31 أغسطس 2013

أنا والحزن.. وحيدين

42 تعليق


أنا لا أملك غيره، حين يستحيل البقاء على قيد العروبة، حين توجعني رقعة الدم التي تتسابق لاستعراضها شاشات الأخبار، حين يلفظ هذا العالم المضاد للحب أنفاسه الأخيرة.. حين يغوص في صدري ألم لا أقاومه.. حين تصير أوطاني كشارع فرعي تدب فيه الشمس خجلى من كبد السماء..
ليس هنا.. لكن في البيت نسخة إضافية من زجاجة عطره..

في الهزيع الأخير من الليل، تمضي الساعات رتيبة لا تعرف الرحمة، دمعتين منحدرتين مني تنزلان دافقتين، شعور عارم بالخرائب يطيح بي.. تماما كما يفعل غيابه..

الظلمة محتدة وأنا أتحصن بعزلتي، تزحف ذكراه وأحدثها عن حزني، تحتشد بداخلي،  أتحسس في جوف قلبي ما علق منه، أغوص فيه وأنسى ما دونه، وأترقب ما يخبئه لي هذا الليل الأليل من أخطار.. يبعثر توالي أفكاري، ويخرجني من انتظامها إلى تيه ذهني..

أُفرغت السماء من الألوان وامتلأت بالرمادي الحزين تودع قوافل الراحلين، اخترق الخنجر صدر المقاتلين وهم يلوحون بشارات النصر ..
وبقيتُ أحصي المواجع المترسبة من بقايا أصابعهم المبثورة، أختلس النظر إلى نفسي وأقيس المسافة بين عمر اللقاء وعمر الوداع..

أأشفق على أوطاني أم أشفق علي لأني ارتكبت جرم الحلم بعالم أتنفسه بملء رئتي وكامل حواسي، عالم مربكة قضاياه الجميلة لا تسقطنا فيه سوى انتصارات الحب وقبلة عابرة للقارات.. منكسة الرأس، أدخل في نوبات صمتي لئلا أقضي قهرا من عبث الأسئلة والتمني..

بتلويحة يد من حاضري، أعود إلى حيث توقف بي الحبر، إلى هاوية وقعت فيها، أتعلم أن أثق بالقدر، أو ربما أحاول أن أكون الكائن الآخر الكامن فيّ، أكتب لأزيل الثقل عن روحي، وهذا الضيق الجاثم على صدري أبحث له عن هدأة تطول، وعن شرفة تطل على بداية أشهى.. وأكون.. كما لم أُرد أن أكون..

أترك أوجاعي إلى الحنين إلى ما سواها، إليه، إلى ذكراه التي لا تغيب، وعطش الكلمات إلى الحوادث الجميلة التي أحدثها حضوره، إلى زمن لا ألم فيه.. إلى فرح قديم يخرجني من نفسي ويدخلني إليه.. 

19 يونيو 2013

الصمت الشريد ..

11 تعليق


يزعجني ضوء النهار، فأنتظر هدأة المساء في ليل مترامي الحزن، يغالبني الوسن وأقاومه، كما أقاوم شظايا بنادقهم المتفشية في الصدور وفي الطرقات وشاشات الأخبار، تفصّدني رائحة الموت، تجرني إلى تيه ذهني استهلكت فيه احتياطي العقل، تطن أصوات بداخلي لا صدى لها، أتكوم على نفسي ليهجع صراخ الصبي، وحين يرتفع ذويه ويشتد وطأة، ينسال خيطان من الدمع على وجهي.. أنكمش على ذاتي.. وأحتقرهم..

