20 يناير 2013

مكتبتي لعام ٢٠١٢

15 تعليق


من العتاب ما يذهب الكسل.. فإليك سناء حفنة الكتب هذه.. وإلى كل المارين من هنا..

تأخرت وما نسيت، لكن الوقت خذلني، وها أنذا أعود ببعض ما علق في ذاكرتي، فلكل عشاق الكتب أهدي هذه المجموعة..



"موت الأبد السوري"- شهادات جيل الصمت والثورة- للكاتب محمد أبي سمرا، يعرفه صاحبه بأنه يروي شيئا عن موت الأبد في سورية ليصير لها تاريخ وليتمكن السوريون من روايته، وجدته غنيا ومتعبا ومؤلما وفيه من التفاؤل الكثير وهو يحكي فصولا من حقبة قال عنها رمادية وأقول سوداء من حياة السوريين بعد مجزرة حماة في العام ١٩٨٢، وعن خروجهم من نفق الخوف وانبثاقهم من عمق القهر ليشعلوا ثورة ضد الصمت لازالت مستمرة حتى الآن..وقائع وحقائق وشهادات تثير الدهشة..


قرأت لواسيني الأعرج رواياته "البيت الأندلسي" و"شرفات بحر الشمال" و"سوناتا لأشباح القدس"، هذه الأخيرة التي تجسد الوجع الفلسطيني من زاويته الإنسانية في شخصية "مي"، الفنانة الفلسطينية التي غادرت أرضها قسرا عام ١٩٤٨ وعمرها ٨ سنوات بهوية مزورة تجاه أمريكا، تفرض نفسها كفنانة تشكيلية مرموقة إلى أن يداهمها السرطان وتستيقظ فيها تربتها وأشباحها الخفية كما يقول الكاتب، وتتمنى العودة إلى القدس لتموت هناك، ومع استحالة مطلبها توصي قبل وفاتها أن تحرق ويذر رمادها فوق نهر الأردن وفي حارات القدس، وتدفن عظامها في أمريكا حيث يقيم ابنها "يوبا" ليتمكن من وضع ورود على قبرها كل يوم ثلاثاء.. إنها الملحمة، الملهاة.. والشتات الفلسطيني..


روايتين رائعتين، كتبت عنهما بإسهاب في تدوينتين سابقتين، "اللوح الأزرق" و"ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان" للكاتب جيلبيرت سينويه.. لن أعيد سرد فصولهما لئلا أكرر ما قلته، وبإمكان المتابعين الأعزاء الرجوع إليهما..


وصلتني المجموعة القصصية "ميرميد" من القاص الصديق ناصر الريماوي، هذا الكاتب الجميل الذي يضفي على القصة روحا مختلفة تحقق لنا عنصر الإبهار بأسلوب يخرج عن النمط التقليدي للقصة، وأعيد هنا ما قاله الشاعر والناقد علي شنينات عن هذه المجموعة " يقدم ناصر الريماوي بشجاعة الواثق إبداعا متجددا وفي هاجسه أن العملية الإبداعية هي خلق وتجديد وطرق أبواب جديدة من حيث الشكل والمضمون في بناء القصة وليس الوقوف على الراكد والخنوع للتجارب السابقة ".. فشكرا لناصر على عنصري التجديد والإبهار..


أعارني صديق كتابا جميلا للكاتب والشاعر المغربي جمال بدومة بعنوان مغري "كيف تصبح فرنسيا في خمسة أيام ومن دون معلم"، هذا الكتاب ذو السخرية اللاذعة يسرق منك ضحكات مجلجلة في عمق الوجع، ويجعلك تصل إلى قلب المعنى دون جهد بليغ، يحكي يوميات طالب مغربي هي يوميات السواد الأعظم من الطلبة المهاجرين في باريس، المدينة الخرافة وقبلة الحالمين بجنة لا تتجاوز حدود المخيلة، يصطدم بواقع أشد بؤسا مما رسمته أحلامه في رحلة البحث عن أوراق الإقامة والكفاح المتواصل في بلد المساواة وحقوق الإنسان..
الكتاب أكبر من قصة طالب مفلس، إنه صراع النفس الإنسانية في رحلتها مع الحياة، صراع بين الشرق والغرب، بين الوطن بتقاليده وتناقضاته وقسوته وبين المهجر وثقافته ونزعته الاستعمارية.. إنه تصحيح للأفكار المغلوطة المتوارثة على مدى السنين..



