10 نوفمبر 2011

جنيف..مدينة المنظمات الدولية والأعمال والشوكولاته

38 تعليق

جنيف، المدينة التاريخية السويسرية، تلفها بحيرة جنيف، حيث ينبع نهر الرون، ثاني أكبر مدن سويسرا، وأكبر المدن الناطقة بالفرنسية، مقر العديد من المنظمات الدولية، كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية، منظمة العمل الدولية والصليب الأحمر وكذا منظمة حقوق الإنسان وغيرهم..


دون سابق استعداد، قررت وصديقتي السفر إلى هذه المدينة العريقة لاكتشاف بعض من أسرارها، وكان ذلك بالفعل..
ها نحن نطأ أراضيها، السماء غاضبة قليلا، تدمع أحيانا، الوجوه جادة، والخطوات سريعة، جموع غفيرة من رجال وسيدات الأعمال، هنا وهناك..
الفندق على مستوى عال من التنظيم والتسيير، الخدمات فيه ممتازة، مريح جدا، وكذلك هي ابتسامات العاملين..

جامعة جنيف هي أيضاً جزء من تاريخ المدينة، رمز يفتخر به سكانها، إحدى أفضل الجامعات على مستوى العالم، تخرج منها مشاهير حصل أغلبهم على جوائز نوبل في شتى الميادين، كإيدمون فيشر ( جائزة نوبل للطب)، كوفي أنان ( جائزة نوبل للسلام)، جونار ميردال ( جائزة نوبل للاقتصاد)..وغيرهم آخرون..


من معالم المدينة كذلك، نافورة جنيف، تضخ الماء على ارتفاع يصل إلى 140 متر، هي رمز المدينة الشهير، ومعلم يجذب السياح..





وأنت بجنيف، لا تضيع فرصة المرور بمقر الأمم المتحدة، ستقابل في ساحتها كرسيا ضخما مكسورا كتب في تعريفه الآتي بلغات عديدة : تمثال نحت ونصب في ١٨ آب / أغسطس ١٩٩٧ بطلب من المنظمة الدولية للمعاقين لدعوة الدول كافة إلى توقيع اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، واحترام التزاماتها بمساعدة الضحايا وإزالة الألغام من الحقول الملوثة.
بعد إعادة تهيئة ساحة الأمم، أعيد نصب تمثال الكرسي المكسور في ٢٦ شباط / فبراير ٢٠٠٧ لدعوة الدول إلى المشاركة في عملية حظر الأسلحة العنقودية، التي بدأت بأوسلو في ٢٣ شباط / فبراير ٢٠٠٧



يتوسط مباني منظمة الأمم المتحدة تمثال نصب للمهاتما غاندي، رمز الكفاح السلمي، والتي تخلد المنظمة  ذكرى ميلاده في ٢ من أكتوبر-تشرين الأول، حيث أعلنته يوما عالميا لمناهضة العنف.




واصلنا المسير، ثم توقفنا عند مبنى منظمة الأمم المتحدة، الإجراءات الأمنية مشددة جدا، كما المطارات، خلعنا معاطفنا، مررنا ببوابة الأمن، فتشوا حقائبنا اليدوية، طلبوا بطاقة الهوية، أخذوا لنا صورة فورية وضعوها على شارة تحمل رقم البطاقة والإسم وتوقيت الزيارة، اقتنينا تذكرتين للدخول، اخترنا مرشدا فرنسيا يعرفنا على المكان، ( لك أن تختار مرشدا باللغة التي تريدها) اللغة العربية للأسف لم تكن في قائمتهم، مع أن المكان يعج بزوار عرب وأكثر منهم خليجيين، ثم انطلقنا نجول في المبنى، على جدران أروقته هدايا رمزية قدمتها دول عديدة للمنظمة، لوحات وتماثيل وغيرها زينت المكان .
 قاعات متعددة للاجتماعات، توقفتا عند القاعة الرئيسية، حيث يجتمع زعماء العالم، وتعالج القضايا الكبيرة والأكثر أهمية، عرفنا المرشد على سير العمل وتنظيمه وتقسيمه، مقاعد للرؤساء والوزراء والمندوبين، كل حسب أهميته، تطل عليهم غرف عليا يحجبها عن الحضور زجاج شفاف، خصصت للصحفيين والمترجمين..