عيوني شاخصة إلى زمان غير الزمان، تغيرت أشجار المكان ونوارس البحر وذكرى الغائبين والعبارات على دفتر الليل، وبقيت مناديل أمي في هذا الخواء تطل على جسدي الخائف وهو يفرغ حمولته الزائدة، ويطرد الكائنات الواقفة على صدري، نصبتُ الخيام على سطح قلبي العالق بين الأنات، حملتُني عبء الحاضر وتركت الغد يحمل في حقائبه خيباتي المكدسة، وتلك الريح، هي الان غير التي صادقتها، تسير في جهة مبهمة.. وأنا غيري..

ثمة شيء يكسر أجنحة الكلام في هذا الليل الداكن كأمسي، الخافت كأضواء معبد، المتناقض قليلا، المتناقض كثيرا، أقايضه بمكرمة وأفاوض آلهة المساء لتأتيني بنهاية لا تشبه البداية وبوجود لا يشبه العدم، لئلا أقع في شرَك الحلم مرتين..
أعيد تكوين المسافات لأبرأ من صهيل الأرض، لأشعر بضجر الأحياء ونشوة الموتى وهديل الحمامات وظلال الأمكنة وبكاء الغيمات وسيوف الغزاة وقهقهة الريح وضحكة الوديان وفاكهة الحياة.. ولا أشعر..

لم يتركوا لي سوى ذاكرة تسافر فيها النوتات الحزينة على عجل وقلب تحجر على الإسفلت، 
وحيد يركب بحر الرماد ويحمل تابوته بيديه مشدود في جرح الليل إلى مراثي الغائبين..
وعلى جبهتي حلم أبيض وغزالات تركض خلف الشفق الأحمر تنام فوق رموش الغيمات، ونظرة متعبة تهز بعنف جرح المدينة.. 

أغطس في زحام الذات، أنفض الدخان عن رئتي، أجتاز سردابا من وساوس، تتعرى أمامي الأغنيات الزائفة، تمتلأ صحرائي بالغمام وتطفو كل الجروح الصغيرة، ندبة ندبة، أدق على باب الفجر لئلا يجهض الورد.. ورغم كل الموت.. أرفض أن أموت..

02 يونيو 2013

بلنسية وأحزاني..

18 تعليق


يا أندلس جئتك وما في قلبي طرب
افتحي ذراعيك فقد هدني التعبُ
لا الزغاريد ولا الحناء..
ولا ارتكاب الشِّعر..
ولا دق الدفوف..
ولا بطاقات السياحة تجذبُ..
لا أزرق السماء والبحر..
ولا غواية السُّمر..
ولا بساتين النارنج أشتهي ولا عنبُ..

أيا أندلس عذرا جئتك باكيةً
وأنت مذبوحةٌ..
لا جيادٌ ولا سيوفٌ ولا وترُ..
وجعك عند أسوار المدينة يجره وجع
يفيض معينك ولا في العلياء مطر ولا سحبُ

اغتسلي بدمعي حين ينشق في الصدر قمر
وارسمي على جبيني أحلاما ملونة
ليهدأ على حافة الروح الصخبُ
يا أندلس أشكوك السواد الذي يمشي ملكاً..
وعينان في حجريهما لؤلؤ يلمع..
يا بلنسية دعي أبواب خاناتك مشرعةً
ووسعي ضفاف المتوسطِ..
على أرض شاطبة..
لينطفأ في صدري اللهبُ
 

04 مايو 2013

إسطنبول.. مدينة التلال السبع وعاصمة الإمبراطوريات الثلاث

17 تعليق


"لو كان العالم كله دولةً واحدة، لكانت إسطنبول عاصمتها".. هكذا قال نابليون بونابرت وهكذا سأقول أنا..

على مضيق البوسفور تنام المدينة بين قارتين، تقف بينهما أعلى الجسر شامخة تروي حكاية الإمبراطوريات الثلاث، يحتضنها القرن الذهبي، تصير لؤلؤة حين تهبط الشمس على الماء فتتشكل هالة من قداسة تلف هذه المدينة الخرافية الحسن..