قرأت أيضاً سلسلة "علمتني الحياة" بأجزائها الخمسة للدكتور طارق السويدان، يناقش فيها مسائل حيوية في حياة الإنسان ويصحح مفاهيم مغلوطة ويحاول أن يضخ في القارئ دماء جديدة تفتح له آفاقا للنجاح انطلاقا من مفاهيم وتجارب شخصية وأفكارا ودروسا علمته إياها الحياة..


غسان كنفاني بكتابيه الصغيرين "عائد إلى حيفا" و "رجال في الشمس" يعيد الصوت الفلسطيني إلى الواجهة ويعيد النظر في مفهوم الوطن، وضرورة الخروج من الموت الفلسطيني كما يسميه نحو صناعة مستقبل لا  تستند ركائزه على أنقاض الذاكرة.. هذين الكتابين باذخين بقدر وجعهما..



يستهويني فكر الدكتور علي شريعتي، قرأت له "الإمام السجاد أجمل روح عابدة" و"محمد خاتم النبيئين" و"الأمة والإمامة" و"النباهة والاستحمار".. فكر قد يعارضه السنيون، لكنه موسوعة من الأفكار الضخمة..


قرأت أيضاً لربيع الجابر روايته "دروز بلغراد" الحائزة على جائزة بوكر العربية للعام ٢٠١٢، حكاية "حنا يعقوب" بائع البيض، صاحب الحظ العاثر الذي ستنقلب حياته رأسا على عقب والذي سيمضي أعواما من عمره حبيسا بلا جرم في أراض غريبة جراء تواجده في المكان الخطأ في الساعة الخطأ !!.. رواية تحبس الأنفاس، أنصح بقراءتها..


كان لي موعد مع كتب مالك بن نبي المحفزة، فكره الذي يسعى للنهوض بالأمة ورفعها من كبوتها، يجعلك تستحضر جميع حواسك وتعيش عمق مشكلات الحضارة وتنعم بحلوله المتغلغلة في الأعماق.. قرأت له "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"  وكتاب "القضايا الكبرى"..لو نظرنا إليهما بعقول ناضجة لوقفنا على منغصات الحضارة ووجدنا لها الحلول..


جاءت أحلام مستغانمي بروايتها "الأسود يليق بك" لتروي لنا بحبكة ذكية قصة فنانة جزائرية قتل الإرهابيون أخاها ووالدها، تلبس الأسود ولا تخلعه، تعرضت للتهديد جراء نشاطها الفني، هاجرت إلى الشام رفقة والدتها السورية، وعاشت حياتها كفنانة..يلقي القدر في طريقها رجلا ظنته فارسا من زمن لم يعد، عاشت معه قصصا خرافية في رحلة من ألف ليلة وليلة، هذا البطل اللبناني الباذخ الثراء حاول ترويض مهرته فخذله حدسه وخانته ثروته..
في هذه الرواية نستخلص عبرا كثيرة اجتماعية وسياسية ودينية نسقتها الكاتبة بلغة سلسة أخاذة..

أظنني أطلت عليكم بما يكفي، وسأكتفي بهذه الكتب التي تحضرني الآن وآمل أن تستسيغكم فهي تستحق التوقف عند عتبات صفحاتها..

06 يناير 2013

ماذا بعد الحب !

14 تعليق


كل شيء خال من الحياة، الجو بارد، الأوراق المبللة تناثرت على أرصفة الحي اللاتيني، رائحة الشوق تملأ الأمكنة وعرس من الألوان زين سماء المدينة وحواف الجسور، أضواء نهاية السنة تتلألأ غير آبهة بنقرات المطر، نوتات هاربة توقظ حنيني إليك على مرأى من نهر السين، تعطي لحياتي كل المعاني، وفرح مؤجل يوقد في عينيّ كآبات صغيرة..  

بيتنا المسروق من الورق يخبئ وطنا جميلا داخل اللغة وحروفا مرصوصة في عمقها لغم خفي خارج عن كل منطق، كجنون لن يتكرر يوما، كلحظة البدايات المحفوفة بالمخاطر الكبرى وباحتمالات النجاة واحتمالات الموت، كشعور قوي يعاند ليستدرج القدر لإخماد براكين ملتهبة خرائبها تزداد كل يوم اتساعا..

ضائعة وسط هذه المدينة الغريبة الأطوار، سعادة مفجعة تنزلق من بين أصابعي وأنا في أقصى درجات الخوف من قدر مباغت يعبث بي، قدر ناصبني العداء ومنحني حياة واحدة، ولكنها لا تكفي..  

غبش المطر يقرع نافذة الليل، وأنا أبتعد قليلا، أنسحب بهدوء من ذاكرة الأشياء الجميلة وهبل يقودني إلى حيث لا أدري، تنكفئ علي أوهامي المثقلة بعطرك وبملامح تنبض في غيابك وبفرح مستبد طولا وعرضا.. أأرافع طويلا أمام هشاشتي الملتبسة وأكسب القضية بلا خسارة في مادة الحياة ؟..

