجيش الفرنسي مدينة وجدة تحت قيادة الجنرال الفرنسي ليوطي بتاريخ 24 مارس 1907م..

حدث اخر عاشته وجدة عام 1948، تمثل في ذبح 48 يهوديا، قيل أن السبب الرئيسي فيه هو قيام الحاكم العسكري الفرنسي روني برونل بالتحريض ضد يهود وجدة الذين أظهروا انحيازهم للمستعمرين ضد المقاومين،  فاغتنم الحاكم الفرصة لدفع اليهود إلى المغادرة إلى إسرائيل وذلك بتنسيق سري مع الوكالة الصهيونية العالمية..

باب الغربي
أما الان، فسنقف على بعض المعالم الرئيسية التي تمثل المدينة، فنجد باب سيدي عبد الوهاب، هذا الباب الأثري المطل على ساحة عبد الوهاب، يعتبر مركز المدينة، حيث يعد نقطة انطلاق والتقاء الطرق المؤدية إليه والمنطلقة منه..وبه تتمركز التجارة..
كما نجد باب الغربي، المطل على ساحة سرت، على اسم المدينة الليبية المتوأمة مع مدينة وجدة، وهناك أيضاً سوق الفلاح، سوق عريق، قديم وكبير، تجد به ساكنة البلد جميع مستلزمات حياتها اليومية..

كما توجد ساحات متعددة منها ساحة 16غشت  حيث جامع عمر ابن عبد العزيز الكبير، و9 يوليوز والمغرب العربي، وتبقى ساحة المغرب هي الأهم حيث نافورة عظيمة تحيط بها محلات تجارية متنوعة..

ساحة ١٦ غشت
هذا إضافة إلى معالم دينية شهيرة كمعهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية الذي يتخرج منه مئات الطلاب وحفظة القرآن، فضلا عن المجلس العلمي الذي يضم أهم مكتبات المدينة..


نجد أيضاً وسط شارع محمد الخامس كنيسة سان لويس دانجو حيث أول كنيسة بناها المستعمر الفرنسي..

كنيسة سان لويس دانجو
بالمدينة أيضاً يوجد ضريح سيدي يحيى بن يونس، الذي يزوره منذ مئات السنين يهود ونصارى ومسلمون، حيث أفادت النصوص التاريخية أن الولي المدفون هاجر من قشتالة بالأندلس إلى وجدة واستقر بها، ثم مات ودفن بها أيضاً، أما مصادر أخرى، فتفيد أن به جثمان أو أجزاء منه للقديس يوحنا المعمدان ( النبي يحيى بن زكريا).. والذي يظل إلى اليوم مزارا لأعداد هائلة من يهود العالم .

ضريح يحيى بن يونس
وأنت تجوب شوارع وجدة، لا تنسى التوقف عند بائع ( كاران) ، الوجبة الوجدية السريعة والشهيرة، المصنوعة من دقيق الحمص، ترفقها بمشروب البرتقال ( بريدة) الغني عن التعريف عند ساكنة البلد..


ثلاثة سقاقي
تذوق كعك المدينة مرفوقا بكأس شاي على الطريقة الشرقية، ثم خصص لنفسك سويعة استرخاء وسط حمامات وجدة التقليدية..

مارينا-السعيدية-
مارينا-السعيدية-
 إن كنت من عشاق البحر مثلي، فعليك بالمحطة السياحية القديمة العهد، الحديثة التجديد (السعيدية)، التي تبعد عن وجدة بحوالي 60 كلم، حيث الشمس والبحر، تمارس كل أنواع الرياضات المائية بكل حرية..أما إن كنت من أكلة فواكه البحر الشرهين، مثلي كذلك، فعليك بوجبة غذائية متكاملة في راس الماء (cap de l'eau)،
حيث أجود أنواع السمك ولا تنسى احتساء شربة السمك أيضاً..ما ألذها..


CAP DE L'EAU
هنا نقلت لكم بعضا مما قاله التاريخ عن مدينتي، وما عشته وعايشته في هذه المدينة التي تشهد حاليا موجة من النمو والازدهار يرجع الفضل فيها إلى سياسة ملك المغرب محمد السادس الذي يوليها اهتماما بالغا، ينصفها بعد سنين الركود التي عاشتها أعواما طوال في ظل النظام القديم..