للمدن ذاكرة لا تنسى، ولنا في العمر لحظات لا نعرف كيف نفسرها ولا كيف نقبض عليها، تسكننا الأماكن وتمتلأ صدورنا بالألوان، تكون قريبة منا كظلنا، كابتسامة هاربة تنزلق بين الشفتين، تتقاسم معنا وحدتنا وتخمد حرائقنا الداخلية فيغدو حس الحياة أقوى وأجمل..

بعيدا عن الحياة الباذخة التعب، أغمضت عيني المثقلتين برائحة الملوحة وبدأت أحصي دقات قلبي وأصغي لصفيق الأمواج دون مكابدة، الشمس رائقة تخفي تكدرها، أقرأ الدهشة في عينيها قبل أن ترميني بعيدا، ألقي بصري إلى عرض البحر، وأتبع المراكب إلى أن تفرغ حمولتها.. وقفت احتراما للمدينة.. لسيدة الجمال والأمكنة..

في غير حالتي الطبيعية وفي لحظات انتشاء، كنت أقيس أعمار الدروب والأزقة الملتوية والشوارع الخلفية، الدكاكين الصغيرة والباعة المتجولون والراجلون يعزفون على إيقاع واحد، زوايا أنيقة يغطيها سجاد وزرابي مفعمة بالألوان غطتها الظلال تربط الماضي بالحاضر..

طقوس هذه المدينة على قدر كبير من الغرابة ألهبت مشاعري، تشرع لك كل الأبواب الموصدة.. القبب والمآذن والمساجد والكنائس والقصور والأسواق والروائح والألوان ، تخفف شطط المنفى، تعيد الماضي ركضا وصلات متتالية، وتجعلك عاجزا عن الكلام، حقول الخزامى على امتداد البصر لا تنتظر طويلا كي تزهر، تبدو وكأنها عرس من ألوان.. 

كانت عيناي مركزتين على مدينة لا تحتاج وثيقة عبور لتحبها، غطست بملء إرادتي في التفاصيل الصغيرة واكتشفت أن قربي منها يزداد كثافة وأنني أتخلص من أثقال الحياة وأسافر في سماوات لا يعنيني بعدها ما يحدث على الأرض.. لكم أغبطني على هذا الصفاء وعلى هذه الفتنة الغير مسبوقة..

في لحظات سلام داخلي كنت أسمع صوت "لامارتين" وهو يردد: "هناك الإله والإنسان، الطبيعة والفن، كلها اجتمعت لتصنع هذه المدينة الرائعة، إنها فعلا تستحق أن تُرى"..

20 فبراير 2013

همهمات في جوف الليل

15 تعليق


على وقع خطى الأيام الرتيبة، أخرج عن حظيرة اليقين في جوف الليل، تباغتني زحمة الأفكار ولا أمسي أفكر في شيء، أستفيق من إطراقتي الطويلة لئلا أموت صمتا، أرمي بصري بعيدا وأغرس عيني المسبلتين في الأفق اللامحدود، أسبح في الفضاء كذرة ضائعة.. كما أشتهي أن أفعل حين لا أجد إجابة..

أهوال يأتي بها المساء لا قِبل لي بها، ولا حيلة معها، عاتية كالبحر لا تمنحك مهلة للتفكير،  يتقلب القلب، تختفي الملائكة الرحيمة، يجثم فوق صدري وجع يتدفق إلي في غفلة مني، أُحملني هذا الهواء الثقيل، وأحاول في غفلة من الحياة أن أجتاز منطقة الألم بنجاح..

أقبض على واقعي، أنتشل فكري العالق بين الصحو والحلم، أحاول ترتيبه درجا درجا قبل أن يحول بيني وبينه الموج، وأبتعد عن هزائمي الصغيرة والكبيرة ما استطعت إلى ذلك سبيلا..
أسير غائبة عني، أنفث غبار الأسئلة، يصمت داخلي إلا من بعض الهمهمات، أرشو القدر ليزيح بعض الثقل عن ذاكرتي، ويوقف زحف الزمن.. فأنا لا أريده أن يكبر أكثر وأكثر..