يلف البياض ذاكرتي وأنا أبحث عنك للكتابة، حالة مؤذية أحاول أن أقبض فيها على حلم هارب يخلف هزائم عميقة قبل الأفول.. توجعني الأشياء الجميلة، فهي تنهينا بسرعة الألغام القاتلة، مخلفة إيانا كومة من رماد ومجرد أمنيات معلقة في الفراغ..

13 نوفمبر 2012

مالقة.. تاريخ ينام فوق التلال

17 تعليق


في ساحل الشمس، وعلى منحدر شديد الميل، تسري رعشة في جسد الليل، يقصر كل شيء وتطول الحكاية، أموت صمتا في لحظة منكسة الرأس، وينفتح جرح آخر، أغمض عيني لكي لا أرى شيئا، وأصدق أنني فاصلة في سطر عابر.. 

أسحب باستماتة رغبتي المحمومة في استحضار التفاصيل التي اقتادتني حتى هنا.. إلى هذا الحلم الذي أحبه.. ويوجعني ..

لست أدري ما الذي سحبني نحو المحيط، حيث الشمس رائقة في عز الخريف، دفنت قرصها في منتصف بحر عاتٍ معاند، والنسمات محملة برياحه الخفيفة، تحاول في طريقها أن تكنس أحزاني الضامرة..
هل ستمسح وجعي وتنقل إلي صوت البحارة وهم يحملون الفخار المالقي المذهب والزجاج الملون إلى أقاصي البلاد؟.. يالهذا البحر، لا تقبل أعاليه بأنصاف الحلول، ولغته  لا يفهمها إلا الحالمون..

في لحظة شرود مسروقة من زمن مضى، كنت  أتنقل بين القيساريات والأسواق والقلاع والقصاب والقناطر، أتوه بين الحارات والساحات العامة، أمر بمسجد العطارين وأبحث عن البلاطات الخمس في مسجد الأمير بن عبد الرحمن، بدت لي حصون القصبة وترهلت أمام ناظري أبراجها، ظل قصر باديس يروي حكاية لم تنتهي، ترمم حزنه أشجار النارنج البديعة والنخيل السامقات ونوافير الماء وبساتين التين.. وظلت بقايا دار الصناعة منذ بني الأحمر تحيي عهدا انقضى وواقعا لم يمت..

وقفت قبالة سور المدينة أعد ما تبقى من أبوابه الخمسة، أقيس بالعين أعمار الدروب ورجالا ونساء توقفوا هنا، أرقب المارة الغادين والرائحين والنوافذ والأبواب والأرصفة، ويحمر وجهي حين يتسرب إلي الحنين ورغبة جارفة 
في توقيف عقارب الزمن، لأرى الصبية يملؤون الحارات ورائحة الشاي تنضح في الأقداح بدل البيرة الرديئة..
أما ما بين "القصبة" و "رملة" فيمتد وجع كبير، ونبع كانت تجود به المرتفعات المجاورة منذ ألف عام.. جف النبع، وبقي الجرح غائرا..

مشيت، لم أكن أعرف أين أتجه، ولا ما ذاك الشيء الملتبس الذي بداخلي، يشبه طعم الحب ولون الرماد، كنت أنصت لنداءاتي الداخلية، لعنف التاريخ وسيول الأسئلة المثقلة بالغبار..

كيف أنسى وكيف أتذكر، توهج الليل وهجرة الألوان وأكذوبة الذكرى والوجوه المحتشدة بالفراغ، دموع الغيم ونبات الأرض، حقول السنابل وجذوع الشجر،  وذاك المساء البعيد، قبل أن يخطفه البرق ويمضي في خطى مغتربة.. أنفض الغبار عن قلبي وأفتحه على الحياة دون أن أبكي، دون أن أنشد أغنية الوداع ..

05 أكتوبر 2012

خريف..

19 تعليق


لم يكن حبنا كافيا ليبعد ليل الشتاء الطويل، ولم أكن امرأة ولدت من ضلعك لتلبسها ثوب العروس وتأخذها برفق إلى منتهى الحالمين.. ماذا كنا نصنع بغدنا غير تكسير الوقت قبل أن تفكر النجمات في اغتيالنا..
هل تضيق الأرض ويتسع صدري في هذا الزحام لقيلولة ننام فيها معا بلا ألم وسط خيال أوضح من واقع في بلد الغرباء..؟

هنالك صمت فسيح، وزرقة في الأفق وطقوس حب على بعد فرسخين منا، مساء يصاب بسوء وأعمدة تتكسر على عتبات الجسور، حمائم هنا وهناك لا سعيدة ولا حزينة، وقهوة تصهل عند باب الشفتين، قصاصات مقتبسة من أساطير الهوى يلقي بها غيم بعيد، كانت تسمى حبا فيما مضى، وصرت حين أفتحها أخاف النوم..