بينما نسير في شوارع المدينة، استوقفتنا صورة خلف الزجاج لأطفال فلسطين، هممنا بالتقاط صورة، فخرجت مديرة المكتب، ظنا منها أننا صحفيتين ( ربما حجم الكاميرا أوحى لها بذلك) أجبناها بلا، قلنا ربما هو الحنين لشيء عربي في مدينة أوروبية، رحبت بنا، دخلنا مؤسستها، هي مؤسسة الإغاثة الإنسانية بسويسرا، حدثتنا عن كيفية عمل المؤسسة، عن نشاطاتها وطموحاتها.، أخذنا بعض الكتب من هناك .. غادرنا وانطباع رائع يغمرنا.. 



الجنيفيون يتحدثون لغات عدة، في شوارعم تسمع الفرنسية والألمانية والإنجليزية والإسبانية والعربية، يتعايشون فيما بينهم بلغات مختلفة..



مطاعمهم غنية جدا، تجد فيها المطبخ الإيطالي والفرنسي والتركي والهندي والباكستاني..وكل حسب ذوقه..


أما الأروع فهي محلات الشوكولاته التقليدية بنكهة عصرية، منتشرة في كل مكان، يا إلهي، طعمها لا يغادرك..


هذا وقد اجتمعت غير بعيد عن المدينة القديمة بجنيف، قبالة البحيرة، كبرى المحلات السويسرية الشهيرة، وماركات عالمية تحتل الصدارة على مستوى العالم..


قد أكون نسيت بعض الجزئيات، لكنني سردت هنا أبرز ما مررت به في رحلتي هذه، وكما دوما تجدون مزيدا من الصور على حسابي في الفليكر..في أمان الله ^_^ 

  

01 نوفمبر 2011

هولندا .. وسحر الفلاحين

26 تعليق


ما إن تطأ الأراضي المنخفضة، حتى تستقبلك الأبقار من كلا الجانبين، تلك التي تجود بأزيد من خمسين لتر من الحليب يوميا، تصنع أفضل زبدة وتصدر أجود جبنة، وأنت تحدق لأعلى، يشع في عينيك انعكاس الشمس على خضرة الروابي، تعرف حينها أنك في هولندا، فمرحبا بك في بلاد الجبنة والأبقار، التوليب والدراجات الهوائية.. 


رحلت هذه المرة بعيدا عن ضجة المدن الكبيرة، إلى الطبيعة والحرية والفلاحين، اخترت غابات "كيمبيرفينين" الواقعة قرب مدينة "إيندوفن" الهولندية، للهروب فترة من واقع العصرنة الممل أحيانا، فكانت الوجهة موفقة واستسغت المقام بين أحضان الطبيعة..


في هذا المكان بالذات، على سطح البحيرة بين البجع الأبيض، وأشجار البلوط والصنوبر والبندق تحيط بي من كل جانب، عشت لحظات سلام داخلي استثنائية جدا، أنام على حفيف أوراق الشجر، وأصحو على صوت الإوز صباحا وهو يفرد جناحيه معلنا بداية يوم جميل، يمارس عمليته اليومية في الغدو والرواح، وكأنه يظهر أمامي مهارته في فن السباحة..




لطالما أغرتني حياة المزارعين، ببساطتها وعفويتها وجديتها، إنها مثال للحياة الهانئة البعيدة عن صخب الواقع، أغرمت أكثر خلال هذه الرحلة بإسطبلات الخيول ومراعي الأبقار، بخُمِّ الدجاج وجحور الأرانب..


حلبت البقر وأطعمت البغال، داعبت الماعز وركضت وراء الخرفان الصغيرة، نمت على الأرجوحة المعلقة بين شجرتين..