فجائع ذائعة الصيت تحوم حول خاطري، متلهفة إلى موعد مع الحياة، لا يأتي.. خجولا كأشعة شباط حين تفض عذرية الستائر في استحياء.. إنها إحدى صفات الليل، حين يوشح الباطن بالسواد.. قد يحدث ويكون له فعل كالسحر، يجلب الحياة إلى ضفتيه ويدعك تمارس لهفة الحنين في أمسية رائقة، ويحدث أيضاً أن يكون باردا وجافا، يتقمص دور الصعاليك.. يأخذ منك كل شيء، ويترك لك وسنات خاطفة يرش بها أهدابك على وسادة المساء..

لماذا تتركني أيها الليل لعصف الظنون ولا تأخذني غمرة النوم، طويلا كان أم قصيرا.. لماذا هذا الخلاف الثائر بيني وبينك.. لماذا تلهث ورائي منتشيا وكأنك ظفرت بغنيمة.. لماذا لا تغسل بالماء وجعي.. لماذا تجهز علي بميراثي الثقيل من الخيبات؟!..

هلا فككت ضيقي؟.. قل لي: لماذا خطاياك كثيرة ؟

11 فبراير 2013

نشيد يتمدد على جسد الأرض..

8 تعليق


أعرف زائر المساء من خفقان القلب، حين يأتي إلي هادئا، يبعد طنين الانتظار عن شرفة البيت ويحرس غفوتي التي تخطفها في غيابه رغبة البكاء ورعشة الحمى..
يأتيني خفيفا ناعما، يعطيني عمرا لترميم الخرائب التي خلفت ألما يفجع وشعورا خارج منطق الأشياء وكمائن الشوق وبهجة الاحتراق..

تبدأ الحياة بين يديه.. يأخذني إلى نفق في المجهول لا يتسع إليه قلبي الحائر، أمر أمام حلم هارب، أمشي في زمن بلا ذاكرة ولا حزن ولا فرح ولا هواجس، أسير إلى حيث يأخذني ولا أبالي، أحملق في السماء البعيدة والأيام الطويلة التي لا تنتهي..

أتبع ظل العاشقين وأحمله معي، غارقة فيه وخائفة منه في هذا الصمت الزاحف بين زمنين، تسبق خطاه خطاي، أعبئ اسمه في قلب امرأة مسافرة على ريح تخفي عواطفها في حقيبة السفر حين تتملص من المعاني بين الدفاتر، وحين تفر الاعترافات من سرير المساء، وتغلق دائرة الحزن..

أرنو صوب قصائده وأصاب كما اللغة بدوار البحر، أحاول فهم القصيدة، أصدق تاريخ الولادة  وأقبض على الجمل المستعارة وأضع ثقبا يتسلل منه الضوء كلما عسعس الليل، هذا الليل الكثيف البياض.. لا يتركني أحيك قصتي ولا أنا أترك للفراغ مكانا للحلم..

أرحل في خلاياه وأمشي في اتجاه الموج الأزرق، أمتلأ بالهواء الشهي وأنشد أغنيتي الأولى بين الصحراء والبحر، أترك الأرض تكمل بهدوء دورتها وأستحضر ما علق من نوتات وأدع اللحن يتمدد على جسدها..
يسحبني من بقاياي، نطيل المساء على الجسر، يرمي بحبات القمح لتلتقطها في السماء العصافير، يوقف صهيل الكلام، وأوقن أنه يحميني من خيباتي الأخيرة ومن أسئلة الوجود..

إنه نشيد السماء ونشيد البحر والأزرق الذي يمشي بينهما، يخرج من ضلعي ويواصل رقصته على أوتار القلب وظلال المدى، يمزق سرب الكلام عند أعتاب المدينة الواقفة، ويأتيني كالسيف يقطع كل البدايات.. وكل النهايات..