16 أبريل 2011

أفضل مدونة عربية .. شكرا لكم

47 تعليق

قوية كانت لحظة السعادة وأنا أشهد إعلان مدونتي كأفضل مدونة عربية للعام 2011 في مسابقة أرابيسك، رغم عمرها القصير، فهي لم تتجاوز الستة أشهر على انطلاقها..

وأنا بين أحضان الوطن وعائلتي، أسعدني هذا التتويج، فخر واعتزاز راوداني وأنا ألمح البسمة تتلألأ في عيون من أحبهم، فشكر عظيم لكل من كان له الفضل في رسم هذه البسمة الصادقة..
شكر عميق لعائلتي، لقراء مدونتي وزوارها الكرام، لصديقتي اللطيفة، وشكر خاص لأعضاء لجنة التحكيم على ثقتهم وتشجيعهم لمدونتي وللتدوين بصفة عامة..
لكم مني أطيب المنى ومسيرة تدوينية موفقة للجميع .

10 أبريل 2011

إلى الوطن ..

38 تعليق


الوطن ينادي أيها الأحبة، رائحة ترابه تنخر عباب جسدي، تحرضني على الهرولة، لعناق سماء المغرب الزرقاء، لم أعد أرى أضواء برج إيفل تلمع، ولم يعد يغريني منظر السين وجسوره التي يرصف فوقها العشاق ليلا، أريد أن أستنشق اللحظة ووطني، أشتم رائحة خبز أمي، أنصت لنصائحها، أحتضن حنانها، أشتاق لمجالسة الدركي المحنك، أقصد والدي، وندخل معا أغوار النقاش، الذي يحتدم، يهوي، ويعلو، ثم ينتهي بدرس أستفيده من الحياة مرة إضافية على يديه، أحن لمنظر أختي، وهي تسرع، تركب سيارتهاعلى عجل، لأنها استنزفت آخر الدقائق معنا، قبل أن تذهب للعمل، أشتاق لأخي الصغير، لمشاداته الكلامية، لعصبيته، لنوباته الطفولية، لمشاكسته حتى يثور، ثم يغادر رفقة دراجته النارية، ويعود محملا بأخبار ونكت هستيرية..

سأشد الرحال إلى وطني، أشربه جرعة مسكنة، أبدد تراكمات باريسية، أجدد ما بداخلي، كي أعود مشبعة بشمس ورائحة المغرب، أختزن فيض الإحساس لأيام فرنسية باردة قادمة.. 
إلى أن نلتقي..دامت لكم السلامة أيها الأحبة. 

05 أبريل 2011

نفحات الذكرى

30 تعليق


أذكرها جيدا، كانت جميلة كليلة حلم أبيض، أجنحتها كانت تحتضننا بدفئ يشبه ذلك الذي تغدقه العصفورة الأم على صغارها،  كنا كالشجرة، وكانت الأرض التي تمتد فيها جذورنا، عطاؤها اللامحدود لا تجد له قياسا، مسالك روحها مشرعة، تعبرها قلوبنا الصغيرة على مدى الأيام، كانت ملاك اليوم والغد وكل الأزمان..
كنا نتنفس الحياة من أشعتها، ونبني من خيالنا بيتا تسكنه قصصها المثيرة التي كانت تكافئنا بها بعد نهاية الواجبات المدرسية، كما الترس المنيع هذه الشابة في مقتبل العمر، تحصننا أسوارها القائمة فوق أرض خصبة لا ينمو بجانبها غير الحب، يلفها سياج من إخلاص غير مسبوق..

لكم أحن إلى أيام الأبجدية الأولى، التي لقنتني إياها، نِعم الخالة والمربية والأخت والصديقة كانت، تتلمذت على يديها، تعلمت منها أشياء وحفظت أخرى، كانت تبغي تفوقنا، اجتهدت لذلك، وكان لها دوما ما أرادت..
عصامية التكوين تلك الفاتحة المسالمة التي غزت دواخلنا بطيبوبتها، وما أعلنته جوانبها وما أضمرت من إخلاص وتفانٍ تشهد به ذاكرتي بعدما عبرتُ عمرا من الزمن، ولازلت أقف على جسور الوفاء الشامخة التي ظلت تشهد صلابة بنيانها..