تسامرت مع ببغاوات تسكن حديقة بمدينة " فيلدوفين" القريبة، أصناف لا تحصى منها كنت أجهلها، أطعمتها أيضا بحبات لا أعرف اسمها تشبه البندق بحجم أصغر، واستغربت أكثر عندما شاهدتها تزيل القشور وتأكل البذرة الداخلية فقط، أشكال وألوان وأنواع من صنع الخالق، فسبحان الله، سبحان الله..



السنجاب هناك خلف الشجرة المقابلة يركض خلف حبة بندق، وقنفد صغير يعبر المكان وسط حشائش الأرض، ببطء، وكأن العالم له لا لسواه، أما السلاحف فاختارت مكانا مغطى تحت قنديل ينيرها، ورفعت رأسها مزهوة، تنتظر عدسات الزوار..


مما شد انتباهي كثيرا في المدن الهولندية، ثقافة التنقل بالدراجات الهوائية، أعداد أكبر من العد والحصر، الشوارع لا تخلو من راكبيها، باحات وقوف الدراجات ممتلئة عن آخرها، الصغير والكبير والشاب والكهل، الكل يركب دراجته ويشق طريقه، وسيلة جيدة للتنقل، تخفض ازدحام السير وتقلل من نسبة التلوث في الهواء، أما المبهر بحق، فهو اعتناء الدولة البالغ بالدراجات الهوائية وراكبيها، حيث خصصت لهم طرقا تصل جميع أطراف المدينة، لهم إشاراتهم الضوئية الخاصة، وممراتهم الخاصة بهم، مثلهم مثل سائقي السيارات، تسهيل لم أشهد مثيله لعملية التنقل، وعلى هذا وضعت نقطة إعجاب كبيرة جدا.


جلت سويعات على مركب صغير يعبر البحيرة، كانت الشمس تسدل خيوطها الذهبية، دافئة على غير عادتها في هذه الفترة من السنة، وسط صمت رهيب يقدس جمالية المنظر، لاشيء سوى بعض العابرين، ولوحة فنية معلقة على جدار الذاكرة، تناسيت كتابي عمدا، لم أحب أن يقطع خلوتي صوت كاتب يهمس بما لا يتماشى وسحر المكان، آثرت الصمت..صمتُّ طويلا..اكتشفت في نهاية صمتي سر "فان غوغ"، ولماذا كان رساما عبقريا..


وليكتمل سحر المكان، لابأس ببعض من الرياضة، بعضها وجدته وعرا، والبعض الآخر تطفلت عليه ونوع آخر أتقنه، فكانت النتيجة أن أضفت لجعبتي الكثير ولجسدي أكثر.




كل رحلة أقوم بها تزيدني نضجا، لا تمر إلا وقد استفدت أشياءً، انتهيت عن أشياءٍ أو داومت على أخرى، وهذه المرة استنتجت أن الحياة مغامَرة، علينا أن نندفع نحوها لنحقق طمأنينة دواخلنا، استنتجت أنها بسيطة، بلا عقد..السعادة توجد في بعض الأشياء الصغيرة، قد نراها ولا نكترث إليها، في الغالب لا نوليها اهتماما، لكن ما إن نلامسها، حتى يزول موضع الألم. 


أترك محبي الطبيعة هنا، مع متنفس تعشقه العين ويطمئن له القلب..الطبيعة من نعم الله علينا، ياليتنا نقدرها كما ينبغي .

29 أكتوبر 2011

ساعة الرحيل ..

28 تعليق


بين ممرات الدهر، تمر مسرعة الخطى، بلباسها الرمادي الأنيق وشعرها المصفف بعناية، تتبعها مرغمة حقيبة السفر السوداء، تجرها كما تجر خيبتها المرسومة على شفتيها، رغم احمرارهما الخفيف .
 
تنتظر القطار القادم، كما القدر الذي سيحملها إلى اللامكان، وهَمٌّ يضطرم في فؤادها، لا تراه إلا سرا مذاعا تفضحه عيناها السوداوتين..
غادرته وجذوة نار تتقد في أوصالها، على برهة من الزمان عاشتها تحت ظل الحب، رحلت وهي تحمل من الموجدة ما يكفي ليبيد خلايا ذاكرتها بالغيظ الأفاك..