20 يناير 2013

مكتبتي لعام ٢٠١٢

14 تعليق


من العتاب ما يذهب الكسل.. فإليك سناء حفنة الكتب هذه.. وإلى كل المارين من هنا..

تأخرت وما نسيت، لكن الوقت خذلني، وها أنذا أعود ببعض ما علق في ذاكرتي، فلكل عشاق الكتب أهدي هذه المجموعة..



"موت الأبد السوري"- شهادات جيل الصمت والثورة- للكاتب محمد أبي سمرا، يعرفه صاحبه بأنه يروي شيئا عن موت الأبد في سورية ليصير لها تاريخ وليتمكن السوريون من روايته، وجدته غنيا ومتعبا ومؤلما وفيه من التفاؤل الكثير وهو يحكي فصولا من حقبة قال عنها رمادية وأقول سوداء من حياة السوريين بعد مجزرة حماة في العام ١٩٨٢، وعن خروجهم من نفق الخوف وانبثاقهم من عمق القهر ليشعلوا ثورة ضد الصمت لازالت مستمرة حتى الآن..وقائع وحقائق وشهادات تثير الدهشة..


قرأت لواسيني الأعرج رواياته "البيت الأندلسي" و"شرفات بحر الشمال" و"سوناتا لأشباح القدس"، هذه الأخيرة التي تجسد الوجع الفلسطيني من زاويته الإنسانية في شخصية "مي"، الفنانة الفلسطينية التي غادرت أرضها قسرا عام ١٩٤٨ وعمرها ٨ سنوات بهوية مزورة تجاه أمريكا، تفرض نفسها كفنانة تشكيلية مرموقة إلى أن يداهمها السرطان وتستيقظ فيها تربتها وأشباحها الخفية كما يقول الكاتب، وتتمنى العودة إلى القدس لتموت هناك، ومع استحالة مطلبها توصي قبل وفاتها أن تحرق ويذر رمادها فوق نهر الأردن وفي حارات القدس، وتدفن عظامها في أمريكا حيث يقيم ابنها "يوبا" ليتمكن من وضع ورود على قبرها كل يوم ثلاثاء.. إنها الملحمة، الملهاة.. والشتات الفلسطيني..


روايتين رائعتين، كتبت عنهما بإسهاب في تدوينتين سابقتين، "اللوح الأزرق" و"ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان" للكاتب جيلبيرت سينويه.. لن أعيد سرد فصولهما لئلا أكرر ما قلته، وبإمكان المتابعين الأعزاء الرجوع إليهما..


وصلتني المجموعة القصصية "ميرميد" من القاص الصديق ناصر الريماوي، هذا الكاتب الجميل الذي يضفي على القصة روحا مختلفة تحقق لنا عنصر الإبهار بأسلوب يخرج عن النمط التقليدي للقصة، وأعيد هنا ما قاله الشاعر والناقد علي شنينات عن هذه المجموعة " يقدم ناصر الريماوي بشجاعة الواثق إبداعا متجددا وفي هاجسه أن العملية الإبداعية هي خلق وتجديد وطرق أبواب جديدة من حيث الشكل والمضمون في بناء القصة وليس الوقوف على الراكد والخنوع للتجارب السابقة ".. فشكرا لناصر على عنصري التجديد والإبهار..