انتظرنا، ولم نعرف أننا ذاهبان في فحم الليل إلى مكان يكنى العاطفة، ترشدنا في طريق التيه ثقوب لا تحمل علامة، مبطنة بأريج الورد ورذاذ الليمون واشتقاقات الألوان، تقودنا ولا تكترث، مثلي ومثلك، بترتيب فوضى الحواس السائرة في اتجاهات معاكسة..

خريف باريس ههنا، عائد ليمارس غوايته على أوراق البلاتان الكبيرة، ويعري بسخاء الأشجار التي تنزع لباسها أمام قطرات تهتز لها صلابة الأرض، وما بين هذه الإيقاعات السرية، وزهر اللوز الذي ينبت بين النهدين، كان الضوء يتسلل إلى مدينة الفتنة كرائحة العطور الباريسية الفاضحة في أمسيات الحب، وكنت أنت، تسرع الخطى مخافة أن يصيبك مرض الحنين، تبتعد، أبعد من حلمي، لا تقوى على الرجوع لشيء، ثم تجلس كأمير جميل سيعتلي العرش، ولا يعرف كيف يبدأ ولا إلى أين ينتهي ...

18 سبتمبر 2012

تنهيدات عابرة..

21 تعليق


لا عليكَ.. تنهد قليلا
حين تتقاطع بيننا الابتسامات
تنفس معي شوارع المدينة الجميلة
وفك صمتك الوثيق
دع عنك العالم المليء بالأحزان
سأكون هناك لحظة الكتابة
أصغي لدندنة القصيدة
وأتركك تمضي إلى حيث يشاء انتشاؤك
سأحضر لك القهوة
وأضع قبلة على جبينك
وأتسحب على أطراف أصابعي
أسير إلى حيث يدعوني هواي
وأدعك تعيد الحياة إلى نظامها
نكاية بالشوق..


                                             ****************************


دونما ضجة استلقيت على حافة النهر، 
أشحذ بعض التفاصيل من المارة، أمسك بأصابعي كل الأشياء الجميلة قبل أن تنسحب..لم أتساءل كيف أعالج هذا الخوف ولا كيف أداري هذا الجنون، وكيف لكل هذه الحرائق والعواصف أن تنتشر بهذا الكم من الفداحة..
                                            
أشيح بوجهي صوب الغيمات الهاربة، إلى حيث تشتهي الذاكرة.. كم هي مضنية ابتسامتك البعيدة وأنت تهرب بعينيك نحو البياض، توقظ حواسي النائمة دفعة واحدة وسط حلم من الألوان..
بمقدار الخوف، في لحظة انتصار على الصمت، ومن نفق بعيد في القلب، جاء صوتي هادرا: مخبولة من تظن أنها ستحبك.. وتمضي



                                             *****************************


قبل قليل كان هنا..

تتهدل رموش المساء وأعود إلى شططي، أحتاج كثيرا من صحوي وأنا أبحث عن تفاصيله الغامضة، أتمدد على ضفاف الدنيا الجميلة لأمنح حياة لي وله، ألمس فوضاه بداخلي، أتهيأ لموعد لا أحد يعرف اتجاهه، يسوقني فيه هبلي نحو ضعف كبير يسرق مني كل الليل.. 
أي حلم هذا الذي يزيد مشقتي كلما بحثت عنه، ويخفي شيئا مبطنا يجعلني أرتب حوائجي لأغادر إلى أبعد نقطة ممكنة، ألملم شؤوني الصغيرة بعيدا عن هذه المدينة التي ما عدت أشعر حيالها بالحب.. داكن هذا المساء، كأول ليلة في المنفى..كذلك اللحن الأندلسي الضائع..
تيقنت أن الصدفة لن تأتي، فقط أحاول أن أتذكر ذلك الوجه، أتتبع كلماته المتعاقبة، وألمسه قبل أن ينتفي..

 هل كان حقاً هنا !