عاشت في نفسه أكثر مما عاشت في نفسها، حين كان يستوطن دفاتر قلبها، ويقلب صفحاتها كما يشتهي، كان يجد خلاصه في براءة عينيها المسالمتين، وهالة من نور تحيطهما كانت تنير غده الغامض..

تتهافت الأسئلة الصارخة، تحاول حجبها، دون جدوى، تتذكر أول لقاء لهما في محطة المترو، تبللها قطرة حارة، عندما ترتسم لوحة النهاية بوضوح، تخبرها أنها خسرت كل شيء، لكنها ربما ربحت نفسها..
ذلك الرجل الغريب، رجل العواصف، الرجل الزئبقي التي اهتزت أنوثتها أمام قوته، صار جزءا من خبر كان، ولم يعد، أُضيف إلى سجل الغرباء، تحمله الان لائحة تحوي قائمة الموتى..موتى الشعور..أو هما في نفس الوقت.. 

لم تكن لتقاوم روحها الهائجة، ولا رغبة لها في معاشرة لذة الانتقام..فضلت الرحيل، تلملم عنفوان امرأة..في صمت..
مر القطار بسرعة الضوء، ومرت أسطوانة الذكرى على مسامعها، مشروخة كما لحظة غضب قاتل، راجعت معها فهرس حياتها، رأت سحابة الحزن تحوم فوق سمائها، تسائلت إذا ما كانت ستسعد بقرارها، أم أنها نحتت بكلتا يديها شكل بؤسها...
رحل الليل إلا أقله، ومازالت واقفة في مكانها، تسائل نفسها، ..ترقب حركة القطارات وهي تجيء وتمضي..تنصت في دهشة لما قد يحمله صوت صفارات الإنذار..

16 أكتوبر 2011

بومبيدو..والفنون السبعة

17 تعليق

جورج بومبيدو، جلكم أو بعضكم يعرفه، إنه الرئيس التاسع عشر للجمهورية الفرنسية، والذي حكمها في الفترة ما بين ٢٠ يونيو ١٩٦٩ خلفا لشارل ديغول إلى تاريخ وفاته في الثاني من أبريل عام ١٩٧٤..والذي عقبه في الحكم فاليري جيسكار ديستان. 




كانت فقط لمحة سريعة عنه، أما الحديث هنا سيكون عن إحدى بنات أفكاره،  إنه المركز الوطني للفنون والثقافة، أنشأه بومبيدو أثناء فترة حكمه، والذي أراد به أن يسكن قلب باريس مركز ثقافي ضخم يكرس أهمية الفن الحديث والمعاصر، تتجاور فيه الموسيقى مع السينما والكتب وفن التصميم..


إلى المركز، لنتعرف عليه عن قرب ..




هذا المجمع الذي يقع في الدائرة الرابعة من باريس والذي يضم المتحف الوطني للفنون الحديثة وكذا معهد الأبحاث والتنسيق للصوتيات والموسيقى، كما يحتوي على المكتبة العامة للمعلومات، معارض دائمة ومؤقتة، دُور سينما وترفيه بذات المكان، عالم متكامل يحتضن جميع الفنون تم بناؤه في الفترة ما بين ١٩٧١ و ١٩٧٧، ورأى النور في الواحد والثلاثين من ديسمبر عام ١٩٧٧..


تعرض هذا المبنى فور تشييده على يد المصممين رينزر بيانو وريتشارد روجرز إلى انتقادات شديدة من طرف الصحافة وقتئذ، واختلفت الألقاب التي أطلقت عليه كسيدة الأنابيب أو مصنع الغاز، وذلك نظرا للتصميم الغريب الذي تميزت به هذه العمارة، والتي أظهرت للعيان ما يسعى الجميع لإخفائه، كالدعامات المعدنية، السلالم المتحركة، والقنوات التقنية التي يتم فيها تصريف  مجاري الهواء إلى الخارج وذلك كله لاستغلال المساحة الداخلية كاملة للمعارض والأنشطة المقامة.


واجهة المركز الشفافة، تسمح بمشاهدته من الساحة الواسعة المقابلة له، والتي تشغلها فرق فنية مختلفة تعرض على المشاهدين إبداعاتها في مختلف الفنون.