أعارني صديق كتابا جميلا للكاتب والشاعر المغربي جمال بدومة بعنوان مغري "كيف تصبح فرنسيا في خمسة أيام ومن دون معلم"، هذا الكتاب ذو السخرية اللاذعة يسرق منك ضحكات مجلجلة في عمق الوجع، ويجعلك تصل إلى قلب المعنى دون جهد بليغ، يحكي يوميات طالب مغربي هي يوميات السواد الأعظم من الطلبة المهاجرين في باريس، المدينة الخرافة وقبلة الحالمين بجنة لا تتجاوز حدود المخيلة، يصطدم بواقع أشد بؤسا مما رسمته أحلامه في رحلة البحث عن أوراق الإقامة والكفاح المتواصل في بلد المساواة وحقوق الإنسان..
الكتاب أكبر من قصة طالب مفلس، إنه صراع النفس الإنسانية في رحلتها مع الحياة، صراع بين الشرق والغرب، بين الوطن بتقاليده وتناقضاته وقسوته وبين المهجر وثقافته ونزعته الاستعمارية.. إنه تصحيح للأفكار المغلوطة المتوارثة على مدى السنين..



قرأت أيضاً سلسلة "علمتني الحياة" بأجزائها الخمسة للدكتور طارق السويدان، يناقش فيها مسائل حيوية في حياة الإنسان ويصحح مفاهيم مغلوطة ويحاول أن يضخ في القارئ دماء جديدة تفتح له آفاقا للنجاح انطلاقا من مفاهيم وتجارب شخصية وأفكارا ودروسا علمته إياها الحياة..


غسان كنفاني بكتابيه الصغيرين "عائد إلى حيفا" و "رجال في الشمس" يعيد الصوت الفلسطيني إلى الواجهة ويعيد النظر في مفهوم الوطن، وضرورة الخروج من الموت الفلسطيني كما يسميه نحو صناعة مستقبل لا  تستند ركائزه على أنقاض الذاكرة.. هذين الكتابين باذخين بقدر وجعهما..



يستهويني فكر الدكتور علي شريعتي، قرأت له "الإمام السجاد أجمل روح عابدة" و"محمد خاتم النبيئين" و"الأمة والإمامة" و"النباهة والاستحمار".. فكر قد يعارضه السنيون، لكنه موسوعة من الأفكار الضخمة..


قرأت أيضاً لربيع الجابر روايته "دروز بلغراد" الحائزة على جائزة بوكر العربية للعام ٢٠١٢، حكاية "حنا يعقوب" بائع البيض، صاحب الحظ العاثر الذي ستنقلب حياته رأسا على عقب والذي سيمضي أعواما من عمره حبيسا بلا جرم في أراض غريبة جراء تواجده في المكان الخطأ في الساعة الخطأ !!.. رواية تحبس الأنفاس، أنصح بقراءتها..


كان لي موعد مع كتب مالك بن نبي المحفزة، فكره الذي يسعى للنهوض بالأمة ورفعها من كبوتها، يجعلك تستحضر جميع حواسك وتعيش عمق مشكلات الحضارة وتنعم بحلوله المتغلغلة في الأعماق.. قرأت له "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"  وكتاب "القضايا الكبرى"..لو نظرنا إليهما بعقول ناضجة لوقفنا على منغصات الحضارة ووجدنا لها الحلول..


جاءت أحلام مستغانمي بروايتها "الأسود يليق بك" لتروي لنا بحبكة ذكية قصة فنانة جزائرية قتل الإرهابيون أخاها ووالدها، تلبس الأسود ولا تخلعه، تعرضت للتهديد جراء نشاطها الفني، هاجرت إلى الشام رفقة والدتها السورية، وعاشت حياتها كفنانة..يلقي القدر في طريقها رجلا ظنته فارسا من زمن لم يعد، عاشت معه قصصا خرافية في رحلة من ألف ليلة وليلة، هذا البطل اللبناني الباذخ الثراء حاول ترويض مهرته فخذله حدسه وخانته ثروته..
في هذه الرواية نستخلص عبرا كثيرة اجتماعية وسياسية ودينية نسقتها الكاتبة بلغة سلسة أخاذة..

أظنني أطلت عليكم بما يكفي، وسأكتفي بهذه الكتب التي تحضرني الآن وآمل أن تستسيغكم فهي تستحق التوقف عند عتبات صفحاتها..

06 يناير 2013

ماذا بعد الحب !