                                             *******************************

                 

رحلتَ كما تعودت أن تفعل، وأنا تكومت على نفسي منذ غيابك، حقي أنت من الجنون لا أتنازل عنه رغم الأوهام المعلقة في الفراغ، ترتاد معي المسارح والجسور ودار الأوبرا، اكتشفت أن كل الأشياء التي أتت منك جعلتني أسعد امرأة في الدنيا.. امرأةٌ.. لا تنسى أنها هناك، وراء ظلام الليل، تجهز على نفسها بظلك

24 أغسطس 2012

فضفضة على نهر السين

16 تعليق


جسر ميرابو فجر اليوم على حافة نهر السين

أعمدة النور على جسر ميرابو لم تزدني إلا التصاقا بحافة "السين"..

تستلني ملامحه من بساط النعاس، وعلى غير  هدى تقودني ظلال المساء إلى مقهاي المعتاد في شارع سان سيفران،  أقلب صفحات من كتاب، يتواطؤ هو الآخر مع وجعي، هل كان صاحبه يكتبني دون أن يدري ؟ ( بعيدٌ أنتَ كليل المسرات.. ألستَ معي في هذا؟ ما الذي يبقيني حية في هذا الزمن البارد، لولا انتظاراتي، وشيء آخر أيقظني من سبات الحياة الرتيبة، لطالما شدني إليكْ، ودفع بي نحو هذا المكان، تحدق بي ولا تدري ما هو.. أوتتناسى، أليس كذلك؟..)
لا أسمع سوى خشخشة الأوراق، أحتسي الصمت المتمادي في غيه، أدفع جبروته بسلاح الكتابة قبل أن تنسحب الكلمات.

المدينة نائمة، حبيبات المطر تغسل الطرقات خجلى، أمشي وحيدة حتى ساحة سان ميشال التي هدأت للتو، تقودني قدماي نحو الحي اللاتيني، أكنس ببصري شوارعه الخلفية الضيقة، مطاعمه ومقاهيه التي أوصدت أبوابها في وجه الغرباء، في هذا الحي تجتمع في تناغم كل القارات، تسمع كل اللغات، وترى كل الوجوه والألوان، إنه الآن خال من كل هسيس إلا من غيابه المتعب الذي يصعب ترميمه، أصل جسر ميرابو، الضباب دافئ على غير عادته، طوق ليل باريس بوشاح من البياض، أجج شهوتي للبقاء مسمرة وحدي، كل ما هنا يخبرني أنني عشت اللحظة من قبل، وفي كل مرة أشتهيها وكأنها الأولى، شيئا فشيئا تندفن تفاصيله فيّ كليا، يأتي صوته كهدية مسائية تطرق مسمعي.. كيف عرفت قبله أناسا كثيرين، وكيف لم يهزني بعمق سواه!..

القلب لا يحيا من غير ساكنيه، سكرات الحنين مريعة، وغيابه أكبر حالة قهر أصابتني..
أليس عبثا أن نعاند القدر ونجاري أحلاما لا أمل في تحويلها إلى واقع ؟

أشعر به يتحسس خطوي ويناديني.. بلا صوت، أبحث عني على سطح النهر، لا تزال في صورتي بقايا مسحات من الفرح،  
ربما هي خدعة الحياة، رد فعلها غريب دائما، تداري سوءاتها حين تؤلمنا بسخاء، أخوض حربي المسائية، إلى أن أنتهي إلى المعادلة الناقصة: "إذا لم نلتق ليس مهما، فهناك شيء ما جميل مشترك بيننا يمدنا بالحياة من حيث لا ندري".. 


( المقتطف مابين قوسين للكاتب المميز ناصر الريماوي )

04 أغسطس 2012

مهلا أيها المنفى.. تريث

13 تعليق


هذه البلاد رطبة يا حبيبي.. وأنا تعبت من ترميم الكسور..

طفرت من عيني دمعتان، أرأيتهما؟ أرأيت صمتي الساكن مثل الليل، ووهج النار الذي بداخلي، صوتي خفيض لا يسمعه إلاي، المدينة بلا بوابة، الشمس فوق رأسي بعيدة لا أتبينها، شكل البرج الحديدي لا يعجبني..الناس من حولي كثر، لكنني لا أرى أحدا، إنهم غير موجودين..

وتوقفت.. في منتصف الحب، أمسح بيدي الوجع.. غسلت وجهي، وظل الماء يؤلمني..
كل شيء شحيح، ماذا هنا من دفء الحارات وضجيج  الأسواق و نداء العطارين ونكهة الخبازين وصرخات الباعة ورائحة الجلد في سوق الدباغين، على حواف أذني يستقر صوت الآذان ورنين أجراس الكنائس القديمة وطَرْقات الحدادين وصيد البحارة وسواعد الجدافين..