مركز جورج بومبيدو للفنون والثقافة واحد من أهم مركزين في العالم حيث أهم مجموعات الفن الحديث والمعاصر، لا يقاسمه الأهمية ذاتها غير متحف الفن الحديث في نيويورك.


هواة الفنون الإبداعية بجميع أشكالها يجدون في هذا المكان فرصة لإشباع فضولهم الفكري وتهذيب ذوقهم الفني والاطلاع على قدرات إنسانية هائلة تنتج قيما جمالية فريدة، تحاكي فيها النفس البشرية الطبيعة في أبهى حللها..


لن أطيل عليكم، أترككم مع باقة إضافية التقطتها بذات المكان..في أمان الله ^ــــ^










10 أكتوبر 2011

الفوتوغرافيا .. عالم فريد

19 تعليق


بعد أن تلقيت دعوة من صالون التصوير الفوتوغرافي الذي يقام كل سنة بباريس، هاأنذا أهرول آخر أيام العرض التي امتدت من الخامس إلى العاشر من شهر أكتوبر الحالي لحضور أكبر حدث أوروبي في سوق التصوير، هذا الحدث البارز الذي يُتوقع أن يصل عدد زائريه نهاية المعرض إلى أزيد من ثمانين ألف زائر من مختلف دول العالم.


صالون الصور هذا، الذي ضم جميع العلامات التجارية الكبرى في عالم التصوير من مصنعين ومستوردين وكذا مدارس وجمعيات متخصصة جاءت لترفع الستار عن آخر ابتكاراتها وأحدث إصداراتها للعام ٢٠١١، في هذا المكان، يجد عشاق التصوير المعدات اللازمة لكل ما له علاقة بعالم الصورة الرقمية أو الفيلمية، ولعل أبرز حضور للشركات المصنعة والمنتجة للكاميرات الرقمية هذا العام كان لشركة كانون بامتياز حسب قول الخبراء هناك، وكذا تألق نيكون وسوني وأوليمبس ..

ابتكارات تكنولوجية مذهلة، ورشات عمل وتدريب في عين المكان عن كيفية استخدام الكاميرات الرقمية وآلات التصوير، صور تجريبية التقطناها لعارضات أزياء شهيرات تحت إشراف كبار المحترفين العالميين، مزيج من الجنسيات المختلفة، الفرنسية والإنجليزية والأمريكية، حضور كثيف وعالم بطلته صورة تجذب الهواة والمحترفين..إنه عالم فريد..

حتى أقربكم أكثر من المكان..نقلت إليكم صورا التقطتها عدستي ..جولة ممتعة  ^ــــ^




























03 أكتوبر 2011

دمقرطة العرب وسياسة النفاق الغربية

9 تعليق


ما إن بدت بوادر نجاح الثورات العربية في الظهور وصار يتحقق المرجو منها حتى بدأ التكالب الغربي  وسارعت بعض الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا في أخذ زمام المبادرة والتغني بشعارات دعم الحريات والديمقراطية ومحاربة الأنظمة الفاسدة ومساندة الثوار ومدهم بالأسلحة، متناسية أن درجة الوعي الفكري لدى شبان الثورة ما عاد يستهان به، فرغم مزاعم هذه الدول في الدفاع عن حقوق الشعوب المهضومة، إلا أن هذه الثورات أسقطت كثيرا من الرموز والمفاهيم والأقنعة، وكشفت ما كان مستترا سنينَ طِوال، وأحدثت تغييرات جدرية في مفهومي الحرية والديمقراطية.

مما جاءت به هذه الثورات، كسر الصورة الإيجابية التي كان يحظى بها الغرب داخل أوساط مجتمعاتنا، ذاك الغرب الذي ظل لعقود قبلة لأبرز وجوه الفكر العربي بقيادييه وكتابه ومفكريه ومعارضيه، حيث كانت باريس ولندن وغيرهما إحدى وجهاتهم الأساسية وملاذهم الآمن هربا من سياسات القمع والاستبداد العربي، ومرتعا لحرية الرأي والتعبير، يجدون فيها امتدادا لعصر الأنوار ونهضة مفكري عصر التنوير، وما كان ذلك سوى بحثهم عن قيم إنسانية بمفهومها الصحيح، تعتبر الإنسان محور الفكر الإنساني، وحقوقه في العيش بحرية وكرامة ثوابتَ لا مزحزح لها .