12 تعليق


كل شيء خال من الحياة، الجو بارد، الأوراق المبللة تناثرت على أرصفة الحي اللاتيني، رائحة الشوق تملأ الأمكنة وعرس من الألوان زين سماء المدينة وحواف الجسور، أضواء نهاية السنة تتلألأ غير آبهة بنقرات المطر، نوتات هاربة توقظ حنيني إليك على مرأى من نهر السين، تعطي لحياتي كل المعاني، وفرح مؤجل يوقد في عينيّ كآبات صغيرة..  

بيتنا المسروق من الورق يخبئ وطنا جميلا داخل اللغة وحروفا مرصوصة في عمقها لغم خفي خارج عن كل منطق، كجنون لن يتكرر يوما، كلحظة البدايات المحفوفة بالمخاطر الكبرى وباحتمالات النجاة واحتمالات الموت، كشعور قوي يعاند ليستدرج القدر لإخماد براكين ملتهبة خرائبها تزداد كل يوم اتساعا..

ضائعة وسط هذه المدينة الغريبة الأطوار، سعادة مفجعة تنزلق من بين أصابعي وأنا في أقصى درجات الخوف من قدر مباغت يعبث بي، قدر ناصبني العداء ومنحني حياة واحدة، ولكنها لا تكفي..  

غبش المطر يقرع نافذة الليل، وأنا أبتعد قليلا، أنسحب بهدوء من ذاكرة الأشياء الجميلة وهبل يقودني إلى حيث لا أدري، تنكفئ علي أوهامي المثقلة بعطرك وبملامح تنبض في غيابك وبفرح مستبد طولا وعرضا.. أأرافع طويلا أمام هشاشتي الملتبسة وأكسب القضية بلا خسارة في مادة الحياة ؟..

يلف البياض ذاكرتي وأنا أبحث عنك للكتابة، حالة مؤذية أحاول أن أقبض فيها على حلم هارب يخلف هزائم عميقة قبل الأفول.. توجعني الأشياء الجميلة، فهي تنهينا بسرعة الألغام القاتلة، مخلفة إيانا كومة من رماد ومجرد أمنيات معلقة في الفراغ..

13 نوفمبر 2012

مالقة.. تاريخ ينام فوق التلال

12 تعليق


في ساحل الشمس، وعلى منحدر شديد الميل، تسري رعشة في جسد الليل، يقصر كل شيء وتطول الحكاية، أموت صمتا في لحظة منكسة الرأس، وينفتح جرح آخر، أغمض عيني لكي لا أرى شيئا، وأصدق أنني فاصلة في سطر عابر.. 

أسحب باستماتة رغبتي المحمومة في استحضار التفاصيل التي اقتادتني حتى هنا.. إلى هذا الحلم الذي أحبه.. ويوجعني ..

لست أدري ما الذي سحبني نحو المحيط، حيث الشمس رائقة في عز الخريف، دفنت قرصها في منتصف بحر عاتٍ معاند، والنسمات محملة برياحه الخفيفة، تحاول في طريقها أن تكنس أحزاني الضامرة..
هل ستمسح وجعي وتنقل إلي صوت البحارة وهم يحملون الفخار المالقي المذهب والزجاج الملون إلى أقاصي البلاد؟.. يالهذا البحر، لا تقبل أعاليه بأنصاف الحلول، ولغته  لا يفهمها إلا الحالمون..

في لحظة شرود مسروقة من زمن مضى، كنت  أتنقل بين القيساريات والأسواق والقلاع والقصاب والقناطر، أتوه بين الحارات والساحات العامة، أمر بمسجد العطارين وأبحث عن البلاطات الخمس في مسجد الأمير بن عبد الرحمن، بدت لي حصون القصبة وترهلت أمام ناظري أبراجها، ظل قصر باديس يروي حكاية لم تنتهي، ترمم حزنه أشجار النارنج البديعة والنخيل السامقات ونوافير الماء وبساتين التين.. وظلت بقايا دار الصناعة منذ بني الأحمر تحيي عهدا انقضى وواقعا لم يمت..