وصورتنا ومريم أو ماريا ونحن نلتف حول نافورة الحديقة الزرقاء بعد أن رشت ما حولها بعطر مسك الليل، تلقننا أسماء الشتلات الأندلسية دون أن نعير وقتها أدنى انتباه للجمال المحيط بنا.. وتسهب في الشرح بعينين سوداوين واسعتين يغمرهما الحب رغم مسحة الحزن التي لم تفارقهما..

على إيقاعات العود وراء أسوار المدينة القديمة وفي حارات فاس البالي يضبط الميزان، ويتشكل عرس من الألوان نجماته نساء الحارة بملابسهن المزركشة  وأجسادهن المضيئة،  كن على موعد مسائي مع الإيقاع بعد أن يفرد النسيم أجنحته وتتوارى شمس الظهيرة خجلى، تتبارز فيه مارانيات الملاح والعربيات في إنشاد تراتيل الحب وما تيسر من الطرب الأندلسي ورؤوسهن وأكتافهن تتمايل مع هسهسة الماء الذي  تسرب من وراء أشجار البرتقال..

على حافة المنفى تستكين الذاكرة، وتختفي أشعة الشمس وراء غيمة لا تنسحب أبدا، تنزلق الأفكار لتطرد عبثية الأقدار دون أن نقوى على النسيان ولا حتى على الحياة..
ويقوى الشوق لأرض لم تعد موجودة إلا في الحلم، أرض كانت مختصرا لكل الآمال، ينبطح فيها الأقحوان على امتداد البصر ويصمد لخمسمائة عام غصن الزيتون، وتقوم الطيور من غفوتها وتخرج الفراشات من كراسات الصغار وتنمو التفاصيل التي كانت في وقت عادية وتبدو الان غير ذلك..

المنفى دائرة مغلقة سحبنا إليها القدر، لئلا تنام أعيننا من جديد، وعلمنا كيف نخفي الوجع ونهب أجسادنا للنار، ثم انسحب مخلفا إيانا كومة رماد..

شيء ما فيه مذاق الصبا وطعم الغياب وأجيج الرغبة ينظر نحوي بعينين شاردتين وذاكرة متآكلة تسرب منها الألم نحو عالم لاشيء فيه إلا الغياب والأسئلة المعلقة..
أنفصل بوجع عن الحياة، وأنام خلف كل هذه الألوان والطقوس والحكايا، أنصت لأنين داخلي غابت وسائل دحره ويرفض أن يرتاح قبل الرحيل ..

02 أغسطس 2012

كيف أعنون هذا الشتات ؟

19 تعليق


تخذلني الكتابة أحيانا، وشهوة البوح، يبدو كل شيء مغيما في ذهني، يخيفني بياض الورق، تتمكن مني حالة قنوط حادة وتتنكر لي اللغة، لكن حواسي تظل مستيقظة تراقب تفريغ الألوان عند مصب الذاكرة، فأتوقف، لأودع بعض تفاصيل الحياة، وأمضي إلى حيث لا يتبعني هدير الألم..

أنتظره أن يأتي، وأحاول أن أكتب.

على حواف الجسر، أمشي خفيفة أسمع نبض دمي، أوقظه على وجع فائت، أتلفت خلفي..
لاشيء سوى هاجس الخطى، وشرفة موصدة في داخلي، لا أحد يمر بها..أفرغتني المسافات من جسدي، من ضحكاتي الحميمات، وماء أحلامي، هزتني حبال الريح، فصحوت، أبحث عن رائحة العشب بعد المطر..

في ساعة لا نظنها يأتي الحزن، خفيفا كالموت، يوسع من نتوءات الحياة، فيبدو كل شيء ضبابيا في باطن الذهن، وتتكاثر الأسئلة المعلقة.. أفكر بلا هوادة، حتى تستقيم الأفكار عند باب العقل، أستنطق ألواني التي مزجتها، وأرى ملامحا لم تكن أبدا واضحة..

كلما اشتهيت الفرح أعود إلى قسمات الصغيرة،  وفي الحقيقة أعود إلي، أبحث عن منفذ للشتات  فوق غيمات من الوهم، أحن إلى الأجفان الصغيرة وهي تغالب أحلاما بلون الفردوس، أستحضرني وأنا أخلط الألوان لأرسم فراشات وأحلم أن أطير معها، في مدينة كنستها الرياح، لكنها لم تبدو لي أبدا باهتة..

كلما اشتهيت الفرح، أمتلئ عن آخري بتفاصيل الذاكرة لأعطي الحياة لما بقي من الأمنيات الهاربة، وأتملص من قلقي، من فوضى العابرين، وسخرية القدر، ومن كل البياض الذي يأتي دفعة واحدة، أترك النور الذي نما بين أناملي ينزلق من يدي، ويتلاشى الأزرق الناصع، ولا أفكر إلا في شيء واحد: كيف أعيد البسمة للشفاه الغاضبة..