تلاشت هذه الصورة الإيجابية رغم محاولة الغرب تلميعها، وسقط قناع الديمقراطية عنها، وكُشف لنا الوجه الآخر لمدعي الحرية والعدل والمساواة، وانخفضت ثقتنا بهم إلى أدنى مستوياتها، ونحن نشاهد تواطئهم مع أنظمتنا الفاسدة، وسعيهم وراء مصالحهم الضيقة لخدمة قضاياهم الشخصية، وتباطئهم في اتخاذ قرارات حاسمة قد تعجل بتحقيق آمالنا وتجعل شوارعنا أقل دموية، ولعل أبرز صفعة تلقاها الشارع العربي ، ما تناقلته وسائل الإعلام عن العلاقات المشبوهة بين الرئيس الفرنسي الحالي ونظام القذافي، حيث جرى الحديث عن تمويل هذا الأخير لحملة ساركوزي الانتخابية، وقصة إليو ماري وزيرة الخارجية الفرنسية مع نظام بن علي في تونس وخدماته لها، وعزوف الولايات المتحدة الأمريكية في الضغط للإطاحة بنظام مبارك وتبنيه سياسة الحياد حتى اللحظات الأخيرة تحت ذريعة سد الطريق في وجه الإسلاميين مخافة وصولهم إلى سدة الحكم، واستقالة رئيس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن جراء ما قيل عن تسهيله حصول الساعدي القذافي على شهادة الدكتوراه مقابل تلقيه أموالا طائلة..هذا ولازالت مواقفهم مريبة وغريبة تجاه ما يحدث في سوريا واليمن وابتعادهم عن مساندة الحراك الشعبي الذي تشهده المنطقة.

كل ما قيل ساهم في زعزعة إطار الديمقراطية الذي أحاط به الغربيون أنفسهم، وظهرت المواقف غير متجانسة، تختلف من ثورة لأخرى، حسب البلد ومبتغاهم منه، كما أبانت عن انشغال الغرب بالبديل عن الأنظمة المنهارة، ومدى قابليتها للتواطؤ مع حكوماتهم، وخدمة مصالحها، وأن آخر ما يعنيهم مئات الأرواح التي تحصد مع إشراقة كل يوم ثورة جديد.
كما فندت هذه الثورات الأطروحات الغربية التي مفادها أن المواطن العربي شغله الشاغل البحث عما يسد رمقه وتبرؤه من المشاركة في الحياة السياسية، وبأن الشعوب العربية غير ناضجة بما يكفي للمطالبة بحقوق كانت تعتبر حكرا على العالم الغربي كالمناداة بالحرية والمطالبة بشتى الحقوق المدنية والسياسية، فجاءت الثورة وألغت كل الأحكام الجاهزة، وبرز المطلب الديمقراطي معلنا نهضة شاملة وعصرا تقوده سواعد شباب الأمة بطريقة سلمية حضارية بعيدة عن البربرية والهمجية التي لطالما كانتا لنا علامة.

صراع الثورات لم ينتهي بعد، والحسم في نتائجها مازال رهن الغيب، فمخلفات القمع متجدرة فينا درجةً يصعب معها الحديث عن أُكل الثورة الآن، لكن ما هو مؤكد أن خريطة الشرق الأوسط سيتغير منها الكثير، هذا دون أن ننسى دور العولمة وتداعياتها في الإسهام بشكل محوري في التحام تقنيات العالم الافتراضي الحديثة والمتطورة بعقول شبابية  ناضجة قدمت صورة بأبعادها الحقيقية عن نموذج الشاب العربي المتصالح مع مفرداته، والذي أثبت وجوده بإعطائه مفاهيم جديدة للهوية والإرادة والحرية، وقلب موازين القوى لصالح القيم الإنسانية . 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More