وقفت قبالة سور المدينة أعد ما تبقى من أبوابه الخمسة، أقيس بالعين أعمار الدروب ورجالا ونساء توقفوا هنا، أرقب المارة الغادين والرائحين والنوافذ والأبواب والأرصفة، ويحمر وجهي حين يتسرب إلي الحنين ورغبة جارفة 
في توقيف عقارب الزمن، لأرى الصبية يملؤون الحارات ورائحة الشاي تنضح في الأقداح بدل البيرة الرديئة..
أما ما بين "القصبة" و "رملة" فيمتد وجع كبير، ونبع كانت تجود به المرتفعات المجاورة منذ ألف عام.. جف النبع، وبقي الجرح غائرا..

مشيت، لم أكن أعرف أين أتجه، ولا ما ذاك الشيء الملتبس الذي بداخلي، يشبه طعم الحب ولون الرماد، كنت أنصت لنداءاتي الداخلية، لعنف التاريخ وسيول الأسئلة المثقلة بالغبار..

كيف أنسى وكيف أتذكر، توهج الليل وهجرة الألوان وأكذوبة الذكرى والوجوه المحتشدة بالفراغ، دموع الغيم ونبات الأرض، حقول السنابل وجذوع الشجر،  وذاك المساء البعيد، قبل أن يخطفه البرق ويمضي في خطى مغتربة.. أنفض الغبار عن قلبي وأفتحه على الحياة دون أن أبكي، دون أن أنشد أغنية الوداع ..

05 أكتوبر 2012

خريف..

17 تعليق


لم يكن حبنا كافيا ليبعد ليل الشتاء الطويل، ولم أكن امرأة ولدت من ضلعك لتلبسها ثوب العروس وتأخذها برفق إلى منتهى الحالمين.. ماذا كنا نصنع بغدنا غير تكسير الوقت قبل أن تفكر النجمات في اغتيالنا..
هل تضيق الأرض ويتسع صدري في هذا الزحام لقيلولة ننام فيها معا بلا ألم وسط خيال أوضح من واقع في بلد الغرباء..؟

هنالك صمت فسيح، وزرقة في الأفق وطقوس حب على بعد فرسخين منا، مساء يصاب بسوء وأعمدة تتكسر على عتبات الجسور، حمائم هنا وهناك لا سعيدة ولا حزينة، وقهوة تصهل عند باب الشفتين، قصاصات مقتبسة من أساطير الهوى يلقي بها غيم بعيد، كانت تسمى حبا فيما مضى، وصرت حين أفتحها أخاف النوم..

انتظرنا، ولم نعرف أننا ذاهبان في فحم الليل إلى مكان يكنى العاطفة، ترشدنا في طريق التيه ثقوب لا تحمل علامة، مبطنة بأريج الورد ورذاذ الليمون واشتقاقات الألوان، تقودنا ولا تكترث، مثلي ومثلك، بترتيب فوضى الحواس السائرة في اتجاهات معاكسة..

خريف باريس ههنا، عائد ليمارس غوايته على أوراق البلاتان الكبيرة، ويعري بسخاء الأشجار التي تنزع لباسها أمام قطرات تهتز لها صلابة الأرض، وما بين هذه الإيقاعات السرية، وزهر اللوز الذي ينبت بين النهدين، كان الضوء يتسلل إلى مدينة الفتنة كرائحة العطور الباريسية الفاضحة في أمسيات الحب، وكنت أنت، تسرع الخطى مخافة أن يصيبك مرض الحنين، تبتعد، أبعد من حلمي، لا تقوى على الرجوع لشيء، ثم تجلس كأمير جميل سيعتلي العرش، ولا يعرف كيف يبدأ ولا إلى أين ينتهي ...

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More