24 مايو 2012

ذاكرة أندلسية ( قرطبة )

21 تعليق


الأزقة ضيقة والدروب خاوية، لا لون للسماء، الغيمات مجعدة، الشرفات مغلقة والستائر مسدولة، أرنو إلى البيت الذي خلا من سكانه، أزهار صفراء يابسة تنظر إلي، أتفاداها، الصحن الوسطي جف منه النبع، والغرف التي تلتف حوله جفت منها الحياة..لا أسمع صوتا، لا أسمع صوتي، أتساءل عما يدور ببال الصمت..
يجيبني الصدى: إنه جيش مهزوم عائد من معركة خاسرة، يجمع أشلاء الخيبات في سكون الظهيرة على أنقاض مدينة الزهراء..أنتِ تبعدين بثلاثين كيلومترِ خيبةٍ عن قرطبة..

أمشي، الساحة خالية والمشهد ذاته، سكون رهيب، وأنا أكره الهزيمة، سأبحث عن شيء في اللاشيء..
مهلا أيها الانتظار، أَرْهِفِ السمع، شيء ما يأتي من عتبة دار المدنيات، إنه لحن زرياب يخرج من أسوار المدينة الخالدة..
تنفجر الموسيقى من بين أصابعه وموشحات لا عهد لي بها، رذاذ حنون يسقط فوق جبيني، أرتشفه، تسوقني الريح ويذوب اللحن الأندلسي في دمي..

أعبر قنطرة الوادي الكبير إلى ضفة جامع قرطبة، تحملني النسمات إلى الداخل على غير هدىً، يبتعد نظري إلى حيث أجدادي الموتى، أسير بين الأروقة، أنظر إلى قباب المسجد وأقواس الآجر الأحمر وقطع الحجارة الصفراء والفسيفساء والسقف والأعمدة والجدران المنقوشة باسم الله،  تلك اللحظات عصية على الإدراك، تنتهي بغلبة الشوق على القلب..
أضع وشاحي على رأسي وأصلي، تفاجئني عواطفي..شرسة، قلقة، غامضة، قنوعة، خائفة، راضية..
أتأبط ذاكرتي كيلا تقع، أبحث لنفسي عن مكان في فناء المسجد المغروس بالأشجار، تطير حولي الحمامات، أرقبها وهي تبحث عن شربة ماء من سقايات الجامع ونوافيره، أوجه بصري نحو المئذنة، أعود إلى عصر الخلفاء الأمويين، أستحضر أولئك الذين تركوا بعضا منهم.. ورحلوا.. 

أغادر وتبقى دمعتي عالقة هناك..

صفير الريح الهادئ يكنس الغبار عن وجه العابرين، وجوه شقراء باردة، لا تشبهني، متسارعة الخطى، تنظر إلى هذه الغريبة.. أي ريح حملتها إلى مكان لم يبقى من وجودها فيه سوى الأثر؟ ..
جرح ضخم ومفتوح كان ينزف وقتئد، وأنا أبدو ككائنة غريبة حكم عليها بالطرد قبل خمسمائة وعشرين عام، تمتمت بشبه كلام لم أفهمه، عيوني زائغة وحماسي غائب، لبستني حيرة لم أعتدها، وكأنني أركب سفينة المنافي مكلومة منكسرة، أستعد للموت البطيء داخل سفن الترحيل .. 

مر الزمن بطيئا، وأنا أبحث عن قصر الإمارة، وعن أحواض الرخام وصهاريج المياه العذبة التي جادت بها جبال قرطبة، عن أشجار الصنوبر الحلبي  ونوار الشمس وشجيرات الشام وحدائق قصر الرصافة، عن مسك الليل وأشجار الزيتون والكروم، عن الأسواق والحوانيت والحمامات.. وعن بقايا الأمير عبد الرحمن..
انهالت علي الأمطار، تضرب وجهي، تحجب عني الرؤيا، حبيبات الثلج الصغيرة تتساقط فوق جبيني، ولا أشعر وأنا مندسة تحت شجرة البرتقال الكبيرة، إلا بوخز في قلبي..

مرت علي لحظة غريبة، لم أعرف كيف أفسرها، كانت قرطبة الكون، وكنت لاشيء، وكل شيء.. عمت مسحة من الأسى ملامحي، نفضتها.. ومضيت..