ترتسم مع الحروف صورة الماضي، ونحن نقتسم نفس الغرفة، المكتب الذي ظل زمنا يحتفظ بذكريات السهر، والواجبات..أبتسم كلما زارتني ذكراها، القراءة والقرآن الكريم والرياضيات ودفاتر الرسم..آه من الرياضيات، كنت أمضي في حلها رفقتها زمنا أطول، كانت تشرح وتعيد الشرح، إلا أن يستقر حل المسألة في قرارة ذاتي، مرغما، فمعها، لا مجال لكلمة لا أو ربما، أو ممكن، كان الإيجاب كل ما تعترف به، قبل أن نطلق العنان لمخيلتنا، نسابق أحلام اليقظة وهي تسرد على مسمع مني ومن أختاي قصصنا المفضلة من سلسلات (bande dessinée)..تحضرني الان واحدة..تلك التي انتهت بفيضان قدر الحساء الذي تدفق إلى أن أغرق المدينة كاملة..^_^..

شعور لامع كخيوط شمس ربيعية يرقص في علياء السماء، تحول ذهبا، طوقني هذا المساء، بإكليل من عبق الماضي، ارتشفت منه ما أشتهي، أباد تراكمات يومية، جرفها الحنين إلى طفولة زاخرة بذكريات جمة..
فلكِ مني أيتها الغالية رسالة شكر عظيم، أنحني فيها بين يديك، أضع قبلة زاهرة على خدك، تفيض بعطر المحبة التي تسكنني كلما مرت بحواسي ذكراك.

01 أبريل 2011

لله درُّكِ..

26 تعليق


نمشي الهوينى..
نتبجح..وكأن الزمان لا يعنينا
وكأن فتيل القنبلة ليس مشتعلا فينا
ليس يهدد الصخر والولد والمدينة
والصمت ..باذخ يستحيل سكينا
يقطع أنفاس الفجر الأولى
ويغتصب عند بابه..
نجمة عذراء تزين أعالينا

ضفائرالجدة تصرخ..
أيا سافلا بمعين الدمع أسقيت أهالينا
 قشرة الأرض تخِزها أظافرنا وتشتكينا
ثم تُسلِّم، وتحنو، تصطبر..
تتمخض لتنجب طبقة أخرى
تغطي وجهها الحزينَ
فينقشع البرق، مزمجرا..
ينسل بين ضفاف المدى..
ثم يردد بأعلى صوته..
سأبقى أنخر عباب الصمت..
أقض مضجع الولاة.. 
ما بقيتِ حزينةً يا فلسطينَ..

على دفتر الشمس تقلب صفحات الأمنيات
مرصفة كما الحسناء الرصينة
تنتظر لستين عام ..
في الليل الأليل صهوة الجواد العربي..
وسيفه المسلول من غمد الذاكرة
فتدمع المسامع حيناً لأنها لا تسمع صهيله
ويتندى لها الجبين حيناَ..

تتراقص جدائل الصغيرة
 تنطق يا أبتي..
لا دمع ولا تكدر فنحن جنود الحزن
نضيِّفها في الصباح والمساء
وعند الليل ينام الحزن فينا حزيناَ..
يقول مالي سكنت هذا القوم
ولم أرتضي غيره خدرا مذ كان جنيناَ 
وتهرول مصانع النسيج الأبيض
تغزل قطعا..
تضعها على أكتاف الرضع
والشباب والشيب..بالتساوي
لا تكلُّ من أعوام ستيناَ

أنا..بعد سنينٍ، وسنيناَ
لم أرى سوى العروبة معروضة في ساحة البغاء
تحتال على الطقوس والشرائع
وتمشي مختالة فوق جثة البشر
تحذف من علبة الألوان لون الغضبْ
تكدس في راحتيها أطنانا من الذهبْ
الأسود والأبيض..
يشعل فيها لهيبا..
يحرق من مراجع التاريخ
ماضٍ   كان اسمه - العربْ  - .

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More