04 مايو 2012

اللوح الأزرق

21 تعليق


"هل القدر هو من يوجهني إلى بلاد أدمنتها وتسكنني أم هي حواسي تسوقني إلى ربوع الأندلس حيث تختلط في وصفها العبارات" ؟

انتهت الصفحات الخمسمائة وإثنين وستون، وبقيت أتفكر في العبر التي جاء بها الكتاب ..
المكان إسبانيا والزمان إبان سقوط الأندلس وتناحر ملوك بني الأحمر على السلطة واقتتالهم في سبيل المجد الزائف الذي سيفتك بغرناطة، آخر المدن الأندلسية الصامدة ..

ما كنت مخطئة هذه المرة أيضاً حين اخترت كتاب اللوح الأزرق لجيلبيرت سينويه، فقد تركت رواية ابن سينا طابعا عميقا في نفسي جعلتني أبحث عن مفاجأة أخرى لذات الكاتب.. فكان اللوح الأزرق ..

هذه الرواية تبين الثقافة الواسعة للكاتب واطلاعه على الأديان السماوية الثلاث، فما تحمله من آيات قرآنية وأجزاء من الإنجيل وما جاءت به الثوراة تجعلنا نصفق له تقديرا وإعجابا.
تجسد الرواية فترة كانت الأشد مرارة، حيث سقطت الدولة الإسلامية في الأندلس، وغرناطة صارت قاب قوسين أو أدنى من الضياع، كما ظهرت محاكم التفتيش في إسبانيا ونقض ملوكها عهودهم باحترام باقي الأديان، أما حملات التنصير فعلى أوجها، تدعمها الكنيسة والملكين فرديناند وإيزابيلا..
هذه الفترة كانت عصيبة على المسلمين كما كانت على اليهود، وقد أرخ التاريخ فيما بعد ويلات تلك الحروب والوحشية والتنكيل التي اعتُمدت مع غير النصارى، وابن برول، بطل الرواية، واحد من ملايين كانت تقتاد كل يوم إلى المحرقة..

من هنا كانت البداية، حين اقتادت محاكم التفتيش "ابن برول" بائع اللوحات الزيتية، الرجل اليهودي والحبر العالم وآخرين غيره من اليهود والمسلمين إلى المحرقة بتهمة الهرطقة والارتداد عن الدين المسيحي وممارسة شعائرهم الدينية خفية ..
ويُحرق ابن برول بعد أن ظل متشبثا بيهوديته رافضا تغيير ديانته لحساب النصرانية.

نهايته بداية القصة، حيث كتب قبل موته ثلاث رسائل لثلاثة أشخاص من ثلاث ديانات مختلفة، تحمل كل واحدة منها كلمات مشفرة لا تكتمل إلا بالتقاء الرسائل الثلاث، وذلك بغرض الوصول إلى اللوح الأزرق، لوح من الحجارة الكريمة يحمل سرا إلهيا، وحكما سماوية . 

لفك الشفرات التي قسمها بطل الرواية إلى ثمان قصور، يجبر الأشخاص الثلاثة وهم المسلم الشيخ ابن سراج واليهودي الحبر المسن عزرا والراهب الشاب المسيحي رافائيل فارغاس إلى التعايش بينهم لفك الألغاز المعقدة وتتبع الإرشادات رغم اختلافاتهم العقائدية، فتبدأ رحلة البحث المضني ما بين غرناطة وطليطلة وسلمنقة ومدن أخرى أندلسية عن العلامات التي قد تحمل معنى، قبل أن يسرق خادم ابن سراج أوراق سيده وتسقط في أيدي محاكم التفتيش، لتُرسَل بذلك مانويلا، صديقة الملكة لاقتفاء أثرهم وتندس جاسوسة بينهم، لكنها سرعان ما تنبهر بسعة علمهم وتتخلى عن دورها في الدفاع عن الشر الذي ما ارتضته يوما وتتأكد من حسن نية الرجال الثلاثة..

الرحلة نحو اللوح الأزرق وعرة ومحفوفة بالمخاطر، لكنها لقنت الثلاثة رغم اختلافهم دروسا وعبرا ليست بالهينة، واتفقوا على الوحدة في سبيل قضية سامية ما كانت لتكتمل لولا تضافر جهودهم مجتمعين..

سأترككم تكتشفون خبايا الكتاب، لكن قبل ذلك أوافيكم باستنتاج بسيط مفاده أننا مهما اختلفنا، واختلفت دياناتنا، لا يحق لنا  إجبار الآخر على اعتناق أفكارنا ومعتقداتنا، بل كل رسالة سماوية هي مكملة للأخرى، وعلى هذا المبدأ تنبني طريقتنا في التعامل مع الآخرين على أساس الحب والاحترام والتسامح بكل ما تحتويه هذه الكلمات من إنسانية .

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More